لقد شُغِل العالم كله هذه الأيام، والأيام الماضية بأزمة غزة، ومحنة الناس الأبرياء فيها الذين عاقبهم العالم كله -ولا أقول: الاحتلال الصهيوني- على اختيارهم الحر لحركة حماس في الانتخابات النيابية بعدما يئسوا من فساد غيرهم الذين جثموا على صدر الشعب الفلسطيني عقودًا عديدة محتكرين تمثيله، بينما هم في الحقيقة يمثلون المحتل الغاصب، وينوبون عنه في سوم الشعب الفلسطيني البطل العذاب في غزة ورام الله، ويبادرون في كل مناسبة إلى التنازل عن حقوقه التاريخية مقابل عَرَضٍ زائل من أعراض الدنيا.
ومع صعوبة الحصار، وحجم الأزمات التي حدثت للشعب الفلسطيني حتى وصلت لتعريض الأطفال الرُّضَّع ناقصي النمو للموت في حضَّاناتهم نتيجة نفاد الوقود والكهرباء؛ إلا أنه لا بد من التوقُّف للتدبر في عبر ودروس.
وقد يتعجب الإنسان من وجود استفادة من هذه الأزمة، لكن واقع الأمر أن الله تعالى لا يُنزل المحن إلا ويُنزِل في ثناياها المنح.
ومن أهم المنح في هذا الحصار أنه كشف انطباع الشعب الفلسطيني عن الأفراد والمنظمات العاملة على الساحة الفلسطينية؛ ففي الوقت الذي كان يُتَوقَّع فيه الانقلاب الجماهيري على حماس كما أراد الاحتلال وأعوانه في رام الله؛ نتيجة الحصار والتضييق، والتخاذل الإسلامي، وقطع الكهرباء، ونقص الدواء والغذاء، كان ينتظر الانقلاب على من كان يحاول الاحتلال تصويره على أنه السبب في الأزمة، ولكننا فُوجِئنا -ومعنا الاحتلال وأعوانه- بأن وجدنا ترابطًا من الشعب، واحترامًا لحماس، وتبرئة لها من الأزمة.
ولعلَّ من أبرز الأدلة على ذلك بعض الدراسات الخاصة التي أُجرِيت لقياس الرأي العام، والتي ذكرت أن شعبية حماس في قطاع غزة ارتفعت بعد الإظلام الذي حدث من 39 % إلى 41 %.
وهذه الزيادة -رغم ضآلتها النسبية- تثبت أن شعبية حماس لم تقلّ، رغم كل ما وقع من أحداث.
ومما يثبت التفاف الشعب الفلسطيني حول حماس ذلك الانضباط الذي ظهر عليه الفلسطينيون عند عبورهم إلى مصر؛ فرغم أن 800 ألف فلسطيني قد عبر إلى مصر -وهو ما يزيد على نصف سكان القطاع البالغ عددهم مليون وخمسمائة ألف تقريبًا-، فإننا لم نشهد انفلاتًا أمنيًّا، بل وجدنا انضباطًا شديدًا؛ وذلك رغم أن قوات الشرطة المصرية الموجودة بالمكان لا تزيد على سبعمائة جندي فقط حسب التصريحات الرسمية.
لو كان الشعب الفلسطيني يضيق بحماس؛ لشهدنا ما لا يُحمد عُقْباه في سيناء، ولكننا شهدنا التزامًا من الشعب الفلسطيني بإجراءات حماس في التعاون مع الشرطة المصرية لضبط الحركة على المعبر.
أمّا ما قيل إنه حدث من بعض الأفراد فهي تصرفات فردية تحدث في كل مكان، خاصةً ممن وقعوا تحت هذا الضغط الفظيع، ولو كان غيرهم لحدث منهم الكثير، وهي لا تُقاس أمام حجم الأعداد الضخمة التي عبرت.
ويتوافق ذلك التأييد الفلسطيني لحركة حماس مع نتائج الاستبيان الذي أجريناه على موقعنا حول مسئولية أزمة غزة وهل السبب فيها الكيان الصهيوني، أم حركة فتح أم حركة حماس؛ حيث حمَّلت نسبة 50 % تقريبًا من المشاركين في الاستبيان المسئولية للكيان الصهيوني، بينما حمَّلها 46 % تقريبًا لحركة فتح، في الوقت الذي حمَّل 4 % فقط من المشاركين حركة حماس المسئولية.
وهذه النتائج لَتَدل بما لا يدع مجالاً للشك على أن رؤية الشارع الإسلامي لقضية فلسطين صارت واضحة، وأن الشعوب الإسلامية قد فقدت ثقتها نهائيًّا في المنظمات العلمانية كحركة فتح، وأن هذه الشعوب تبنَّت النهج الإسلامي الصحيح، وهذا بشير انتصار ونهضة بإذن الله لن تشمل العالم الإسلامي فقط، بل قد تعمُّ العالم كله.
نسأل الله تعالى أن يفرِّج كربة إخواننا في فلسطين، وأن يعيننا وإياهم على تحريرها، ونسأله النصر للإسلام والمسلمين.











