الإخوان المسلمون والموقف من مرشح رئاسة مصر

تصريحات الدكتور محمد بديع، المرشد العام للإخوان المسلمين، حول الموقف الذي ستتخذه الجماعة وحزبها "الحرية والعدالة" بشأن انتخابات رئاسة الجمهورية، ورفضها أي مرشح إسلامي للمنصب، وأنها تريد شخصية "توافقية" على غرار ما يحدث بين فتح وحماس الآن في فلسطين - تصريحات خطيرة بالنظر إلى العديد من الأبعاد، وليس أدل على خطورتها من ردود الفعل السريعة التي تتابعت عليها، على الرغم من انشغال كل مكونات الحركة الإسلامية في مصر هذه الأيام بذكرى الثورة وجلسات البرلمان الأولى وغيرها من القضايا الكبرى في البلاد.

ففي زحمة الأحداث تحدث الدكتور بديع في لقاء تليفزيوني عن رؤيته لمواصفات رئيس مصر المنتظر، متمنيًا "ألا يترشح واحد محسوب على التيار الإسلامي؛ حرصًا على مصلحة مصر" -على حد قوله- التي صارت "تحت المجهر"، بحيث لو تقدم إسلامي فإن ذلك سيتسبب في "استهداف مصر فيما يُنتظر لها في المستقبل"، من قِبل المتربصين بها في الداخل والخارج، كما حدث مع حماس في غزة.

ولذلك فهو يفضل رئيسًا توافقيًّا، ثم ضرب مثلاً يدلِّل به على صحة ما قال يتمثل في عودة حركتي "فتح" و"حماس" معًا تطالب كل منهما برئيس توافقي من خارج الحركتين، وذلك بعد أعوام من الصراع بينهما والتنافس على المناصب، حتى تأكد من خلال الضغوط التي مورست على حماس أنه لا يصلح إلا رئيس توافقي.

حقيقة هذه التصريحات تحتاج النظر إليها من أكثر من زاوية، أهمها:

1- إلى أي مدى يمكن أن تمثل هذه التصريحات الموقف الرسمي النهائي للإخوان المسلمين؟

2- مدى واقعية ما قاله المرشد العام، خاصة مسألة الضغوط الأجنبية ومدى صحة المثال الذي ساقه للتدليل على رؤيته.

3- مردودها على جماعات العمل الإسلامي والشباب الإسلامي والشارع المتدين في مصر باعتبار هؤلاء هم المعنيون بها في المقام الأول.

1- أولاً ما زال يصعب على أي متابع دقيق الجزم بأن ما قاله مرشد الإخوان هو بالفعل الموقف الرسمي النهائي لأكبر جماعة إسلامية في مصر منخرطة في العمل السياسي، ذلك أنه من الوارد جدًّا أن تكون خرجت في سياق من التطمين أو الرسائل التي يطيب إرسالها الآن إلى الداخل والخارج، خاصة وأن الجماعة لم تستقر حتى الآن على شخصية بعينها.

وقد تكون أيضًا وجهة نظر واجتهاد من المرشد، لم يتبلور بينه وبين قيادات الجماعة.

لكن وبالنظر إلى موقع المرشد العام من الجماعة يصعب التسليم بأن مثل هذا التصريحات خرجت هكذا دون أن يكون -على الأقل- سبقها نقاشات داخلية بين صانعي القرار السياسي في الإخوان.

ومما يعزز ذلك تأكيد القيادي بحزب "الحرية والعدالة" الدكتور محمد البلتاجي لها، معتبرًا عدم دعم أي شخصية إسلاميه قرار "محسوم" للإخوان؛ "لأن شعارنا هو المشاركة لا المغالبة"، ضمن تصريحات له.. إلا أنه وعلى الرغم من كل ذلك يبقى الحكم بأن هذه التصريحات تمثل الموقف النهائي للإخوان محل نظر، حتى تؤكدها شواهد أخرى.

2- أما من حيث النظر إلى مدى واقعية هذه الرؤية التي قدمها المرشد، وهو من هو الآن في مقام المسئولية، خاصة فيما يتعلق بالضغوط الخارجية التي ستمارس على مصر في حال اختار شعبها رئيس من التيار الإسلامي. فقد ذكرتني حقيقة تصريحات الدكتور محمد بديع بما سبق وقاله الدكتور مصطفى الفقي في عهد المخلوع مبارك، فبينما كان يجري الإعداد لتوريث جمال مبارك حكم مصر على قدم وساق، خرج الفقي ليقول: إن رئيس مصر القادم لا بد وأن يأتي بموافقة أمريكا وعدم اعتراض إسرائيل!

كان ذلك في سياق كلامه خلال مقابلة صحفية سُئل فيها الفقي: "هل أمريكا وإسرائيل ستشاركان في اختيار الرئيس؟ فأجاب: "لن يشاركوا، ولكن سيفتحون الأبواب أو يغلقونها".

أتذكر وقتها قامت الدنيا ولم تقعد، مستنكرة ما قاله رئيس لجنة الشئون الخارجية بالبرلمان السابق، ثم انبرى الكتاب والمثقفون يردون عليه، حتى اضطر (الفقي) إلى أن ينفي ما قاله عدة مرات، دون أن يشفع له ذلك. ثم ها نحن نُفاجأ بعد هذه الثورة المباركة وما قدمه الشعب من تضحيات بالمرشد العام للإخوان المسلمين يعيد إنتاج نفس الكلام، وإن كان بإخراج مختلف عن إخراج الفقي، كأننا لم نخرج في "ثورة" لتغيير تلك الأوضاع، التي كنا فيها أُلعوبة في يد الشرق والغرب.

ثم من قال: إن ثمة وجهًا للشبه بين ما مورس من ضغوط من قبل أمريكا وحلفاء إسرائيل على حكومة حماس في غزة وما يمكن أن يحدث في مصر، الأمر مختلف تمامًا؛ فالحصار الذي ضُرب على غزة لا تقوى على فرضه على مصر أي قوة كائنة من كانت في العالم؛ وذلك لأسباب عديدة، أقلها كون إسرائيل نفسها على حدودك، ومن مصلحة أمريكا والقوى الحليفة لها أن تظل حدود مصر البحرية والجوية والبرية مفتوحة مع العالم كله على مصراعيها، بل وآمنة.

أما بشأن قطع العلاقات مع الحكومة المصرية فهذا أمر أبعد من الخيال نفسه؛ لأن إسرائيل والداعمين لها في المجتمع الدولي يعلمون تمام العلم وزن مصر الإستراتيجي، ليس في العالم العربي والإسلامي ومنطقة الشرق الأوسط فقط بل في العالم كله، وموقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية والبشرية والممرات البحرية التي تشرف عليها أكبر شاهد على استحالة عزلها، هذا فضلاً عن المصالح التي تحرص عليها هذه القوى من خلال ديمومة العلاقات الطيبة بينهم وبين حكومة القاهرة.

3- أما من حيث مردود ما قاله مرشد الإخوان داخليًّا -وفي حال تأكد أن تصريحات الدكتور بديع هي الموقف الذي ستتبناه الجماعة بالفعل، وأنها لم تكن مجرد تصريحات عابرة- فلن يكون هينًا على الإطلاق، وظني أن الإسلاميين على تعدد انتماءاتهم وجماعاتهم وأحزابهم سوف تكون لهم وقفات ووقفات لرفض مثل هذه التصريحات، بمن فيهم الإخوان المسلمون أنفسهم.

كما أنها حتمًا ستواجه برفض غير مسبوق من قبل الشارع الإسلامي؛ ذلك لأن أعلى منصب في الدولة لطالما حلمت الشريحة الكبرى من أبناء الحركة الإسلامية باليوم الذي ترى فيه يتبوأ هذا المنصب واحد من أصحاب الدين؛ أي أن يكون رئيسًا متدينًا، يعرف الحلال من الحرام، وعالمًا بأوامر الشرع ونواهيه.. فكيف يكون الحال وهم الآن باتوا يرون أنه لم يعد مانعًا بينهم وبين ما عاشوا يحلمون به وأن القدرة على ذلك -بفضل الله- متوفرة، بغض النظر عن حسابات هذا الطرف أو ذاك؟!

ولعل موقفًا سياسيًّا ودينيًّا بهذا الحجم كان ينبغي على الدكتور بديع ألا يتسرع في الإفصاح عنه منفردًا بهذا الشكل، قبل أن يأخذ وقته وحجمه من النقاشات داخل الجماعة، ومع القوى الإسلامية الأخرى، بل كان الأولى له أن يتريث حتى يتسنى له إدارة نقاش جاد حوله؛ لأن قرارًا كهذا لا يهم بديع وحده، ولا يهم الإخوان وحدهم، بل يهم الغالبية المسلمة من المصريين على تعدُّد جماعاتهم وانتماءاتهم، فلا يتوقع بأي حال أن تمر مثل هذه التصريحات على القاعدة العريضة من الشباب الإسلامي على تعدد انتماءاتهم، فضلاً عن القوى والجماعات الكبيرة مرور الكرام، بل سيكون لهم ردود وردود.

أحدث ردَّات الفعل على موقف الدكتور بديع، جاءت من قِبل مجموعة من شباب الإخوان المسلمين دشَّنوا صفحة لهم على "فيس بوك" تحت عنوان "أنا إخوان وهانتخب مرشح إسلامي". قالت الصفحة إنهم يرفضون تصريحات المرشد، ويخالفونه الرأي، رغم أنهم يحبونه، "ولكن الحق أحب إلينا من أنفسنا".

بل واستشهدوا بكلمات لمؤسس الجماعة الإمام حسن البنا، يقول فيها:

"قد يقال: إن الجهر بالعودة إلى نظام الإسلام مما يخيف الدول الأجنبية والأمم الغربية, فتتألب علينا وتتجمع ضدنا, ولا طاقة لنا بها, ولا قدرة لنا عليها. وهذا منتهى الوهن, وغاية الفساد في التقدير وقصر النظر".

يضيف البنا رحمه الله: "ها نحن أولاء نرى هذه الدول وقد سايرناها في نظمها, وأخذنا بألوان حياتها واتبعناها في تقاليدها, فهل أغنى ذلك عنّا شيئًا؟ وهل دفع عنّا من كيدها؟... إلى أن قال: إذن فلن يجدينا شيء عندهم أن نتنصل من الإسلام, ولن يزيدهم فينا بغضًا أن نعلن تمسكنا به والاهتداء بهديه... ولكن خطر التنصل من الإسلام والتنكر له عظيم على كياننا نحن... ولو أخذنا بالحزم وأعلناها صريحة واضحة، لارتسمت أمامنا توًّا طريق الهداية والنور, ولجمعتنا كلمة الإسلام، ووحدت بيننا وبين إخواننا جميعًا في أقطار الأرض، وفي ذلك وجه -ولا شيء غيره- القوة والمنقذ أمام هذا العدوان الغربي الاستعماري الجارف الذي يهددنا".

كأن حسن البنا -رحمه الله- ينادي "بديع" بأن الشرق والغرب لن يترك مصر والمصريين في حالهم، ولو نصَّبوا نتنياهو أو باراك رئيسًا لجمهوريتهم، وأن الأولى لهم التمسك بشرع الله، وأن يتوكلوا عليه؛ فهو وحده سبحانه القادر على أن يردَّ كيد الكائدين.

ولم يكن شباب الإخوان وحدهم من بادروا بردودهم، ففي تعليق له على تصريحات المرشد كتب الداعية السلفي الشيخ أحمد السيسي تحت عنوان (رئيس توافقي أو رئيس إسلامي)، يقول:

"في مثل هذه الظروف اتفقت كلمة الأطياف المصرية المختلفة على اختيار حاكم توافقي لمصر فكان محمد علي باشا، وأعطاهم الرجل العهود والمواثيق على ألا يقطع أمرًا دون الرجوع إلى ممثلي الشعب، وحين استتب له الأمر بدأ بالعلماء، فعزل الشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الأزهر، ونفى الشيخ عمر مكرم إلى دمياط، وحين خلا له الجو التفت بعد ذلك إلى قوى الثورة المتمثلة في المماليك، فدبَّر لهم مذبحة خسيسة عرفت باسم مذبحة القلعة، أباد فيها خضراءهم، وتعقب ابنه إبراهيم باشا بقية فلول المعارضة تقتيلاً وتشريدًا، حتى فر الباقون إلى بلاد السودان، وخلا الجو للرئيس التوافقي، وسلم مصر إلى المشروع العلماني الغربي".

أما الدكتور راغب السرجاني فعلق قائلاً: "درست التاريخ لـ25 سنة مضت من أجل هذه اللحظات التاريخية، وأقول: فرصة اقتناص الحكم للإسلام لا تُعوض، ولا تدرج فيها، والتاريخ شاهد على هذا، والأحداث تنقلب رأسًا على عقب في يوم وليلة... إنما التدرج في التشريع وفي تطبيق الأحكام، ولا تدرج في اقتناص الحكم لأهل الإسلام عبر التاريخ... وهذه الفرصة إذا ذهبت لن تعوض".

تعليقات القراء