أؤمن تمامًا أن الخلاف بين التيارات الإسلامية من جانب والعلمانية والليبرالية من جانب آخر جذري ولن ينتهي أبدًا, ولكني تمنيت بعد الثورة أن يكون هناك نوع من التوافق لنعبر بمصر لبر الأمان, ومواجهة الخطر الذي يتربص بالفريقين وهما لا يشعران, إلا إن النخبة العلمانية والليبرالية تمسكت بلهجة الاستعلاء والإقصاء وازدراء الإسلاميين لا سيما السلفيين على نمط {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ} [هود: 27].
فتخلى في المقابل الإسلاميون عن لهجة "الطبطبة" والطمأنة التي انتهجها معظمهم بعد الثورة، وانتقلوا للهجة المواجهة والتحدي على نمط {إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} [هود: 38][1].
إذن فقد تحولت الساحة السياسية المصرية إلى معسكرين فكريين, معسكر الإسلاميين ودعاة تطبيق الشريعة, ومعسكر يحوي كل القوى الأخرى الرافضة لتطبيق الشريعة مع الاحتفاظ بالاحترام الرمزي لها بالموافقة على وضع مبادئ الإسلام في علبة قطيفة شيك على رفّ المادة الثانية من الدستور. لم يعد عندي أمل في التحام الصف كليًّا مرة أخرى, ولكن عندي أمل أن يطبق كل منهم على الأقل مبدأ (أنا وابن عمي على الغريب), فليستمر النزاع الفكري -إن لم يكن العقدي- الطبيعي إلى الأبد، ولكن أدعوهم إلى كلمة سواء فيما يلي:
أولاً: التعاون في حماية الثورة وإفشال أي التفاف عليها, التعاون في مطالب التطهير والقصاص, والمطالبة بجدول زمني واضح لتسليم السلطة في مصر, والتصدي للثورة المضادة؛ ففي ظل تفرغ كل منهما لمنازلة الآخر, أبناء مبارك يعملون في جلد, وحملات تلميع رموز النظام السابق تعمل في دأب, والعمل على تبغيض الثورة إلى بسطاء المصريين -القوة الانتخابية الحقيقية- لا يتوقف لحظة؛ مما قد يقلب المنضدة على الجميع, وتعود مصر إلى مرحلة ما قبل الثورة ولكن بانتخابات ديمقراطية هذه المرَّة, ويرد أعضاء النظام الفاسد الزنازين لأصحابها الأصليين, إسلاميين وليبراليين على سواء.
ثانيًا: في وجهة نظري المجلس العسكري لا ينحاز إلى أحد ولا يتحالف مع أحد, فهو يقف على مسافة ليست فقط واحدة ولكنها أيضًا بعيدة عن كل الأطراف, فلا ينبغي لأحد أن يتصور أن المجلس قد يعينه على خصمه أو يعين خصمه عليه؛ فالمجلس له رؤية مستقلة لمستقبل مصر لا نعرفها حتى الآن؛ لذا فينبغي على الطرفين متابعة ومراقبة هذه الرؤية أيضًا من مسافة بعيدة, والحوار والتدخل إذا ما ظهر أن هذه الرؤية قد تكون مخالفة لمصلحة مصر وإن حسنت نوايا المجلس, ناهيك عن أن التفكير في منح الجيش صلاحيات ما فوق دستورية -هو لم يطلبها- من أجل إقصاء فصيل وطني آخر يعتبر -على الأقل في وجهة نظري- خيانة للوطن وللثورة.
ثالثًا: الالتزام بالأخلاق والإنصاف, وعدم التجني وادعاء الكذب على الآخر, فإذا كان الليبراليون في عمومهم لا يستحلون الخمر مثلاً, فالسلفيون أيضًا لا يحرمون فرشة الأسنان (قناة التحرير), صاحب الحجة لا يحتاج أن يكذب أو أن يدعي, والمنصف لا يحكم ولا يعادي دون أن يسمع الخصم, فليسمع كل منا الآخر, وليخاصمه بشرف ونزاهة وإنصاف, وأيضًا ليكن الأصل في العمل هو الدعوة إلى الفكر, والفرع هو الرد على الآخر وتفنيد حججه, فليدعو كل منهما إلى رؤيته ومنهجه بدلاً من التفرغ للرد على الآخر وذكر سيئاته. ولكن مرة أخرى، فليلتزم كل منهما في الفرع بالشرف والنزاهة والمنطق.
رابعًا: الوضوح هو واجب الوقت؛ لأن الخلاف "الطبيعي" الموجود لن يحسم تأثيره على مستقبل مصر إلا باختيار شعب مصر, وليختار شعب مصر يجب أن نكون أمناء وشديدي الدقة في عرض أفكارنا عليه, دون تجميل, ودون لفّ ودوران وتلاعب بالألفاظ, فكما يقول الدكتور عمرو حمزاوي إن الشعب المصري سيكون أمام نموذجين, نموذج الدولة الدينية -على حد وصفه- أو الدولة التي تطبق شرع الله, ونموذج الدولة المدنية، إذن فلا بد من توضيح تفاصيل الدولتين للناس, وقد طلبت من التيارات الإسلامية من قبل وضع مسودة للدستور الإسلامي يقرؤها الناس ويناقشونها[2]. وأيضًا أطلب من التيارات الليبرالية الثبات على موقف، وإيقاف المراوغات اللفظية والتراجعات التي رصدت جانبًا منها في مقال سابق[3]؛ كي يتثبت الناس من اختياراتهم ويكونوا على نور.
خامسًا: وهي مرتبطة بالتي قبلها, آن الأوان لتطبيق الديمقراطية, ولمنح الشعب المصري حقه في الاختيار لأول مرة منذ ستين عامًا, آن الأوان لإيقاف الالتفاف حول إرادة الشعب من أجل تحقيق فكر شخصي أو فئوي, فإن الذين كانوا يعتزلون الديمقراطية قبل الثورة بسبب التزوير, بل والبعض الذي كان يحرمها, قرروا احترامها كآلية للانتقال بمصر إلى مرحلة جديدة يحكمها فيها أبناؤها وحسب..
فليت شعري كيف يتراجع عنها الآن أساتذتها ومنظروها ودعاتها؟ رغم أن بعضهم لا يزال يذيل كلامه دائمًا بمقولة (الديمقراطية هي الحل), ورغم أنهم ينتقدون أداء المجلس العسكري وحكومة شرف في المرحلة الانتقالية باستمرار, مما يعني أنهم يدركون جيدًا أن المرحلة الانتقالية باتت حملاً ثقيلاً على مستقبل مصر ويجب أن تنتهي في أقرب فرصة, وأن يتسلم الشعب المصري دولته, ويتفرغ الجيش المصري للأوغاد الذي يعبثون على الحدود.
سادسًا وأخيرًا: وهذه خاصة للتيارات الليبرالية والعلمانية, وأنتم تنازلون خصومكم فكريًّا, وتفندون أعمالهم وأقوالهم, عليكم أن تفرقوا جيدًا بين ما هو منسوب لهم ولأشخاصهم, وما هو جزء من الإسلام نفسه؛ لأن عدم التفرقة الناتج عن عدم الوعي الإسلامي الكافي, يوقعكم كثيرًا في هذا الخطأ؛ مما يؤدي لاستفزاز مشاعر المسلمين عامة, ومما يثبت للناس ما يقال عنكم وتصفونه بالكذب, ومما يؤدي لتحويل الحوار الوطني إلى حوار عقدي, وأيضًا -وهذا هو الأهم- مما يوقعوكم في ورطة كبيرة يوم القيامة, يوم الحسرة والندامة, وأنتم وقوف بين يدي الله تعالى لينبئكم بما كنتم تعملون.
روابط ذات صلة:
- ماذا يريد العلمانيون من مصر ؟
- العلمانيون والتحالف مع الخرافة
- هل تحل العلمانية مشكلة التعددية ؟
- الشرط الوحيد لنجاح العلمانية !!
- الليبرالية والعلمانية .. تساؤلات شائكة
- ألاعيب العلمانيين المكشوفة لسرقة الشارع
[1] استشهدت بالنصيين القرآنيين لبلاغة وصفهم للواقع, وليس لأن الأول قول الكافرين والثاني قول المؤمنين. فأرجو ألا أقرأ أو أسمع أي اتهامات سفسطائية لي بالتكفير؛ بسبب هذا الاستشهاد.
[2] انظر: تطبيق الشريعة وخارطة الطريق.











