كشف موقف أردوغان في مؤتمر دافوس عن شخصية "السياسي الرجل" التي باتت عزيزة في زمن "رجل السياسة"؛ إذ إن "الموقف رجل" قبل أي شيء، بما تحمله الرجولة من سمات الجرأة والشجاعة في قول الحق، والشهامة والنبل في إغاثة المظلومين، والتضحية في سبيل العزيز.
وكشفت محاولات رئيس الجلسة في دافوس للحيلولة دون إكمال أردوغان كلمته المدافعة عن حقوق أهالي غزة، أمام شاشات العالم أجمع عن صورة مكثفة من صور السياسات اللأخلاقية.
فأحدثت صدمة داخل سيكولوجية المواطن الغربي قبل الشرقي، جعلته على حافة الكفر بمعتقدات الديمقراطية، وقيمها المنادية بالحرية، وحقوق الإنسان.
كان موقفًا واحدًا، له صورتان، الأولى صورة نقية تعبر عن العزّة والكرامة، والجرأة في مجابهة الباطل، تستدعي من التاريخ المشرف مواقف الأبطال الرجال؛ والأخرى صورة قاتمة بشعة يخجل المتحضرون من رؤيتها، وتقشعر الأبدان من ذكرها.
أصرّ أردوغان رغم محاولات منعه من الجهر بالحق أمام ذلك المحفل العالمي على طرح مأساة غزة، وجرائم المتسببين فيها. وعليه، لم يعد هناك من دول العالم وشعوبها من يمكنه القول أنه لم يسمع بالمجازر والمحارق الوحشية التي ارتكبها الكيان الصهيوني في غزة.
ففي مؤتمر دافوس الذي جمع زعماء العالم ،وعلى مرأى ومسمع من شعوب العالم وحكامه عبر شاشات الإعلام الدولية، ألقى أردوغان رسائله النارية مرة أخرى بعد مرات عديدة سابقة، ليفضح بها وحشية العدوان الصهيوني على غزة، وصمت المجتمع الدولي حيال ما يتشدق به من احترام حقوق الإنسان، والمؤامرة الدولية على إبادة شعب غزة والمقاومة فيه، وتدشين الكيان الصهيوني وحلفائها لسياسة جديدة في الشرق الأوسط مفادها "لا نُسأل عما نفعل، وأنتم تُسألون".
إن أردوغان رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا منذ أكثر من ستة أعوام، وهو رئيس وزراء الجمهورية التركية، ورغم هذا كله، فما ينبغي له أن يتصرف على هذا النحو في دافوس وفق دوافعه الشخصية، وتكوينه الأيديولوجي الخاص. نعم، إن أردوغان سلك ذلك المسلك، وخلفه دعامتان، لا أقول تؤيدانه، بل تدفعانه دفعًا لاتخاذ مثل ذلك الموقف.
الدعامة الأولى: الرأي العام التركي.
فرغم تلك القطيعة السياسية الطويلة بين الجمهورية التركية ممثلة في نظامها الدستوري، وحكوماتها المتعاقبة، وبين قضايا الوطن العربي لاسيّما القضية الفلسطينية، كانت الوشائج والصلات بين الشعبين التركي والعربي، متصلة، تناجي بعضها بعضًا عند الشدائد والخطوب. فالشعور الديني المترسخ لدى الشخصية التركية، شعور دائم التأجج منذ عصور طويلة، بيد أن ظروف الداخل السياسي التركي منذ قيام الجمهورية وحتى سنوات قليلة مضت كانت تحول دون تفعيل ذلك الشعور وإخراجه إلى ساحة التأثير المباشر.
غير أن أحداث غزة، والمأساة الإنسانية قبل أي شيء، والإسلامية على الأخص قد أبرزت لنا تلك المشاعر التركية النقية حيال المشكلة الفلسطينية، عندما التقت إرادة النخبة الحاكمة مع إرادة شعبها، وتوحدت على موقف واحد، هو نصرة المظلوم، خاصة عندما كان هذا المظلوم من أبناء الأمة الإسلامية.
فالأحزاب السياسية في تركيا على اختلاف توجهاتها اليمينية واليسارية، ومعها جموع الشعب وقفت موقفًا تضامنيًا مع غزة، في صوره المختلفة المادية والمعنوية والثقافية، وغيرها، حتى أن حسين تشليك وزير التعليم التركي أصدر قرارًا قبل أسبوعين بالوقوف دقيقة حدادًا في طابور الصباح داخل كل مدارس الدولة الابتدائية والإعدادية. لذا لم يكن موقف أردوغان مستبعدًا بالنسبة الشعب التركي، ويكفي للتدليل على ذلك، ما قاله محسن يازيجي رئيس حزب الوحدة الكبرى في تركيا تعليقًا على موقف أردوغان في دافوس، حيث قال : "لو لم يفعل ذلك أردوغان، لما سمحنا له بالدخول إلى تركيا مرة أخرى".
الدعامة الثانية: هي مكانة تركيا الجديدة في الساحة الدولية.
ثمة تحاليل سياسية ترى أن موقف أردوغان في دافوس سيؤدي إلى تغيرات جوهرية في السياسة الخارجية التركية، غير أن هذه الرؤية تبدو قد تجاهلت النظر إلى أن السياسة الخارجية التركية قد تبلورت ، بالفعل، منذ مجيء حزب العدالة إلى السلطة عام 2002، داخل أُطر جديدة، تتوافق مع رؤية تركيا لذاتها ومكانتها على الصعيدين الإقليمي والدولي في ظل متغيرات النظام العالمي الجديد وقواه الإقليمية، والنهضة التي حققتها تركيا على أصعدة عدة طيلة تاريخها الجمهوري.
وقد أشرنا في مقال سابق إلى هذه التوجهات الجديدة في السياسات الخارجية التركية، وطموحاتها. لذا فإن أردوغان وهو يتخذ هذا الموقف في دافوس كانت عينه الأخرى على تعزيز مكانة تركيا الدولية، والإعلان عن ظهور قوة إقليمية فاعلة جديدة في منطقة الشرق الأوسط، يمكن لالكيان الصهيوني أن تراها منافسًا خطرًا لها في الشرق الأوسط.
ورغم أن موقف أردوغان لا يعبّر عن "موقف القوي"، إلا أنه يعبر عن "موقف قوي" لقوة إقليمية صاعدة في ساحة تبدو فيها القوي الإقليمية التاريخية، وقد تنازلت طواعية عن أدوارها، وتركت الساحة فارغة تتمدد فيها كل قوة ترى في نفسها إمكانات القوة.
بقلم: د. طارق عبد الجليل
متخصص في الشأن التركي – كلية الآداب- جامعة عين شمس











