الشرعية بين الثورة والبرلمان

في مشهد مهيب خرجت الجموع المصرية للمرة الثانية من بعد الثورة المصرية المباركة، لتذهل العالم بهذا الخروج الكثيف للمشاركة في انتخاب برلمان الثورة، والذي تجاوز عدد المشاركين في انتخابه عدد مَن شارك في أحداث ثورة 25 يناير بأكثر من عشرة ملايين؛ ليثبت الشعب المصري للعالم كله أنه شعب واعٍ وناضج فكريًّا، يعشق الحرية ولا يقبل حكم الظالمين..

فقد امتنع هذا الشعب لعقود من الزمن عن الإدلاء بصوته؛ لأنه يعرف أن إرادته ستُبدَّل وتُغيَّر على غير مراده، وأن النظام السابق كان يستغل الزخم الشعبي في الانتخابات؛ ليضفي شرعية على حكمه للبلاد تجمُّل صورته القبيحة وتقوِّي موقفه أمام العالم الخارجي..

ولكن حينما استشعر الشعب المصري أن إرادته ستنفذ وفق ما أراده، كانت هذه الاستجابة الكبيرة والمشاركة الحرة منه، ورغم ما سبق الماراثون الانتخابي من أحداث عنف وفتنة طائفية وما مورس عليه من إرهاب أمني وفكري، إلا أنه أثبت إصراره على تحديد مَن يمثِّله بنفسه، وأعطى كل اتجاه حجمه الطبيعي في المجتمع؛ ليتشكل في النهاية البرلمان المصري، وقد احتوى على غالبية ألوان الطيف السياسي في مصر لأول مرة في تاريخه.

ومع اكتمال تشكل البرلمان تنتقل مصر من الشرعية الثورية إلى الشرعية البرلمانية، وهذا بالضرورة يعني أنه لم يعد يحق لأحد أن يتكلم باسم الشعب، فقد اختار الشعب من ينوب عنه ويتكلم باسمه، فلا أحزاب ولا جماعات ولا ائتلافات أصبحت لها الحق في الادعاء بأنها تمثل الشعب؛ فإرادة الشعب الآن لها مسارها الطبيعي الذي يعبر عنها تحت قبة البرلمان، فلا مجال للادعاء بعد اكتمال انتخاب البرلمان بأن المطالب التي تصدر كل يوم لاتجاهات متباينة وقُوى مختلفة أنها تعبر عن مطالب الشعب المصري، ولكنها تعبر فقط عن قائليها، وللجميع الحق في المطالبة بحقوقه المتعارف عليها اجتماعيًّا، ولكن دون مزايدة على الآخرين..

فلا مجال للادعاء بأن ما تطالب به نُخبة أو مجموعة ما هو مطلب لكافة أفراد الشعب؛ فقد شهدت الفترة السابقة من المرحلة الانتقالية التي تمر بها مصرنا الحبيبة سلسلة من المطالب والمطالب المضادة التي أربكت المجتمع كله، وجعلت الكثير من صانعي القرار يتخذ منها ذريعة لعدم الاستجابة لكثير من المطالب، خاصَّة المطالب التي لا يختلف عليها أحد؛ بحجة عدم توافق القوى السياسية والثورية على كثير من المطالب المطروحة..

وهذا التوافق في كثير من القضايا أضحى مستحيلاً؛ لأن الثورة أفرزت كيانات سياسية جديدة وكثيرة بخلاف القديمة والتي تجاوز عددها المئات، وهذه الكيانات متباينة في الفكر والأهداف إلى حد بعيد؛ مما يجعل تلاقيها على أفكار موحده مهمة شبه مستحيلة. ورغم أن بعض هذه التجمعات البشرية الناشئة لا تمثل شرائح المجتمع المصري، والبعض منها يمثل نسب ضئيلة جدًّا من المجتمع، إلا أن الفترة التي سبقت انتخاب برلمان الثورة استطاعت هذه التجمعات المحدودة أن توجد لها مكان على الساحة الإعلامية وفي الميادين؛ مما جعلها تتصور أنها المحرِّك الوحيد للأحداث، وأنها صاحبة الثورة دون غيرها..

واستطاعت المؤسسات الإعلامية غير الوطنية أن تلعب علي هذا الوتر، وتقوِّي الانقسامات داخل القوى السياسية من ناحية والقوى الثورية من ناحية أخرى؛ مما أضعف من روح "الوحدة" التي كانت أحد أهم أسباب الانتصار على النظام البائد

ولكن هل انتهى دور الميدان بوجود البرلمان؟

ما زال للميدان دور في غاية الأهمية، ألا وهو دعم البرلمان في قراراته الحاسمة ضد رءوس النظام البائد ومحاربة الفساد والمفسدين؛ لأنه من المتوقع أن يواجه البرلمان الحالي نوعين من الضغوط؛ النوع الأول: هو الضغط الداخلي الذي سيقوم به فلول النظام السابق؛ من أجل إعادة إنتاج نظام مبارك.

أما النوع الثاني من الضغوط، فهو الضغط الخارجي الذي سيمارس بشدة على البرلمان، وكذلك الحكومة من أجل حماية رأس النظام السابق وأفراد عائلته؛ لذا يتوجب على الجميع أن "يتوحد" للمعركة القادمة، التي هي أعنف بكثير من معركة الثورة.. إنها معركة التطهير.

تعليقات القراء