ضريبة التغيير فرض على كل مواطن

البلطجية في مصرلا شك أن نتائج الثورات العربية في مجملها إيجابية ولن تظهر تلك النتائج إلا بعد اكتمال الثورة وارتفاع قامتها وعلو هامتها على ما سواها من العقبات والمكائد والمؤامرات، ولا أظن أن أحدًا يمكنه أن يقوم بالتقييم الكامل لثورات عالمنا العربي في الوقت الحالي، وقد يتمكن البعض من التقييم الجزئي لبعض الأحداث في بعض البلاد، وفقًا لرؤيته الخاصة التي تحتمل الصواب كما تحتمل الخطأ.

البعض يتعجل النتائج ويتساءل عن مآل الأحوال، وأكثر الناس تساؤلاً عن الاستقرار هم -في الغالب- من لم يشاركوا بدور إيجابي في أحداث الثورة، وكان منهم من يثبط الهمم وينشر اليأس ولا يريد إلا ما أُتيح له من العيش، عزيزًا كان أم ذليلاً. وعلى الجانب الآخر تجد من شاركوا بشكل أو آخر في الثورة يشعرون بالراحة النفسيَّة لما تم إنجازه، وأن الأحوال تسير وفق تسلسل طبيعي سينتهي لاحقًا إلى الاستقرار والحرية والرفاهية.

سألني أحد الناس: هل سيستمر حال البلاد على ما نحن عليه أم سيتغير إلى الأحسن أم إلى الأسوأ أم ماذا؟! قلت له: إن ما تمر به بلادنا في الفترة الحاليَّة أشبه ما يكون بمريض عانى كثيرا من الألم والعذاب ثم قرر أن يقوم بعملية جراحية ليتحقق له الشفاء، وقد تمت العملية الجراحية وهذا المريض يعيش الآن فترة النقاهة التي يعتريه فيها بعض الآلام والأحزان لكنه، يتحمل تلك الآلام التي قد تصل درجة قسوتها إلى درجة المرض نفسه قبل العملية، غير أنه في راحة نفسية؛ لأنه على يقين أن العافية ستدبُّ في جسده قريبًا.

إن أوطاننا الحبيبية هي هذا المريض وتلك الثورات المباركة التي تقتلع الأنظمة الفاسدة والمستبدة هي العملية الجراحية، وما يُحاق الآن بالثائرين وبالأوطان والشعوب بعد تلك الثورات من مؤامرات داخلية وخارجية تهدف إلى نشر الخوف وإشاعة الفوضى هي أعراض فترة النقاهة، والتي ستنتقل على إثرها أوطاننا الغالية إلى الارتقاء والتقدم والحرية والرفاهية في ظل الاجتهاد والعمل والبناء.

ومما يميز فترة النقاهة هذه أن ضريبة التغيير فيها لا تدفعها شريحة من الناس دون أخرى، ولا جماعة دون غيرها، ولا حزب دون غيره، بل إن كل مواطن في أوطان التغيير يدفع الضريبة شاء أم أبى، طوعًا أو كرهًا، وقد تكون تلك الضريبة تعطيل بعض المصالح، وقد تكون عدم الشعور الكامل بالأمن لعدم عودة أجهزة الشرطة إلى عملها بشكل كامل، كما قد تكون الضريبة ارتفاع أسعار الكثير من السلع الأساسية بما يحمِّل المواطن المحدود الدخل فوق طاقته.

ومن تلك الضرائب التي يدفعها الجميع انتشار البلطجية الذين يعيثون في الأرض فسادًا، وينشرون ثقافة الخوف والرعب بين أبناء الوطن، كما يدفع المواطنون كذلك من أوقاتهم وجهودهم بمشاركتهم في اللجان الشعبية لحماية مرافق الدولة والمساعدة في توزيع الخدمات على الأهالي، وغير ذلك من الضرائب المتنوعة مقابل التغيير الذي تمَّ وعلى أمل اكتمال المسيرة على خير.

ومع تلك الضرائب المدفوعة من المال والوقت والجهد والصحة لا بُدَّ أن تتحلى الشعوب بالإيجابية في أعلى صورها، وأن تتمسك بكرامتها ولا تفرط فيها تحت أي ظرف، كما ينبغي على الجميع أن يكونوا متفائلين بالخير فيما هو قادم دون تكاسل أو خمول أو تواكل، فلا بد مع الأمل من العمل الدائم والمنظم في نفس الوقت.

وأما مثيرو الفتن من البلطجية ومن على شاكلتهم، فسيدفعون الثمن غاليًا إن عاجلاً أو آجلاً، ويكفي أنهم لم يعتبروا مما حدث لمن هم أكثر منهم قوة وعدة وعتادًا وأشد منهم ظلمًا وعدوانًا، ومن لم يعتبر بغيره فسيعتبر به غيرُه، والضريبة التي سيدفعونها من حياتهم وصحتهم وذويهم لن تكون هينة ولا بسيطة إزاء ما يفعلونه بمجتمعاتهم وهي أحوج ما تكون إلى الاستقرار والهدوء.

إن على الشعوب الحرّة الأبية في الأوطان المتحررة الغالية أن تعلم أنّ ما تعانيه اليوم من أزمات إنما هي أحوال طارئة، وستذهب تلك الأحوال إلى غير عودة شرط التمسك بالوحدة وعدم السماح لأي أحد مهما كان أن يشق الصف أو يبعثر الجهود أو يعلو فوق الأكتاف دون أن يكون أهلاً لذلك.

روابط ذات صلة:

- مخطط إجهاض الثورات في العالم العربي

- مصر وواجب الوقت في مواجهة الثورة المضادة

- الأمل قبل العمل بقلم د. صلاح سلطان

- فقه البناء في ظل الحرية

تعليقات القراء