ولماذا لا يكون أردوغان إسلاميا ؟!

لم يترك أحد من الساسة وصناع القرار تأثيرا ويخلف جدلا مثلما ترك رئيس الوزراء التركي أردوغان جراء مواقفه التي تتابعت وتصاعدت، ووصلت ذروتها في الموقف الذي اتخذه في منتدى دافوس عندما هاجم الموقف الصهيوني ودخل في سجال مع شيمون بيريز.

في بداية الأحداث غمز البعض في موقف أردوغان واعتبره مجرد مناورة سياسية، يحاول من خلالها أردوغان تسجيل نقاط لصالحه أمام الشارع التركي وبقدر لا يحمله أي تبعات، كما ذهب البعض إلى أن أردوغان إنما كان يتحرك من وحي إدراكه للمصلحة التركية وتعزيز دور تركيا كلاعب إقليمي فاعل ومؤثر.

تلك التفسيرات لموقف أردوغان وبغض النظر عن موضوعية بعضها وعدم تعارضها مع الموقف القيمي العام كان الدافع الأساسي للبعض من ورائها تجريد أردوغان من كل بعد قيمي والتهوين من تأثير صنيعه، وهذا المسلك التفسيري يهدف إلى التغطية على بعض المواقف السياسية الرسمية في العالم العربي والإسلامي والتي وضعها أردوغان في موقف شديد الحرج من ناحية، كما أن البعض كان له هدف آخر هو تجريد أردوغان من فضيلة الموقف المبدئي لأفعاله وتصويره كموقف سياسي محض وفي ذلك إيحاء بقطع الصلة بين الوصف الإسلامي لأردوغان وبين ما أقدم عليه من مواقف وأفعال.

تصنيف أردوغان والنهج الإقصائي
منذ أن حقق العدالة والتنمية التركي حضورا متصاعدا في المجال المجتمعي والسياسي التركي والجدل حول كونه إسلاميا من عدمه يشغل بال الكثيرين، ويثور حوله سجالات سياسية ومعرفية. وبالرغم من أن جدلية الصراع حول الصفات الأيديولوجية ومن بينها "الإسلامي" عقيمة الجدوى ولا تحكمها معايير واضحة ولا يترتب عليها كثير فائدة فإن الخوض في هذه الجدلية فيما يخص أردوغان وحزبه تحديدا تبدو هامة لأنها تكشف عن عمق النهج الإقصائي الدفين لدى البعض وانطباعاته السلبية وتصوراته للآخر.

أكثر الناس حرصا على وضع كل تفسير لمواقف أردوغان يبعده عن كونه "إسلاميا" هو الفريق المخاصم للإسلاميين بكل ألوانهم وصنوفهم وتجلياتهم، والذين لا يرغبون في نسبة أي عمل إيجابي على صعيد الأفكار والمسلكيات لكل من يحمل صفة "الإسلامية" شخصا كان أو اتجاه أو فكرة أو مؤسسة.

إن تتبع التفسيرات التي ساقها هؤلاء لمواقف أردوغان تكشف عن القراءة المبيتة والاستباقية التي أصروا على أن ينظروا من خلالها لكل فعل يصدر عن أردوغان ، بما يساهم بالأخير في تحقيق البغية المرتبطة بتجريد كل مواقفه من سياقها القيمي والمبدئي، وبما يجعلها قابلة للتفسير بما يتماشى وفكرة أنها معزولة السياق عن أي خلفية أو توجه أو مرجعية إسلامية تلبس بها أردوغان في يوم ما من ماضيه أو حاضره.

التشكيك في دوافع أردوغان
فسر البعض موقف أردوغان أولا باعتباره "مجرد فذلكة" و"حركة بهلوانية" سياسية تدرك أنها تقوم بأفعال لن يترتب عليها أية تأثيرات حقيقية، كما أنها مأمونة من زاوية أخرى في مجال دفع أثمان وفواتير جراء القيام بمثل هذه الأفعال. ومع تصاعد مواقف أردوغان ووصولها إلى الذروة من حيث تعرية الموقف الصهيوني ودحض حجج الصمت الغربي والدولي حيال العدوان الصهيوني بدا منطقيا أن هذه الأفعال على هذه الشاكلة لا يمكن بحال أن توصم بأنها مجرد أفعال قشرية وظاهرية وعديمة الجدوى والتأثير، مما دفع البعض إلى إعادة تدوير الزوايا في مجال الدفع بالحجج لمحاولة تفريغ مواقف أردوغان من كل موقف قيمي، والساعية بالأخير إلى نزعه أفعاله من إمكانية أن تقرأ بأي نحو من الأنحاء على ضوء الوعي بالمحددات العامة للفكرة الإسلامية التي تشكل مرجعية أردوغان.

في السياق السابق دفع البعض بحجج من قبيل أن أردوغان إنما كان يتصرف على ضوء وعيه بأهمية الدفع قدما بالدور التركي ليتمدد في مساحة الفراغ الإقليمي التي يخلفها ضعف الموقف الرسمي العربي وتشرذمه من ناحية، والاصطفاف الحادث بفعل الاحتقان الناجم عن توزع القوى الإقليمية في مربعات المحاور من ناحية أخرى، كما دفع هؤلاء بحجية سعي أردوغان إلى التلامس مع الموقف الشعبي التركي. البعض طرح حججا تبدو أكثر وجاهة مثل فكرة الدافع الإنساني المحض في مواقف أردوغان ، لكنها بالأخير تسير في إطار الهدف المضمر الساعي إلى تكريس كل قطيعة لأردوغان مع أي تأثير للفكرة الإسلامية والحرص على أن تبدو المسافة بين أفعاله والصفة المراد نفيها عنه "الإسلامي" بعيدة بعد المشرقين، أيا ما كانت قراءة الإسلامية وتطوراتها في تجربة أردوغان وحزب العدالة والتنمية.

العدالة والتنمية والقراءة الملونة
ومن اللافت أن التوجه السالف شديد اللوم دوما على الإسلاميين بشكل عام لما يعتبره وقوعا منهم على اختلاف أنواعهم في مربع الجمود، وعدم القدرة على مسايرة المستجدات وطرح أفكار ومشروعات تتسم بالجدة والمرونة والقراءة العصرية، ولا ندري لماذا عندما تحدث هذه الاستجابات يتم صرفها عن وجهتها الإسلامية وقراءتها في سياق مغاير؟ وينسل من التساؤل الفائت عدة تساؤلات: هل كل مواقف فاعلة وقراءة رشيدة حكر على توجه بعينه وشخوص بذاتها، وهل من الحتمي واللازم أن يكون الإسلامي ليس هو ذاته عندما يتطور ويأتي بأفعال تتسم بحسن التدبير والوعي النافذ والبصيرة الثاقبة في عالم السياسة وفضاء الفعل المجتمعي بشكل عام؟

لماذا يقرأ البعض صفة الإسلامي حضورا وعدما تبعا لكل موقف على حدة وبشكل توظيفي ابتساري فإن وقف العدالة والتنمية التركي مع قانون رفع الحظر عن ارتداء الحجاب في الجامعات التركية إلى الحد الذي جعل وجوده السياسي على المحك وسبب له من المتاعب السياسية ما لا يخفي على أحد، تم قراءة العدالة والتنمية باعتباره حزبا ذا خلفية أيديولوجية إسلامية وأنه أزم الساحة التركية وطرح مطالب فئوية وليست مطالب متعلقة بموضوع الحريات العامة؟. وإن وقف العدالة والتنمية مع الشعب الفلسطيني وقدم الإسناد السياسي المطلوب وجابه الموقف الصهيوني في محافل المؤسسات الدولية وقدم تجارب اجتماعية رائدة في مجال القفز حول حواجز ومتاريس الاحتقان السياسي تم قراءته باعتباره حزبا مبتوت الصلات من كل وجه بالفكرة الإسلامية وكل تجلياتها؟

تأييد أردوغان واتساع قاعدته
يتوهم من عمدوا إلى نزعة كل العلائق لأردوغان بالفكرة الإسلامية أن الالتفاف حول مواقف أردوغان يأتي من الشرائح الجماهيرية التي تمثل العمود الفقري للحركات الإسلامية، وربما فات هؤلاء أن القطاعات الجماهيرية العريضة من هذه الجماهير ظلت مرتهنة على الأقل قبل أحداث غزة إلى حد كبير بقراءة المواقف الحاكمة للقوى الإسلامية في غالبيتها والتي ظلت مأخوذة بالتوجس من نهج أردوغان باعتباره لا يقدم طرحا يتماثل مع طروحات عموم الإسلاميين من ناحية، وأنه قد يفتح عليهم باب التساؤلات من ناحية ثانية حول عدم القدرة على محاكاة هذا النموذج في مجال القدرة على اتخاذ زمام المبادرة وتقديم ما هو تجديدي ومناسب للتعامل مع الإشكاليات والتحديات التي تواجه الحركات الإسلامية دون الالتفات إلى خصوصية الواقع القطري واختلاف السياقات والمعطيات التي تحكم واقع الحركات والأحزاب الإسلامية من مجتمع لآخر.

ليس صحيحا أن من تعاطف مع أردوغان وثمن مواقفه هم جمهور الحركات الإسلامية فقط، فهذه المواقف كانت محل إجماع من شرائح عريضة في الشارعين العربي والإسلامي، كما تلقتها بشكل حسن بعض النخب الفكرية والسياسية غير المرتبطة بالفكرة الإسلامية.

كل الدوافع غير "إسلامية "!
في مجال تفسير مواقف أردوغان ومحاولة تبيان أنها تأتي في سياقات مختلفة عن التوجهات التي تحكم الإسلاميين، يطرح البعض عدة تفسيرات وكأنها تتناقض مع كل توجه إسلامي ومع كل بواعث الفكرة الإسلامية. فهناك التفسير المتعلق بتغليب المصلحة القطرية، حيث يتم طرح الأمر وكأن "الإسلامي" بفطرته، والفكرة الإسلامية بحد ذاتها لا تتساوق مع أي نزوع نحو إدراك الهموم والمصالح القطرية، أو أن الإسلاميين يضعون المصلحة القطرية في ذيل الأولويات والاهتمامات والولاءات ويغلبون عليها إما الولاءات والانتماءات القبلية أو فوق القطرية، وتلك تفسيرات تصح بلا ريب في حق بعض القوى والاتجاهات الإسلامية.. لكنها ليست صالحة لتعميمها على كل الاتجاهات ومكونات الحالة الإسلامية أفكارا وكيانات. ثم هب أن "الإسلامي" الذي طالما ابتعد عن تقدير المصلحة القطرية حق قدرها قد غير في قناعاته وإدراكه وبدل في مساره نحو تصويب هذا الخلل، فهل يتحتم قراءة هذه التحولات باعتبارها إنما تتم حتما على غير ذات الأرضية الإسلامية، وأن الفكرة الإسلامية لا تسع مثل هذه التطورات؟!

طرح البعض في شبكة التفسيرات لمواقف أردوغان أن منطلقاته في المواقف حيال الشعب الفلسطيني كانت منطلقات إنسانية ولم تكن مرتبطة بحال من الأحوال من كونه "إسلاميا" أو على الأقل كان يوما إسلاميا ومازالت تجربته التاريخية تلقي ببعض ظلالها التأثيرية عليه!

وليس المجال هنا معارضة فكرة أن شخصا ما أو دولة أو مؤسسة قد تتعاطف وتساند الموقف الفلسطيني من منطلق إنساني، فقد رأينا في مواقف بعض الدول مثل فنزويلا وغيرها وما حدث من حركات جماهيرية مؤازرة للشعب الفلسطيني في العديد من البلدان الغربية ما يثبت صوابية هذا الطرح. لكن التساؤل هنا عن وجاهة الجزم والقطع بأن الخلفيات التي حكمت مواقف أردوغان كانت إنسانية وليست "إسلامية"، وهل ثمة فصل حتمي بين الإنساني و"الإسلامي"؟ وهل هناك عائق موضوعي في إمكانية التلازم والتصاحب في الموقف بين الإنسانية و"الإسلامية"؟! ألم يعب البعض على مواقف الإسلاميين بشكل عام كونها تتلبس بصلابة الأيديولوجية وتجافي كثيرا الحس الإنساني فلماذا عندما تأتي المواقف تحمل المعنى الإنساني يتم حسابها لغير كل ما هو "إسلامي"، وكأن الإنسانية والإسلامية بينهما من التباعد ما يجعل اللقاء بينهما مستحيلا؟!

من جملة التفسيرات التي طرحها البعض لمواقف أردوغان أن الرجل يتميز بالدهاء والحنكة السياسية، وأنه تصرف بهذا الحس السياسي. وهنا أيضا يثور أكثر من تساؤل فإن كان القصد أن كل براعة سياسية لابد أن تتخلى عن كل ما هو قيمي ومبدئي فهذا طرح لمعنى السياسة لا يلزم أبناء الأمة الإسلامية، ولن يلقى بالطبع قبول الكثيرين من أهل السياسة ذاتهم في أرجاء المعمورة على اختلاف انتماءاتهم العقدية والفكرية، وإن كان القصد أن البراعة السياسية تتطلب نضج الوعي وحسن التقدير ودقة الحسابات ومراعاة المآلات فلماذا أيضا لا يكون هناك "إسلامي" ينعم بهذه الميزات وتلك الملكات؟

ربما يكون الجدل حول تصنيف أردوغان والاختلاف حول كونه "إسلاميا" من عدمه مسألة هامشية وتعكس من المناكفات وسطحية التفكير أكثر مما تعكس من الحوار الجاد حول مسائل ذات مغزى، لكن هذه المسألة إنما تكتسب أهمية طرحها مما تعكسه من دلالات ترتبط بنزعات الإقصاء عند البعض ومحاولة قراءة المواقف والأفكار في سياق توظيفي ملغم وضار.

إن المسألة أبعد من أردوغان في دلالاتها، إنها تحمل دلالات تشي بأن البعض لا يريد أن يقرأ كل ما هو "إسلامي" إلا في إطار من السلبية، وقراءة كل ما هو إيجابي في إطار مغاير لكل ما هو "إسلامي"، وكأن كل تطور لدى الإسلاميين لابد أن يقودهم إلى خارج الفكرة الإسلامية بشكل عام، وكأن كل اجتهاد تم في سياق إسلامي وفي إطار من الوعي بالضرورات والفهم المقاصدي لابد أن تكون خاتمته إقرارا بالقطيعة التامة مع المرجعية الإسلامية ونبذها. وهل هناك أفكار لا تساعد على تطور الإسلاميين ولا تدعم الفكر الإصلاحي داخل الحالة الإسلامية مادامت ستجعلهم بالأخير غير مؤهلين لحمل صفات التطور والإصلاح والإسلامية معا!

بقلم: علاء النادي
باحث متخصص في الحركات الإسلامية - إسلام أونلاين.

تعليقات القراء