23 يناير .. عرس مصري تاريخي

خمسون عامًا، منذ فتحت عيني على سماء بلادي لم أرَ فيها برلمانًا يمثلني أو يمثل عموم الشعب المصري، ووجدت الجيل الذي سبقني يكرِّر الكلام نفسه.

خمسون عامًا وفكرة البرلمان مجرد ديكور يستخدمه الطغاة والجبابرة؛ لإضفاء مسحة من الديمقراطية المزيفة على مشروعهم الاستبدادي العقيم.

خمسون عامًا والتزوير هو سيِّد المشهد في أي انتخابات برلمانية، والخلاف بين مرة وأخرى فقط في طريقة التزوير، وهل يمكن من المنبع بمنع الناخبين من الوصول إلى اللجان وترويعهم، أم من المصب بتغيير الصناديق بأخرى تم إعدادها سلفًا في ورشة تجهيز الأصوات بوزارة الداخلية!

خمسون عامًا ونحن نرى وزير داخلية الطاغية يقف أمامه في مشهد تاريخي ينقله تليفزيون القمع؛ لكي يتلو عليه أرقام الانتخابات ونسب التصويت التي لا تتصل بالانتخابات أصلاً، وإنما تمت كتابتها سابقًا كعملية رياضية بحتة بالتنسيق بين طغمة شر محدودة العدد فيمن هم حول الطاغية.

أمس 23 يناير 2012م، كان المشهد مختلفًا، تاريخيًّا بالفعل، لحظة سيذكرها المصريون والعالم طويلاً، تمامًا كما حُفِرت في خيالات هذا الجيل مشاهد ثورة 25 يناير الرائعة.. نواب مصر الحقيقيين يحتشدون في قاعة البرلمان، ويؤدون القسم متعهدين بحماية الوطن وإرادة الشعب واحترام القانون والدستور.. إسلاميون وليبراليون ويساريون وتكنوقراط، غالبيتهم الساحقة لم تكن لتطأ أقدامهم هذا المكان، حتى لو حصل كل منهم على ثمانين مليون صوت، فلما كسرت ثورة يناير شوكة الطغاة وأسقطت نظام القمع والتزوير، عبَّدت الطريق أمام المرحلة الجديدة من الثورة، مرحلة تأسيس دولة مصر الجديدة، دولة القانون والديمقراطية والحريات والكرامة.

أمس 23 يناير كان ميلادًا حقيقيًّا للدولة المصرية، مصر لم تكن دولة قبل ذلك، كانت أشبه بشركة تديرها عصابة لحسابها الخاص، ولا ترعى مصالح الناس إلا بالقدر الذي يضمن استمرارية الشركة في العمل من أجل مزيد من احتلابها، بينما يعيش ملايين المصرين في بؤس الفقر وسوء الخدمات وبنية أساسية شبه محصورة في أحياء بالقاهرة، بينما بقية ربوع الوطن لا تملك بنية أساسية تليق حتى بالحيوانات في بلاد أخرى.

مصر الدولة ولدت أمس 23 يناير بعد أن راهن كثيرون على أن هذا النصر الجديد للثورة لن يتحقق، وأنه سيتعثر.

ولدت الدولة المصرية وبدأ نواب الأمة أولى خطوات إدارة شئون الدولة، بينما الطاغية الذي كان يقول في العام الماضي بكل عجرفة: (خلّيهم يتسلوا)؛ استهزاءً بغضب الناس من بشاعة التزوير، لن يتسلوا الآن يا مبارك، ولكنهم يعيدون بناء الدولة التي خرّبتها أنت وعصابتك، ويدشنون عصرًا جديدًا لمصر، يليق بها وبمكانتها وبثورتها وبشعبها الطيب الصبور.

المصدر: جريدة المصريون، العدد (65)، 24 يناير 2012م.

تعليقات القراء