أخلاق رسول الله

أخلاق رسول اللهتعريف الخلق: الخُلق بضم اللام وسكونها: الدين والطبع والسجية[1]. وفي الاصطلاح: يطلق إطلاقين أحدهما أعم من الثاني، فيطلق على الصفة التي تقوم بالنفس على سبيل الرسوخ ويستحق الموصوف بها المدح أو الذم، ويطلق على التمسك بأحكام الشرع وآدابه فعلاً وتركًا. ومن الأول قوله r لأشج عبد القيس: "إن فيك لخلقين يحبهما الله: الحلم، والأناة". قال: يا رسول الله، أخلقين تخلقت بهما أم جبلت عليهما؟ قال: "بل جبلت عليهم". قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله.

ومن الثاني قوله r: "البر حسن الخلق". وقول عائشة -رضي الله عنها- في تفسير قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، كان خلقه القرآن. هذا تعريف الخلق في اللغة والاصطلاح.

أخلاقه الفاضلة وسجاياه الحميدة

كان r أحسن الناس خلقًا، اجتمع فيه من أوصاف المدح والثناء ما تفرق في غيره، فقد صانه الله سبحانه وحفظه من أدنى وصف يعاب صاحبه. كل ذلك حصل له من ربه فضلاً ومنةً؛ قطعًا لألسنةِ أعدائه الذين يتربصون به، ويقفون في طريق دعوته محذرين منه، أحب شيء إليهم تحصيل شيء يعيبونه به، وأنَّى لهم ذلك؟!

فقد نشأ r متحليًا بكل خلق كريم، مبتعدًا عن كل وصف ذميم، فهو أعلم الناس وأنصحهم وأفصحهم لسانًا، وأقواهم بيانًا، وأكثرهم حياءً، يُضرب به المثل في الأمانة والصدق والعفاف.

أدبه الله فأحسن تأديبه فكان أرجح الناس عقلاً، وأكثرهم أدبًا، وأوفرهم حلمًا، وأكملهم قوة وشجاعةً وشفقةً، وأكرمهم نفسًا، وأعلاهم منزلةً، وبالجملة كل خلق محمود يليق بالإنسان فله r منه القسط الأكبر والحظ الأوفر، وكل وصف مذموم فهو أسلم الناس منه، وأبعدهم عنه، شهد له بذلك العدو والصديق.

شهادات الأصدقاء والأعداء

وفيما يلي أورد بعض الشهادات التي شهد له بها الموالون له والمعادون، والتي تدلُ دلالةً واضحةً على تمسكه بالأخلاق الحسنة قبل أن يبعثه الله تعالى، وذلك معلوم من الدين بالضرورة.

1- شهادة خديجة رضي الله عنها:

لما أوحى الله إلى نبيه r في غار حراء لأول مرة، ورجع إلى خديجة أخبرها الخبر وقال: "لقد خشيت على نفسي". فقالت له رضي الله عنها: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق[2].

2- شهادة كفار قريش عند بنائهم الكعبة:

ولما قامت قريش ببناء الكعبة قبل بعثة محمد r تنازعوا في رفع الحجر الأسود إلى مكانه، واتفقوا على تحكيم أول من يدخل عليهم الباب، فكان أول داخل رسول الله r ففرحوا جميعًا، وقالوا: جاء الأمين، جاء محمد. وقد كانوا يلقبونه بلقب الأمين؛ لما يعلمونه من أمانته، صلوات الله وسلامه عليه.

3- شهادة كفار قريش بصدقه r:

ثبت في صحيح البخاري أنه r لما نزل عليه {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]، صعد على الصفا فجعل ينادي: "يا بني فهر، يا بني عدي" -لبطون قريش- حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش فقال: "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟" قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". فقال أبو لهب: (تبًّا لك! ألهذا جمعتنا؟).

4- شهادة أبي جهل بصدقه r:

تقديم الحديث الذي رواه الحاكم بسند على شرط الشيخين، أن أبا جهل قال للنبي r: "إنا لا نكذبك لكن نكذب ما جئت به". فأنزل الله {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33].

ولما قال له الأخنس بن شريق: "يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟" فقال: "ويحك! والله إن محمدًا صادق، وما كذب محمد قط"... إلخ.

5- شهادة أبي سفيان بين يدي هرقل ملك الروم بصدق رسول الله r ووفائه:

فقد روى البخاري في صحيحه، عن ابن عباس t أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا ذهبوا إلى الشام لأجل التجارة في المدة التي كان رسول الله r مادًّا فيها أبا سفيان وكفار قريش. فأتوه بإيليا فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه فقال: "أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟" فقالأبو سفيان: "فقلت: أنا أقربهم نسبًا". فقال: "أدنوه مني، وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم أني سائل عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه". فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عليَّ كذبًا لكذبت عليه، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: "كيف نسبه فيكم؟" قلت: "هو فينا ذو نسب". قال: "فهل قال هذا القول أحد منكم قط قبله؟" قلت: "لا". قال: "فهل كان من آبائه من ملك؟" قلت: "لا".

قال: "فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟" فقلت: "بل ضعفاؤهم". قال: "أيزيدون أم ينقصون؟" قلت: "بل يزيدون". قال: "فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟" قلت: "لا". قال: "فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟" قلت: "لا". قال: "فهل يغدر؟" قلت: "لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها". قال (أبو سفيان): ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه الكلمة. قال: "فهل قاتلتموه؟" قلت: "نعم". قال: "فكيف كان قتالكم إياه؟" قلت: "الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه". قال: "بماذا يأمركم؟" قلت: "يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة".

فقال للترجمان: "قل له: سألتك عن نَسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله قط؟ فذكرت أن لا، قلت: فلو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتي بقول قيل قبله. وسألتك هل كان في آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملك لقلت رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، قلت: لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله.

وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك أيرتد أحد سخطه لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك بماذا يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقًّا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه".

ثم دعا بكتاب رسول الله r الذي بعث به إليه مع دحية بن خليفة الكلبي، فقرأه. قال أبو سفيان: "فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب، كثر عنده الصخب، وارتفعت الأصوات، فأخرجنا، فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أَمِرَ أَمْرُ ابن أبي كبشة؛ إنه ليخافه ملك بني الأصفر. فما زلت موقنًا أنه سيظهر حتى أدخل الله عليَّ الإسلام".

ففي هذه القصة آيات بينات ودلالات واضحات على نبوته r، وأنه r صادق فيما جاء به. ومحل الشاهد من القصة شهادة أبي سفيان بن حرب -وهو من أشد أعدائه في ذلك الوقت- على اتصاف الرسول r قبل أن يبعثه الله بالصدق، وأنهم لا يتهمونه بالكذب وبالوفاء، وأنه لا يغدر.

6- شهادة السائب المخزومي له r بحسن المعاملة والرفق قبل النبوة:

روى أبو داود وغيره أن السائب المخزومي كان شريك النبي r قبل البعثة، فجاء يوم الفتح فقال: "مرحبا بأخي وشريكي، لا يداري ولا يماري". وفي لفظ: أنه قال للنبي r: "كنت شريكي في الجاهلية فكنت خير شريك، لا تداريني ولا تماريني". وفي لفظ: "شريكي ونعم الشريك، كنت لا تداري ولا تماري".

7- شهادة عبد الله بن سلام t بصدقه r:

روى أحمد وأصحاب السنن عن عبد الله بن سلام t قال: (لما قدم النبي r المدينة كنت ممن انجفلَ، فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فسمعته يقول: "أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام".

8- شهادة مكرز بن حفص بن الأحنف له r بالوفاء في جميع مراحل حياته:

كان رسول الله r عام الحديبية قد أبرم صلحًا بينه وبين قريش على أن يرجع ويعتمر من العام المقبل، ومن الشروط التي اشترطتها قريش على رسول الله r أن يدخل مكة بسلاح الراكب فقط (السيوف مغمدة)، فلما قدم r في عمرة القضاء استعد بالخيل والسلاح لا ليدخل بها الحرم وإنما لتكون في متناول يده لو نكثت قريش، وعندما قرب r من الحرم بعث بها إلى يأجح. وكان خبر ذلك السلاح قد بلغ قريشًا، فبعثت مكرز بن حفص في نفر من قريش إلى رسول الله r فقالوا: "يا محمد، ما عرفت صغيرًا ولا كبيرًا بالغدر، تدخل بالسلاح في الحرم على قومك وقد شرطت لهم أن لا تدخل إلا بسلاح المسافر". فقال r: "إني لا أدخل عليهم بالسلاح، وقد بعثنا به إلى يأجج". فقال مكرز: "بهذا عرفناك بالبر والوفاء".

حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم

أخلاقه r في القرآن
تفضل الله تعالى على خليله محمد r بتوفيقه للاتصاف بمكارم الأخلاق، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، ثم أثنى عليه ونوَّه بذكر ما يتحلى به من جميل الصفات في آيات كثيرة من كتاب الله العزيز، أقتصر على إيراد بعضها، من ذلك قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].

فقد أخبر سبحانه في هذه الآية الكريمة عما كان عليه المصطفى من أخلاق فاضلة، ووصف خلقه r بأنه عظيم، وأكد ذلك بثلاثة أشياء: بالإقسام عليه بالقلم وما يسطرون، وتصديره بأن، وإدخال اللام على الخبر، وكلها من أدوات تأكيد الكلام.

وذلك الخلق العظيم الذي كان منه r، ورد تفسيره عن السلف الصالح بعبارات متقاربة؛ ففسره ابن عباس t بأن الدين العظيم وهو دين الإسلام، وبهذا التفسير فسره أيضًا مجاهد والسدي والربيع بن أنس والضحاك وغيرهم، وفسره الحسن بأنه آداب القرآن. وفي الصحيحين وغيرهما عن عائشة t أنها سئلت عن خلقه r، فقالت: (كان خلقه القرآن). ومعنى ذلك أن امتثال ما أمره الله به واجتناب ما نهاه عنه في القرآن، وصار له خلق وسجية، وقد أشارت عائشة -رضي الله عنها- إلى ما يوضح هذا المعنى في حديث آخر متفق على صحته، وهو أنها قالت: (كان رسول الله r يقول في ركوعه: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي. يتأول القرآن). أي: كان يدعو بهذا الدعاء؛ امتثالاً لما أمره الله به في سورة النصر في قوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ} [النصر: 3].

وقد نوه سبحانه بما جبل نبيه عليه r من الرحمة والرأفة بالمؤمنين، والحرص على ما ينفعهم في دينهم وأخراهم، والتألم من كل ما يشق عليهم بقوله سبحانه ممتنًا على المؤمنين بإرساله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]. وقال: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ والأغلالَ} [الأعراف: 157]. وقال: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} [الحجرات: 7].

وأشار سبحانه إلى ما اتصف به r من اللطف والرفق بأمته بقوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]. أما ما اتصف به r من النصح والأمانة والقيام بأداء الرسالة على الوجه الذي أراده الله، فقد ذكره سبحانه بقوله: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 1-4]. ويقول تعالى -يعني محمدًا r-: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} [التكوير: 24]. وفيها قراءتان: بالظاء والمراد به المتهم، وبالضاد والمراد به البخيل، وكلا هذين منفيٌّ عنه r، فليس هو متهم بكتمان ما أرسله الله به، وليس ببخيل بما أنزل الله عليه، بل يبذله لكل أحد.

أخلاقه r في سنته وأقوال صحابته

كان رسول الله r قبل أن يبعثه الله بالرسالة العظمى في الذروة العليا من الأخلاق الحسنة صدقًا وأمانة وكرمًا وحلمًا وشجاعة وعفة وقناعة، وغير ذلك من الصفات التي يحظى بالإجلال والإكبار من حصل على واحدة منها، فضلاً عمن جمعت له وتوفرت فيه.

ولما بعثه الله سبحانه بالنور والهدى إلى الثقلين الجن والإنس زاده الله قوة في هذه الخصال الحميدة إلى قوته حتى بلغ الحد الأعلى الذي يمكن أن يصل إليه إنسان مصدق رسول الله r، حيث قال: "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق". وقد نوه الله سبحانه بتفضله وامتنانه على نبيه وخليله محمد r في آيات كثيرة، كقوله تعالى: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113]. وقوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} [الشورى: 52، 53]. وقوله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} [الفتح: 1- 3].

وقد اختار سبحانه لنبيه r أصحابا هم خير هذه الأمة المحمدية التي هي خير الأمم، وقفوا حياتهم في سبيل تبليغ دعوته وحفظ سنته، تحقيقًا لقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]. ورثوا عن نبيهم r ما جاء به من الحق، ورثوه لمن جاء بعدهم حتى هيأ الله له رجالاً قاموا بتدوينه منهم، بل على رأسهم الإمامان الجليلان البخاري ومسلم وغيرهما من المحدثين، فقد أفنوا أعمارهم -جزاهم الله خير الجزاء- في تقييد تلك الدور الثمينة التي ورثوها عن نبيهم محمد r بواسطة السلاسل الذهبية المتصلة بأمثال مالك ونافع وشعبة وأحمد وعلي بن المديني، وغيرهم من خيار هذه الأمة، وهذه الدرر الثمينة التي توارثوها ونعم الإرث! هي تشمل أقواله صلى الله عليه سلم وأفعاله وتقريراته وبيان خلقه وأخلاقه؛ ولهذا يعرِّف المحدثون الحديث بأنه ما أضيف إلى النبي r من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خلقي أو خلقي.

ولقد اعتنى هؤلاء الورثة الكرام بتدوين ما جاءهم عن نبيهم r على سبيل العموم، وبما يتعلق بأخلاقه ومزاياه على سبيل الخصوص، فمنهم من أفرد ذلك بالتأليف، ومنهم من عقد له أبوابًا خاصة ضمن المؤلفات العامة، أورد فيها ما يتصل بخوفه r ورجائه وخشيته لربه، وجوده وكرمه وإيثاره وحياته ووفائه وصدقة وأمانته وإخلاصه وشكره وصبره وحلمه وكثرة احتماله، ورفقه بأمته وحرصه على التيسير عليها، وعفوه وشجاعته وتواضعه وعدله وزهده وقناعته، وصلته لرحمه، وكثرة تبسمه، وعفته وغيرته، إلى غير ذلك من آحاد حسن خلقه r.

تفصيل القول في أخلاقه r

وهذه الأخلاق التي أشرنا على بعض آحادها يحتاج تفصيلها وبسط القول فيها إلى عدة محاضرات. أما المحاضرة الواحدة فلا تكفي إلا للإشارة إلى بعض تلك الأخلاق والمزايا الحميدة التي أوتيها r، فأجدني مضطرًّا إلى الاقتضاب والإيجاز حسب الإمكان.

- جُوده وكرمه r:

وقد بلغ صلوات الله وسلامه عليه في خلق الجود والكرم مبلغًا لم يبلغه غيره، ووصل فيه إلى الغاية التي ينتهي عندها الكمال الإنساني. ومن توفيق الله له r أن جعل جوده يتضاعف في الأزمنة الفاضلة، يقول ابن عباس t في الحديث الصحيح: (كان رسول الله r أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله r أجود بالخير من الريح المرسلة).

جاد بنفسه في سبيل الله فكسرت رباعيته وشج وجهه وسال الدم منه صلوات الله وسلامه عليه. والجود بالنفس أقصى غاية الجود؛ وجاد بجاهه ومن أمثلة ذلك شفاعته r لمغيث زوج بريرة -رضي الله عنهما- لما عتقت واختارت فراقه، أشار عليها أن تبقى في عصمته رحمة منه r بزوجها مغيث.

وأخص الأمثلة في ذلك ما أخبر به r من شفاعته في أهل الموقف التي يتخلى عنها أولو العزم من الرسل فتنتهي إليه، فيقول r: "أنا لها". وقد صح عنه r أنه قال: "لكل نبي دعوة مستجابة قد دعا بها فاستجيب له، فجعلت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة".

وجاد r بما أعطاه الله من المال فما سئل r شيئًا من الدنيا قط فقال لا، ولقد جاءت إليه r امرأة ببردة منسوجة فقالت: نسجتها بيدي لأكسوكها. فأخذها r محتاجًا إليها ولبسها، فقال رجل من الصحابة: (أكسينها يا رسول الله). فقال r: "نعم". فدخل منزله فطواها وبعث بها إليه، فقال له بعض الصحابة: "ما أحسنت، لبسها رسول الله محتاجًا إليها ثم سألته وعلمت أنه لا يرد سائلاً". فقال: "إني والله ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون كفني". قال سهل بن سعد t: "فكانت كفنه".

هذا مثل من أمثال اتصافه r بهذا الخلق الكريم، فهل بعد هذا كرم يصدر من مخلوق؟ وهل وراء هذا الإيثار إيثار؟ ولقد وصف الله الأنصار في كتابه العزيز بصفة الإيثار في قوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9]. وهذه الصفة الكريمة التي اتصفوا بها أسوتهم فيها وفي غيرها من مكارم الأخلاق سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، يقول سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]. ولما رجع من حنين التف حوله الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة، فخطفت رداءه، فوقف النبي r وقال: "أعطوني ردائي، فلو كان لي عدد هذه العضاه نعمًا لقسمتها بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذابًا ولا جبانًا" .

وجوده r في العطاء لبعض الناس إنما هو لتأليفهم على الإسلام، فكثيرًا ما كان يخص حديثي العهد بالإسلام بوافر العطاء دون من تمكَّن الإيمان في نفوسهم؛ ففي غزوة حنين أعطى أكابر قريش المئات من الإبل ومنهم صفوان بن أمية، فقد روى مسلم في صحيحه أنه قال: "لقد أعطاني رسول الله r ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه من أحب الناس إلي". وروى أيضًا عن أنس t قال: "ما سئل رسول الله r على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا؛ فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر".

وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يلبث إلا يسيرًا حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها، أعطى رسول الله r ذلك الرجل تلك الغنم الكثيرة التي لكثرتها ملأت ما بين جبلين، وماذا كانت نتيجة هذا الإعطاء من رسول الله r؟ لقد كانت حصول الغرض الذي من أجله أعطاه، وهي أنه أصبح داعية لرسول الله r. لقد كان بدافع من نفسه رسولاً لرسول الله إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، ويبين لهم كرم رسول الله r، وأنه يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.

وهكذا كان رسول الله r يبذل المال في سبيل نصرة الإسلام، والدعوة إليه، والترغيب فيه، ينفق مال الله الذي آتاه في سبيل الله حتى توفاه الله ودرعه مرهونة في دَيْنٍ عليه، صلوات الله وسلامه عليه.

المصدر: موقع طريق القرآن.


[1]ابن الأثير في غريب الحديث.
[2] رواه البخاري.
Related Posts islamstory...

تعليقات القراء