الانتفاضة الفلسطينية الثانية .. انتفاضة الأقصى

لم تكن انتفاضة الأقصى أولى الانتفاضات الفلسطينية ولن تكون الأخيرة، فطالما استمر الاحتلال وتداعياته، فإن مسيرة رفض هذا الاحتلال والتصدي له ومقاومته ستظل متواصلة وإن تخللها فترات من الهدوء أو الاستعداد للمعركة القادمة.

ولكن هذه الانتفاضة تشكل تعبيراً عن مرحلة جديدة في تاريخ القضية الفلسطينية في ضوء ما آلت إليه عملية التسوية من فشل، ولذلك سيكون لها بصماتها الواضحة على مسيرة الصراع ليس في بعده الفلسطيني فحسب ولكن في بعده العربي والإسلامي أيضاً[1].

بداية الانتفاضة الفلسطينية الثانية
بدأت الانتفاضة الثانية بزيارة استفزازية من الإرهابي آرييل شارون للحرم القدسي في حماية جنود الاحتلال يوم الخميس 28 سبتمبر 2000م بهدف تأكيد السيادة الصهيونية على الحرم القـدس مهما كلف ذلك من ثمن، و تعتبر الانتفاضة قائمة حتى الآن فحركات المقاومة الفلسطينية بين يوم وآخر تواجه الاحتلال كما أن الشارع الفلسطيني ليس بعيدا عن المواجهات اليومية.

ويشير تقرير منظمة العفو الدولية في فبراير 2001 أن الانتفاضة قد بدأت يوم الجمعة 29 سبتمبر 2000م عندما دخلت قوات الأمن الصهيونية المنطقة المحيطة بالمسجد الأقصى في القدس وأطلقت رصاصاً معدنياً مطلياً بالمطاط وذخيرة حية رداً على الحجارة التي أُلقيت من المصلين عند حائط البراق (الحائط الغربي).

وفي ذلك اليوم قُتل خمسة أشخاص وأُصيب نحو 200 بجروح وأعقـبت ذلك مظاهرات أُلقيت فيها الحجارة في جميع أنحاء الأراضي المحتلة رداً على عمليات القتل هذه، وانتشرت على نطاق أوسع رداً على مشاهد تلفزيونية لمقتل صبي عمره 12 عاماً هو الطفل الشهيد محمد الدرة عند معبر نتزاريم في قطاع غزة .. وقُمعت المظاهرات بالقوة، وفي غضون خمسة أيام كان 35 فلسطينياً قد لاقوا حتفهم، بينهم 13 فلسطينياً يحملون الجنسية الصهيونية، وأُصيب أكثر من 1000 شخص بجروح.

البعد الشعبي للانتفاضة.. فلسطينياً وعربياً وإسلامياً
شاركت جميع القوى الفلسطينية في هذه انتفاضة الأقصى (الانتفاضة الفلسطينية الثانية) بما في ذلك القوى المؤيدة لعملية التسوية في مؤشر واضح على إحباط هذه القوى وعلى رأسها حزب السلطة (فتح) وشعورها بخيبة الأمل من عملية التسوية. ولا تزال فعاليات هذه الانتفاضة تحظى بإجماع شعبي ضمن برنامج تقوده الفعاليات الوطنية والإسلامية.

إن الإجماع الوطني الفلسطيني على الانتفاضة والاستمرار بها لا يعني توافق البرامج السياسية للقوى الوطنية المشاركة فيها، إذ لا تزال حركة فتح التي حرصت على إيجاد مسافة بين موقفها وموقف السلطة الفلسطينية تراهن على عملية التسوية وترى أن هذه الانتفاضة ستؤدي إلى تقوية الموقف الفلسطيني التفاوضي بما في ذلك إعلان قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على الأراضي المحتلة عام 1967م، في الوقت الذي تتمسك فيه حركة حماس بموقفها الداعي إلى استمرار الانتفاضة إلى حين دحر الاحتلال عن الأرض الفلسطينية دون أن تعول على عملية التسوية التي فشلت في تحقيق أية إنجازات للشعب الفلسطيني.

ولا شك أن موقف حركة حماس يحظى بدعم عربي وإسلامي شعبي كبير لأنه لا يراهن على عملية التسوية ويدعو إلى إسناد الانتفاضة الشعبية بالمقاومة المسلحة ويدعو إلى دعم الدول العربية لإسناد هذه المقاومة بكل الوسائل الممكنة.

تفاعل الشارع العربي و الإسلامي
أما الشارع العربي فقد تفاعل مع الانتفاضة لدرجة أن دولا لم تعرف المظاهرات مثل دول الخليج خرجت فيها مظاهرات تأييدية لانتفاضة الأقصى، وهو ما أحرج الأنظمة العربية التي عقدت بعد ما يقرب من شهر على اندلاع الانتفاضة القمة العربية الطارئة في القاهرة وخرجت ببيان لم تصل فيه إلى مستوى آمال الشارع العربي، وإن كان فيه دعم وإعطاء صبغة شرعية أعمق لانتفاضة الأقصى.

وبالمثل تحرك الشارع الإسلامي في مظاهرات حاشدة ودفع نحو تسمية مؤتمر الدوحة الإسلامي المنعقد في نوفمبر/ تشرين الثاني بقمة الأقصى وخرج بيان القمة ناقما على الاحتلال الصهيوني وناقدا لأول مرة الموقف الأميركي المتسامح مع القمع الصهيوني.

الانتفاضة تحيي المقاطعة
أحيت الانتفاضة جوانب منسية في المجتمع العربي فعادت من جديد الدعوة إلى مقاطعة البضائع الأميركية والصهيونية، ونشط مكتب المقاطعة العربية وعقد اجتماعا في العاصمة السورية دمشق وإن لم يسفر الاجتماع عن كثير يذكر.

كما شهدت الحركة الفنية عودة الأغنية الوطنية وشعر المقاومة وامتلأت الفضائيات العربية بمواد غزيرة عن انتفاضة الأقصى واحتلت الانتفاضة المساحة الأكبر في أغلب الفضائيات العربية.

حصاد الانتفاضة الثانية
يحسب للانتفاضة الثانية أنها أوقفت التراجعات الفلسطينية على مسار المفاوضات، وان كانت حصيلة الانتفاضة عدد كبير من الشهداء الذين تجاوز عددهم 600 شهيد من بينهم أكثر من 100 طفل بكى العالم منهم محمد الدرة، والطفلة سارة وإيمان حجو التي لم تتجاوز أربعة أشهر من عمرها، ولم يدر عن كثيرين.

برغم أن آثار الاعتداءات الصهيونية على المجتمع الفلسطيني كانت كبيرة، فمع الشهداء سقط أكثر من 15 ألف جريح، وخسارة الاقتصاد الفلسطيني قرابة 4 مليارات دولار، إلا أن الخسائر الصهيونية لم تكن قليلة، إذ بلغت الخسائر الاقتصادية أكثر من ملياري دولار.

واعتبر الفلسطينيون سلطة وشعبا أن انتفاضتهم إنما قامت ردا للعدوان، وبرغم محاولات السلطة الفلسطينية مد يدها باستمرار للصهاينة بقصد استئناف مفاوضات عملية السلام إلا أن الاحتلال الصهيوني لم يكترث بتلك الأيادي الممتدة وكان آخرها في 23 سبتمبر/ أيلول 2001م عندما منع رئيس الوزراء الصهيوني أرييل شارون وزير خارجيته من الاجتماع مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.

اتسعت المشاركة الفلسطينية في يوميات الانتفاضة لتشمل فلسطينيي 48 الذين قدموا 14 شهيدا وبرز دورهم في رفضهم الفعاليات السياسية الصهيونية برغم وجود بعضهم في الكنيست الصهيوني، وقادوا مظاهرات كبيرة ضد الإجراءات الصهيونية المتعسفة نحو فلسطينيي الضفة والقطاع.

قرار رقم 242
لم يعد الفلسطينيون يتحدثون عن عملية السلام، واقتصر الحديث عن قرار 242 الذي يطالب بانسحاب الاحتلال الصهيوني عن الأراضي التي احتلتها في حرب عام 1967م. ولوحظ لأول مرة ارتفاع حدة الخطاب الرسمي الفلسطيني والذي برز في تصريحات الرئيس الفلسطيني عرفات خصوصا في لحظات تأبين الشهداء، فكان يدعو إلى مواصلة الكفاح وتحمل التضحيات لنيل الأهداف المشروعة للشعب الفلسطيني.

يبقى أن نقول: إن الانتفاضة هي جولة من جولات الصراع مع هذا العدو الغاشم، وهي محطة هامة في الطريق نحو التحرير بإذن الله، أما المعاناة والتضحيات والدماء، فهي من مستلزمات الطريق، إذ لا يمكن السير إلا بها، مستذكرين بذلك الآية القرآنية: {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} [النساء: 104][2].


 

[1] انتفاضة الأقصى .. بداية مرحلة جديدة في تاريخ القضية، المركز الفلسطيني للإعلام.

[2] محمد نزال (عضو المكتب السياسي لحركة حماس): نحو فهم أعمق لظاهرة "انتفاضة الأقصى"، مجلة فلسطين المسلمة أكتوبر 2004م، موقع إسلام ويب.

Related Posts islamstory...

تعليقات القراء