كانت مليونية جمعة "رفض المبادئ فوق الدستورية" التي نظَّمتها القوَى الإسلامية في 29 يوليو الماضي، زلزالاً أصابَ القوى والتيارات العلمانية (اليسارية والليبرالية). فقد رأَى الجميع وأيقنوا أنَّ الحضور الإسلامي طاغٍ ومؤثِّر وشامل، وهو يُنْذِر بأنَّ المستقبل السياسي القريب محجوز للإسلاميين، كي يكونوا اللاعبين الأساسيين فيه.
حينما رأَى العلمانيون هذا المشهد أُسْقِط في أيديهم وأصبحوا لا يعرفون كيف يتحرَّكون، فأخذوا يطلقون التصريحات العجيبة مثل أنَّ الإسلاميين يريدون أن يركبوا الثورة دونَ أن يشاركوا فيها. وهذا كلام مردودٌ، فباستثناء السلفيين، شارَك الإسلاميون بكثافةٍ وكانوا من أسباب نجاح الثورة.
بعض العلمانيين أنشأ صفحةً على موقع التواصل الاجتماعي الـ"فيس بوك", باسم ثورة الدولة المدنية- يوم الحفاظ على هَوِيّتنا المصرية, للدعوة إلى التظاهر يوم 9 سبتمبر المقبل في كل شوارع مصر تحت شعار هويتنا المصرية خط أحمر. ويقولون على صفحتهم: إنَّ ثورتهم ستكون ضدَّ أتباع الرئيس السابق حسني مبارك ممن حرَّموا الخروج على الحاكم, فلما سقَط قفزوا على ثورة 25 يناير, وضدَّ كل فرد أو جماعة تُمارس العنصرية أو الدكتاتورية ولا ترَى الصواب إلا فِي نفسها فتُهمِّش الآخر وتستَعْديه بل وتُكفِّره وتستَحِلّ دمه, وضد أعداء الحياة من الإرهابيين وأتباعهم.
جنون وحنق العلمانيين جعلهم يطالبون بإعادة اعتقال مَن وصفوهم بـ"الإرهابيين" الذين أطلق سراحهم عن عمدٍ عقب خلع الرئيس السابق لنَشْر الفوضى وبثّ الفزع في النفوس، وبالأخصّ أعضاء الجماعات الإرهابية على حد وصفهم. كما طالبوا المجلس الأعلى للقوات المسلحة بضمان التحوُّل بالبلاد إلى دولة ديمقراطية عبر وضع مبادئ دستورية تحمي الحريات الفردية والخاصة باعتبارها قاعدةَ الدولةِ المدنية الحديثة, وبحظر إصدار مجلس الشعب أي قانون يؤدِّي إلى التمييز الديني.
وشدّدوا على ضرورة إصدار قوانين فورية لحماية السلام الاجتماعي, في مُقدّمتها قانون ضد الحضّ على الكراهية على القتل باستخدام الفتاوى الدينية والتكفير.
الجنون العلماني وصل إلى منتهاه، فنَسِي هؤلاء أنَّه في الوقت الذي كانوا فيه هم أعمدة دولة مبارك في كل المجالات وأهمها المؤسسات الثقافية والإعلامية وكان بأيديهم مُقَدّرات الأمور، كان الإسلاميون (باختلاف تياراتهم) يدفعون الثمنَ غاليًا من أرواحهم وحرياتهم، وأنَّ النظام السابق تفرَّغ تمامًا لملاحقتهم. نَسِي العلمانيون أنهم وقفوا يتفرجون على مظالم الإسلاميين ويستمتعون بها، بل ويؤيّدون نظام مبارك في حملاته القمعية ضدهم. نَسِي العلمانيون أنَّ الإسلاميين كانوا هم الفاعل السياسي الرئيس والمعارض الأكبر لنظام مبارك وقتَ أن كان العلمانيون يتقاسمون المغانِم ويُصفّقون للاستبداد والفساد.
يحاول العلمانيون استغفال الناس بأنَّ الإسلاميين هم أنصار الدكتاتورية وأنَّ العلمانيين هم أنصار ورموز الحريات والديمقراطية. وهذا قول فاسِد، فالدول العربية تحكمها أنظمة علمانية منذ قرن تقريبًا، وقد كانت أنظمة قمعية استبدادية تُعادِي الحرية والديمقراطية.
ويحاول العلمانيون تَشْوِيهَ الإسلاميين بكل طريقة ووصفهم بأنَّهم أعداء الحرية، وهذا قول فاسد ومردودٌ؛ فالإسلاميون لم يأخذوا حقَّهم ولا فرصتهم في الحكم، ثُمَّ بعد ذلك نَحْكُم عليهم.
أما المطالبة بإعادة الإسلاميين إلى السجون، فهو القول الذي يُثْبِتُ تهافُت ودكتاتورية وحقد وجنون وجهل التيارات العلمانية؛ فأغلبُ الإسلاميين الذين كانوا في السجون كانوا معتقلين بحكم قانون الطوارئ، ومعنَى ذلك أنَّ العلمانيين يؤيّدون القوانين الاستثنائية ولا يهتمون بظلم الآخرين إنْ لم يكونوا علمانيين. ثم إنَّ قطاعًا كبيرًا من المسجونين الإسلاميين حوكموا أمام محاكم عسكرية، وكان الأجْدَر بالعلمانيين رفض هذه المحاكمات والدعوة لإعادة المحاكمات أمام المحاكم العادية. وبالمجمل فإنَّ كل إسلامي كان في السجن إما أَنْهَى محكوميتَه وتَمَّ اعتقاله بموجب قانون الطوارئ (فقطاع كبير من الجماعة الإسلامية مثلاً قضوا حكمًا بخمسة عشر عامًا ثم تَمّ اعتقالهم لمدة أحد عشر عامًا)، أي أنَّ ستة وعشرين عامًا لا تكفي في نظر العلمانيين (الذين يتحدثون عن القانون والحقوق والحريات!!).
بيتُ القصيد أنَّ لسان حال التيارات العلمانية بمختلف تنويعاتها يقول: مرحبًا بثورة 25 يناير وبكل ما أفْرَزَتْه، إلا أمرًا واحدًا وهو أنَّ الإسلاميين أيضًا استفادوا منها، فحَبَّذا لو أُعِيدوا جميعًا إلى المعتقلات، مُعْتدلهم ومتطرِّفهم، فعلوا ما يستوجب القبض عليهم أم لم يَفْعلوا، فالحياة أجمل وأصْفَى بدونهم، فمعهم الشارع ومعنَى ذلك فوزهم الكاسِح في كلِّ انتخابات، وسنكون تحت إمرتهم، وسنتحول في ظل حكوماتهم إلى أراجوزات بعد أن يكشفوا ألاعيبنا.
لكل هذا، ولخطورة المأزق العلماني، أخذ العلمانيون يفعلون كل شيء، وتفتق ذهنهم عن التعاون مع الجماعات الصوفية والزجّ بهم في هذا الخلاف؛ استغلالاً للتناقضات الموجودة بينهم وبين التيارات السلفية، ووجدنا قادتهم يعرفون طريقهم إلى مشيخات الطرق الصوفية أملاً في الحصول على البركات والنفحات والأصوات التي يقولون إنَّها تتجاوز 10 ملايين صوفي.
ونتيجة للتنسيق العلماني، دعا الشيخ علاء أبو العزائم شيخ الطريقة العزمية إلى تنظيم مليونية صوفية في مواجهة السلفيين وتأكيد هوية مصر الإسلامية- المدنية التي تتبع الجميع مسلمين وأقباطًا وعلمانيين وليبراليين. وشهدت مشيخة الطريقة العزمية مؤخرًا حفلَ إفطارٍ لمشايخ الطرق الصوفية ورموز عددٍ من القوي السياسية العلمانية، وأعلن الجميع عن تنظيم مظاهرة مليونية يوم الجمعة القادم 12 أغسطس بميدان التحرير. وأبْدَى مشايخ عدد من الطرق الصوفية استعدادهم لحشد 5 ملايين صوفِي من جميع المحافظات إلى ميدان التحرير للإعلان عن رفضهم لجمعة السلفيين.
الطريقة العزمية التي يتزعمها الشيخ علاء أبو العزائم والتي هي من أشدِّ الداعين لتلك المليونية، وبعض الطرق الأخرى المشاركة في المليونية بالشيعة، وضعها المجلس الأعلى للطرق الصوفية في مأزق وفضحها حينما وصف المليونية التي يدعون لها بـ "الشيعية بامتياز في قلب القاهرة".
ومن المتوقع أن تفشل المليونية التي دعا إليها قطاع من الصوفية بتحريض علمانيٍّ؛ لأنه ليس لها هدف، ولأنَّ المليونيات التي نجحت كانت بسبب وجود هدف وطني اجتمع عليه الناس جميعًا أو هدف نُصْرة الدين، وكلاهما تجتمع حوله القلوب، بينما في المليونية المرتقبة لا يوجد هدف ديني واضح، وليس هناك شيءٌ وطنيٌّ يجتمع عليه.
استعانة العلمانيين بالطرق الصوفية في معركتهم ضد القطاع الرئيس في الحركة الإسلامية، يؤكِّد أنَّ العلمانيين اكتشفوا أخيرًا أنه ليس لهم شعبية ويحاولون شراء تلك الشعبية، معتمدين على الصوفية، خاصة وأنَّ رأْيَ العلمانيين في الصوفية معروف ويَعْتَبِرونهم يمثِّلون أسوأ صورة للإسلام، لكن هذا لم يمنعهم من أن يقوموا بشراء تلك الشعبية، سواء من الطرق الصوفية أو من الكنيسة القبطية.
من أعجب أفعال العلمانيين أيضًا أن يعلن حزب التجمع الشيوعي انسحابه من التحالف الديمقراطي من أجل مصر الذي يضمّ في عضويته 29 حزبًا سياسيًّا، بسبب ما أسماه سيطرة القوى الإسلامية على جمعة 29 يوليو الماضي وخروجهم عن الإجماع والتوافُق الوطني ومحاولة فرض الدولة الإسلامية خلافًا للدولة المدنية التي توافَق عليها أعضاء التحالف.
ويبدو أنَّ الحزب الشيوعي ما زال يعيش بعقليةِ العهدِ البائِد، حينما كان أكبر حلفاء نظام مبارك، وكان يرفض الاشتراك في أيِّ عمل جبهوي يشترك فيه الإخوان المسلمون، بحجة أنهم جماعة محظورة، ونسِيَ قادة الحزب موقفهم المُخْزِي من ثورة 25 يناير يوم أن أغلقوا الحزب وذهبوا إلى بيوتهم حتى لا يؤخذ عليهم شبهة المشاركة في الثورة، ثم حينما نجحت الثورة علا صوتهم وتصرفوا كقادةٍ لها.
وَجْهٌ آخر للتقرُّب من الصوفية، هو تزلُّف مرشحي الرئاسة لهم، فالدكتور محمد البرادعي، المرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية يجري اتصالات مكثفة مع مجموعة من كبار المُتَشيّعين في مصر، بهدف تشكيل ائتلاف ليبرالي صوفي شيعي لمواجهة الصعود المتنامِي للتيار الإسلامي، متمثلاً بـ"الإخوان المسلمين" والسلفيين. وتَم خلال الاتصالات الاتفاق على وضع الأسس لتشكيل أسس الائتلاف عبر تنظيم مظاهرة مليونية بميدان التحرير.
المطالبة بأن تكون هوية مصر إسلامية، أغاظ العلمانيين واستفزَّهم، رغم أن كون مصر دولة عربية إسلامية أمرًا واقعًا ولا يُماري فيه إلا جاهل. لكن هؤلاء ما زالوا يعيشون أسرى المشروع التغريبي المتطرِّف الذي بدأ منذ قرن تقريبًا والذي عادَى الهوية والشريعة وكل ما يتعلق بالإسلام. ونسي العلمانيون أن الشريعة ليست مسألة دينية تتعلق بالمسلمين فقط؛ لأنها ترتبط بثقافة الشعب والأمة وميراثهما الحضاري، كما أنها ليست قضية سياسية تخصُّ التيارات الإسلامية فقط.
نسي العلمانيون، في غمرة عدائهم للإسلام، أن الاستقلال الوطني ليس سياسيًّا واقتصاديًّا فقط، بل هو قانوني أيضًا. والمفترض أن يكون النص الدستوري باعتبار مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، منطلقًا لاستقلال قانوني يتحقَّق تدريجيًّا في الوقت الذي نتقدم نحو استعادة الاستقلال السياسي وبناء الاستقلال الاقتصادي.
ولن يكتب لمصر الاستقرار والخير إلا إذا أدرك الجميع أن الشريعة الإسلامية قضية وطنية لا سياسية ولا حزبية, وأن يتجه البحث في كيفية تحقيق الاستقلال القانوني عبر الاحتكام إليها في نظام ديمقراطي يتطلع إليه المصريون جميعًا، ليحققوا أمجادهم كما حققوها من قبل.
المصدر: موقع الإسلام اليوم.
روابط ذات صلة:
- الصوفية
- ماذا يريد العلمانيون من مصر ؟
- دلالات التحالف الصوفي - العلماني











