مَن الثائر؟ ومَن البلطجي؟ مَن المُحقُّ ومَن الجائر؟ مَن المظلوم ومَن الظالم؟ مَن المسالم ومَن المعتدي؟ مَن المصيب ومَن المخطئ؟ مَنْ.. ومَنْ.. ومَنْ...؟
أسئلة كثيرة تتوارد على الذهن، وتمر بالخاطر، ونحن نشهد مرحلة عصيبة من تاريخ مصر، بل مرحلة فارقة كاشفة يكاد يختلط فيها الحابل بالنابل، والحسن بالقبيح، والظاهر بالخفي، حتى اختلط الأمر أو كاد على كثير من المصريين، المثقفين والعاميين، الأغنياء والبسطاء، الرجال والنساء، الصغار والكبار.
صورة أحداث قصر العيني ومجلس الشعب ومجلس الوزراء جعلتنا في حيرة وارتياب؛ فنحن -من دون شك- مع كل ثائر ظُلم، أو أُهين، أو أُخذ حقه، أو سُلبت كرامته، أو ضاعت هيبته، ونحن أيضًا مع أفراد الشرطة والجيش في تأمين الممتلكات، وحراسة المنشآت، وحماية البلد من عبث العابثين، وإفساد المجرمين.
ولكننا لسنا أبدًا -وبأي حال من الأحوال- مع حرق الممتلكات وهدم المنشآت، وإعدام تاريخ مصر وحضارتها، أو تشويه صورتها، أو إشاعة الفوضى والفتن في أرجائها، أو ترويع أهلها، أو تعطيل مصالح وزاراتها، أو تشويه صورة رجالها وقادتها. وكذلك نحن لسنا مع قتل المتظاهرين، وسحل المعتصمين، وضرب الثائرين، وإهانة المصريين، ولسنا كذلك مع سبّ المعتصمات، وهتك الحرمات، وكشف العورات.
إن كثيرًا من أفرد الشعب باتوا حيارى فالصورة من الجانبين (الجيش ومن يسمون أنفسهم بالثوار) أصبحت مشوشة، تعلوها غبرة، تحجب عنا رؤيتها بطريقة صحيحة، ومن ثَمَّ الحكم على المشهد بطريقة عادلة.
الثلاثة مخطئون
أنا لا أريد أن أدخل في تفاصيل الحدث التي بات يعلمها الجميع على كثرة رواياتها، وتعدد رواتها، ولكن أيًّا ما كان الأمر فأعتقد أنه لا يختلف اثنان على أن من مهام الشرطة والجيش في هذه المرحلة الاستثنائية هي حماية البلد كل البلد بمن فيه وما فيه، سواء من أعداء الداخل أو من مؤامرات الخارج، ولكن صورة أو شكل الحماية هنا لا بد أن يختلف؛ فالجيش حينما يتعامل مع أعداء الخارج فيمكن له أن يستخدم كل وسائل القوة المعروفة بما فيها الطائرات والقاذفات والمدافع وغيرها من أدوات القتال والدفاع، بينما وهو (الجيش) يتعامل مع أعداء الداخل فلا بد أن تكون وسائله قانونية ومشروعة.
الصور والمشاهد التي حملتها لنا الأحداث السابقة تقول: إن المعتصمين (الذين يسمون أنفسهم ثوارًا) أخطئوا بل أجرموا عندما أهانوا الجيش، ودمروا المباني، وهدموا المنشآت وأحرقوا تراث مصر وحضارتها في مبنى المجمع العلمي، وإن كان البعض يقول: إنهم لم يفعلوا ذلك وإنما مجموعة من البلطجية الذين باعوا أنفسهم وبلدهم بثمن بخس جنيهات معدودة.
أما الثوار الحقيقيون فهم من يقدمون أرواحهم لتحيا أمتهم، ويسارعون إلى حتفهم من أجل حريتهم وكرامتهم، ويسعون للقضاء على كل مظاهر الفساد في مجتمعهم، ولكن آفة الثائر من البشر كما يقول الشيخ الشعراوي رحمه الله: "أنه يظل ثائرًا"، بينما الثائر الحق "هو الذي يثور ليهدم الفساد ثم يهدأ ليبنى الأمجاد، ولا يسلط السيف على رقاب الجميع".
أقول: إن المعتصمين أخطئوا حينما سمحوا لهؤلاء البلطجية أن يتواجدوا بينهم، ويعيشوا معهم، ويبيتوا بجوارهم..
أخطئوا حينما لم يمنعوهم عن الحرق والنهب والسلب والتدمير..
أخطئوا حينما رأوهم يفرحون ويهللون وهم يحرقون تراث البلد وهم ساكتون أو متراجعون..
أخطئوا حينما لم ينسحبوا من المعركة -إن كانوا أصحاب قضية حقيقية ورأي حر- ويصدروا بيانًا يؤكدوا فيه للمجتمع وللرأي العام كله أنهم انسحبوا من أمام مجلس الوزراء ومجلس الشعب بعدما تسلل إليه المندسون وأصحاب المصالح والمنتفعين..
أخطئوا حينما تركوا هؤلاء الجناة والبغاة يحرقون البلد أمامهم وهم واقفون يتفرجون، وكل همهم أن يظلوا معتصمين..
أخطئوا حينما وقفوا مكتوفي الأيدي وهؤلاء المجرمون وقطاع الطرق وأطفال الشوارع يقذفون قوات الجيش بالطوب والحجارة، ولم يتقدموا لمنعهم والحيلولة دون ذلك، ومن هنا حدث الخلط بين الثائر والبلطجي.
ربما يقول البعض: إن المعتصمين لو تقدموا ليمنعوا هؤلاء البلطجية من الحرق والتدمير كان سيموت منهم البعض، فأقول: إنهم حينها سيكونون شهداء حقيقيين؛ لأنهم استشهدوا وهم يدافعون عن بلدهم ووطنهم ضد حفنة من حثالة المجتمع، وسيعلم المجتمع كله وقتها أنهم كانوا بحق ثوارًا يبغون الإصلاح لا الإفساد، ويريدون الخير لا الشر، ويساعدون في بناء المجتمع لا هدمه، ويعاونون الجيش في القبض على المفسدين لا معاونتهم والتصفيق لهم والوقوف بجانبهم، ومن هنا كان سيحدث الفصل، وسنعلم علم اليقين من الثائر ومن البلطجي!!
إننا أبناء وطن واحد نعيش فيه إخوة متحابين، فعندما يظلم الأخ أخاه ويضربه ويسحله ويفعل به الأفاعيل، فردّ الفعل المتوقع إما أن تسامح وإما أن تنتقم لنفسك من الشخص نفسه الذي ضربك وأهانك وربما قتل أخاك، ولكن لماذا تحرق بيتًا آواك، ووطنًا احتواك، وتراثًا تركه لك أبوك؟ هل أنت بذلك انتقمت ممن قتل أخيك أو آذاك؟ أم أنك انتقمت من جميع أفراد أهل بيتك وميراث وثروات وطنك..؟! أفٍّ لكم وألف أفٍّ مما تدّعون أيها الأفاكون.. أليس منكم رجل رشيد؟!!
ثم نأتي إلى الصور التي تناقلتها وسائل الإعلام المختلفة وهي تقول لنا: إن الجيش أخطأ -بل أجرم- في استخدام القوة المفرطة في التعامل مع المعتصمين، حتى وإن كان فعله ذاك رد فعل، فلا يمكن أبدًا أن يجتمع عشرات الأشخاص لضرب رجل واحد، وبعد أن يسقط على الأرض يواصلون ضربه إلى أن يغشى عليه! ثم يتعدى الأمر إلى ضرب النساء وإهانتهن وسحلهن بل وتعريتهن في صورة لا إنسانية ولا كريمة ولا شريفة، تحمل غلاًّ وحقدًا وكرهًا لا مثيل له..
أليست لكم أعراض يا جنود مصر ويا قادة المجلس العسكري؟ أيرضى واحد منكم أن يُفعل هذا بابنته؟ أين ذهبت نخوتكم ورجولتكم وكرامتكم؟ أتستأسدون على امرأة مهما كان ما تدعو إليه أو تروجه؟! سيسجل التاريخ أن هذه هي المرة الثانية التي تتغلبون فيها على بني صهيون (بعد أن تغلبتم عليهم في حرب 73)، ولكن الغلبة هذه المرة كانت في هتك الأعراض، واستباحة الحرمات، وكشف السوءات!!
خلط عجيب
يقول روبيسبيير أحد منظِّري الثورة الفرنسية: "إن الخونة موجودون هنا مختبئون تحت مظهرهم الكاذب الزائف.. إنهم سيتهمون من يوجه لهم الاتهامات، وسيضاعفون خداعهم ليضربوا وجه الحقيقة".
هذا ما يقوم به بعض رجال الأعمال وأعضاء مجلس الشعب السابق، والمنتفعين من استمرار الفوضى، وشيوع الفساد في أرجاء مصر، إنهم يخدمون مصالحهم الخاصة على مصالح البلد الذي ما عرفوا منه سوى أنه "سبوبة" أو "بقرة حلوب" تدر عليهم المال صباح مساء، ومن هنا تنطلق القنوات الفضائية التي يملكها هؤلاء ليشوهوا وجه الحقيقة، وليلحقوا البلطجي بمصاف الثوري، وليصفوا المخربين المفسدين بالمعتصمين المسالمين.. إنهم يمارسون أكبر عملية تزييف في التاريخ، بل أكبر عملية غسيل مخ ضد شعب بأكمله، فماذا فعل المجلس العسكري مع هؤلاء؟
إن العسكر يصدِّعون أدمغتنا ليل نهار بأن هناك طرفًا ثالثًا يتولى كبر هذه الفتنة، وينفخ فيها من سمومه ليغذيها ويشعلها، فإذا كنتم تعرفونه فأظهروه للناس وهم يتولون أمره، وإذا كنتم تعرفونه وتخافون من إعلان هويته، فنحن لا نرضى أن يتولى أمرنا أصحاب الأيادي المرتعشة والقلوب المرتجفة، وإذا كنتم لا تعرفونه وفشلتم في التوصل إليه -مع ما تملكونه من أجهزة استخباراتية وشرطية- فدعوا السلطة وارحلوا فنحن لا نرضى أن يحكمنا العاجزون والفاشلون.. يا ليتكم تسمعون!
روابط ذات صلة:











