استبداد العسكر وصدمة الشعوب !!

استبداد العسكر وصدمة الشعوبوسط الفرحة العارمة التي تعيشها الشعوب في المنطقة العربية عقب زوال عدة أنظمة مستبدة وقرب زوال البعض الآخر, ومع توالي الانتخابات النزيهة والتي اكتسحها الإسلاميون خرجت علينا تصريحات تريد إعادتنا للخلف وكأن دماء الضحايا التي لم تجف بعد، وكأنها نُزفت من أجل استبدال عسكر بعسكر ودكتاتور بدكتاتور، ويبقى الشعب رهينة المنح والعطايا..

لقد خرج علينا أحد أعضاء المجلس العسكري الحاكم في مصر، والذي أكد دومًا على أن السلطة ستعود للشعب، وأنه لا تراجع عن "الديمقراطية" ليقول: إن البرلمان القادم لن ينفرد باختيار لجنة تشكيل الدستور؛ لأنه "لا يمثل الشعب"، وأن المجلس الاستشاري والحكومة -التي شكلها المجلس العسكري بالأمر المباشر دون رغبة معظم القوى السياسية- سيشاركان في اختيار اللجنة, وأنه لن يسمح لأي تيار سياسي بفرض إرادته حتى لو حصل على الأغلبية في الانتخابات! وجاءت هذه التصريحات بعد قليل من تصريحات أخرى سبقت الانتخابات أكد فيها المجلس العسكري أن الحزب الفائز في الانتخابات لن يكون له رأي في الحكومة ولن يشكلها، وأن المجلس العسكري هو وحده صاحب الحق في ذلك. وهو كلام يتنافى مع أبسط قواعد "الديمقراطية" في أي بلد عرفتها، ويسحب حق الشعب في اختيار من يحكمه.

إذن لماذا قام الشعب بالثورة؟ هل من أجل تشكيل برلمان خالي الصلاحيات لا يستطيع عزل الحكومة التي عينها مجلس عسكري جاء للحكم بإرادة الشعب نفسه؛ لكي يسلم السلطة للمنتخبين؟!

إن المجلس يفعل كما كان يفعل مبارك من قبل، غير أنه يجعل الشعب يختار من يريد ثم يسحب منه صلاحياته، أما مبارك فكان لا يسمح للشعب بالاختيار مع منح المجلس صلاحياته. فالنتيجة واحدة، وفي النهاية الشعب عند المجلس العسكري ومبارك بل والعلمانيين قاصر وجاهل لا يعرف مصلحته، وينبغي الوصاية عليه..

لا يوجد برلمان في أي دولة في العالم يمكن أن نقول: إن كل الطوائف والفئات ممثلة فيه، ولكن هناك أغلبية وأقلية؛ فالأغلبية هي التي تحكم وعلى الأقلية والفئات غير الممثلة أن تعيد حساباتها للفوز في مرات قادمة، ولكن نزع صلاحيات الأغلبية من أجل هذه الحجة الباهتة معناه أن لا فائدة من الانتخابات، وأنها تمت من أجل تسكين وتسكيت الشارع، كما يفعل المجلس منذ أن جاء للسلطة..

المدهش أن هذه التصريحات وما قبلها قوبل من أساطين الفضائيات والعلمانيين "مدعي الديمقراطية" بالصمت بل والترحيب الخفي؛ لأنه صادف هواهم المعادي للإسلاميين، وهو ما يؤكد انتهازيتهم وأن "الديمقراطية" ليست لُعبة الإسلاميين لكي يستولوا على السلطة كما يزعمون، ولكنها لعبتهم هم, وليس أدل على ذلك من تخويفهم للشعب جراء اختيارهم للإسلاميين، حتى إن بعضهم أكد أن البلاد أوشكت على الخراب، وأن الكثير من الناس يقفون أمام السفارات الأجنبية للحصول على تأشيرات لكي يهربوا من البلاد! وإذا كان هذا التهويل صحيحًا، فلماذا أعطى كل هؤلاء الملايين أصواتهم للإسلاميين؟ وإذا كان وصول أي فئة للحكم سيجعل الفئات الأخرى تهدد بالرحيل، فما معنى الانتخابات إذن وما جدواها؟!

إن ما يحدث في مصر يعد انقلابًا على الخيار الشعبي ولكن بشكل تدريجي وهو شبيه لما حدث في الجزائر من قبل على أيدي العسكر وأدخل البلاد دوامة شديدة من العنف, ولكن الشعوب الآن أصبحت أكثر نضجًا وعرفت طريق الميادين، ولن تترك فئة واحدة تتصدى للاستبداد فيسهل القضاء عليها كما كان يحدث من قبل، ولكن ستقف جميعها للدفاع عن حريتها واختيارها..

لقد أصابت هذه التصريحات الكثيرين بالصدمة وأعادت الحديث عن إمكانية رجوع العسكر حقًّا لثكناتهم بعد هذه المناورات دون ترتيب الحكم بشكل يرضون عنه هم وليس كما يرضى عنه الشعب, خصوصًا ونحن مقبلون على انتخابات رئاسية لا نعرف كيف ستجرى بالضبط..

هل أصابت نتائج الانتخابات العسكر بالصدمة كما نقل بعض الكُتَّاب عن سياسيين بارزين التقوا بهم مؤخرًا؟ هل هناك ضغوط ما يتعرضون لها من الغرب؟ هل سيؤثر ذلك على كيفية إدارة انتخابات الرئاسة وتشكيل لجنة إعداد الدستور؟ ألف هل وهل تطرح نفسها، بعضها إجابته واضحة ومخيفة، والآخر ستكشف عنه الأيام القادمة.

المصدر: موقع المسلم.

روابط ذات صلة:

- مجلس الأشقياء

- قال التاريخ عن حكم العسكر

- خطايا العسكر وثورة التحرير الثانية

- المجلس الاستشاري .. وأشياء أخرى

- المجلس الاستشاري انقلاب عسكري

- فوز الإسلاميين في مصر .. هذا هو الطبيعي

- وصايا العسكر فوق الدستورية .. والحسابات الخاطئة

تعليقات القراء