تدخل بلاد الربيع العربي التي شهدت ثورات أطاحت بأنظمتها الاستبدادية بعد حكم استمر عشرات السنين من القمع والظلم, تدخل هذه البلاد في معركة على صناعة الدستور الذي يمثِّل ورقة صناعة المستقبل؛ من أجل نفض الغبار المتراكم، والذي أعادها للوراء مئات السنين، وأدخلها في ركب الدول المتخلفة التي تعاني من أجل توفير أدنى متطلبات المعيشة لسكانها، رغم أنها تمتلك ثروات هائلة كانت من نصيب فئة صغيرة سطت على الحكم، وجمعت حولها حاشية فاسدة أورثت البلاد خرابًا مدمرًا.
وتأتي صناعة الدساتير في دول الربيع العربي في وقت تشهد حالة شديدة من الاستقطاب، حيث حازت التيارات الإسلامية ثقة الأغلبية، وتمكنت من تنظيم صفوفها سريعًا، واستطاعت الفوز في الانتخابات؛ مما أثار حالة من الهياج في صفوف العلمانيين، الذين توهموا أن سيطرتهم على الإعلام وبعض منظمات المجتمع المدني وصلاتهم الخارجية بدوائر صنع القرار في الغرب، ستحقق لهم تواجدًا قويًّا على الساحة السياسية، إلا إنهم استيقظوا على كابوس مزعج فقدوا معه توازنهم، وأصبحوا كالثور الهائج يضرب يمينًا ويسارًا، ويلقي الاتهامات جزافًا.
ومن أطرف وأعجب المفاهيم التي يسعى العلمانيون لفرضها بعد فشلهم في وضع قيود عُليا على صناعة الدستور، هو أن على الأغلبية ألا تفرض رأيها على الأقلية، وأن تعلم بأنه "لا دستور دون موافقتها".
وهو أمر يثير الدهشة!
فمن حقهم أن يطالبوا بالمشاركة في صنع الدستور، ولكن أن يأتي الدستور على مزاجهم، مهما كان رأي الأغلبية! فهو أمر لا يحدث في أي دولة "ديمقراطية" في العالم من الدول التي يتأسون بها، ويرفعون رايتها عاليًا؛ فعند الخلاف إلى مَن يحتكم الجميع، أليس لرأي الأغلبية؟!
نعم، يسعى الجميع للتوافق والإجماع إذا أمكن، ولكن مع الاختلاف الجذري في التوجهات، خصوصًا في مرجعية الشريعة وتفعيل دورها ستكون هناك خلافات، فهل يعقل أن ينصاع أصحاب الأغلبية للأقلية؟! هل يعقل أن ينصاع الثلثان للثلث؟
ثم ما هذا الهياج وقَلْب الحقائق بالقول: "إن الإسلاميين يريدون السيطرة على شاكلة أحزاب السلطة السابقة"! دون الوضع في الاعتبار أن هذه الأحزاب كانت تزيِّف إرادة الجماهير، وهو مربط الفرس وأساس الخلاف معها، وليس لأنها كانت تنفِّذ ما تريد.
ومن ثَمَّ فمن حق الأغلبية في أي نظام أن تنفذ ما تريد ما دامت تراه في الصالح، ومن حق الناس أن يحكموا بعد ذلك على التجربة، إمَّا أن يجددوا ثقتهم بها أو يسحبوها. أمَّا أن تتعسف الأقلية وتسعى لإخفاء فشلها في الحصول على ثقة الناس بادعاء استبداد الأغلبية، فهو اتهام متهافِت.
ومن الطرائف الأخرى أيضًا هو تزايد المطالبات من جميع الفئات للمشاركة في وضع الدستور، فالممثلون والمطربون والشعراء والمؤلفون يريدون المشاركة، وليس من المستبعد أن تطالب الراقصات أيضًا بالمشاركة في وضع الدستور؛ بحُجَّة الخوف على "عملهم الحر" من "استبداد الأغلبية"!!
ماذا لو عكسنا الوضع، وكان العلمانيون هم مَن فازوا بالأغلبية، هل كانوا سيسمحون لأيِّ أحدٍ مهما كان أن يفرض عليهم رأيه؟!
لقد أظهر العلمانيون تنازلاً شكليًّا بشأن وضع الشريعة الإسلامية في الدستور, ولكنهم فعلوا ذلك على طريقة بعض الأنظمة السابقة كأيقونة للبركة دون تفعيل لهذا البند، وهي المعركة التي ستشهدها الفترة القادمة من أجل صناعة الدستور بين الإسلاميين والتيارات الليبرالية واليسارية التي تريد جذب المجتمع رغمًا عنه لرؤيتها للحياة، والتي تتفلت من القيم الدينية بدعوى "إطلاق الحرية للإبداع".
المخيف في الموضوع هو أن هناك أطرافًا علمانية متطرفة تسعى لتفجير الأوضاع إذا لم تسر الأمور على هواها، وتستغل في ذلك بعض الشباب المتحمس، وهي تختبئ خلف دعوات لاستمرار الثورة حتى تصل إلى كل أهدافها، ولكن الحقيقة أنها تريد الانقلاب على إرادة الشعب، ولا تعلم أنها بذلك قد تعيد البلاد إلى أسوأ مما كانت عليه قبل الثورة..
فهل ستصل الأنانية والنرجسية بهذه الأطراف لدرجة التضحية بمصلحة البلاد والشعب، لتظل هي في الصورة، وتنفذ أفكارها المرفوضة من الأغلبية؟
المصدر: موقع المسلم.











