فقه البناء في ظل الحرية

فقه البناء في ظل الحريةعندما يتوفر مناخ الحرية للعمل الدعوي لا بد من فقهٍ جديد للعمل نظرًا لاختلاف الأجواء، وكما لا يخفى على أحد فالفقه لا يقتصر معناه على الفهم، بل إن له معنى أكثر عمقًا من ذلك وهو دقة الفهم، والداعية في كل الأحوال يسير في الدعوة إلى الله على بصيرة {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108]. يقول صاحب الظلال: "على هدى من الله ونور، نعرف طريقنا جيدًا، ونسير فيها على بصر وإدراك ومعرفة، لا نخبط ولا نتحسس، ولا نحدس، فهو اليقين البصير المستنير...".

والناس إزاء أجواء الحرية أصناف متعددة، فمنهم من يفتح فاهًا فاغرًا مندهشًا ومتعجبًا لما آلت إليه الأحوال من انفتاح لم يكن يحلم به قبل قيام الخلافة المنشودة، ومن الناس صنف انطلق بكل قوة ونشاط وعزيمة يعوّض ما فاته في أيام الانغلاق والسرية والتكتم والخوف، وبين هذا وذاك أنواع أخرى تقترب أو تبتعد عن أحد الصنفين. وحديثي اليوم موجَّه إلى ذوي الهمة والنشاط والحيوية والانطلاق لا تثبيطًا للعزائم ولا نزولاً بالهمم، ولكن توجيهًا للدفة إلى الاتجاه الصحيح؛ حتى تؤتي الثمرة أكلها، وتبلغ السفينة برَّها.

ومن هنا ينبغي للدعاة ألا يغفلوا عنصر التدرج في دعوة الناس؛ فانتقال النفس من الشر إلى الخير فيه من الصعوبة ما فيه، ومفاجأة الناس بأعمال ضخمة وكبيرة وعاجلة ومتتابعة لم يألفوها من قبل قد يؤتي نتائج عكسية، وقد يزهِّد الناس في الدعوة ورجالها، وكذلك التركيز على جانب واحد دون غيره كالمؤتمرات والندوات قد يفهمه الناس حبًّا للظهور وإثباتًا للوجود أكثر منه دعوة وتقربًا إلى الله وحلولاً لمشكلات الناس المتراكمة على مدى أجيال متتالية..

إننا مطالبون بالتدرج والتوازن والشمول والتنوع في وسائلنا الدعوية، فلا يتم إغفال جانب الزيارات للناس، ودعم الفقراء، وتقديم الخدمات...

إن انفتاح الأجواء للدعوة إلى الله يفرض علينا جميعا تغييرًا جذريًّا في الخطط والوسائل الدعوية بما يتوافق مع متطلبات المرحلة، حيث أتاحت الحرية أيضًا للمجرمين والمفسدين مزيدًا من السرقة والتخريب المنظم والاتجار بالمخدرات وتوسيع دوائرهم، مستغلين غياب الاستقرار وضعف الأمن، وأولى بالأمر من الناحية الإيجابية الدعاة. ولعل الناس في أجواء الشدة والخوف والاضطرابات تكون أقرب إلى الله منها في أوقات الرخاء والأمن والاستقرار؛ مما يتيح فرصة أكثر للعاملين في حقل الدعوة لجذب الناس إلى صفوفهم، وتعريفهم بمنهج الإسلام المعتدل النقي الصافي الموروث عن رسول الله r قبل أن تتخطفهم يد الجريمة والفساد والانحلال.

إن أجواء الحرية كما تتيح مزيدًا من الانفتاح للعمل الدعوي، تضيف عبئًا ثقيلاً ناتجًا عن العمل الإجرامي المنظم المستغل للحرية في غياب القانون؛ مما يفرض على من يفقه البناء زيادة الجرعات الإصلاحية بما يتناسب مع الفساد والشر الذي يستشري ويزيد يومًا بعد يوم، ولكن لا بد من ضبط تلك الزيادة بالتوازن والتدرج والتنوع في الوسائل المستخدمة في الإصلاح، وعدم الاقتصار على وسائل دون أخرى، ما دامت غير مخالفة للمنهج الدعوي.

ولا ينسى الداعي دائمًا أن يضع نصب عينيه في كل الأحوال الآية الكريمة {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ} [هود: 88].

- المزيد من مقالات أقلام حرة

تعليقات القراء