الشعر في العصر الأموي

الشعر في العصر الأموياستمر الشعر العربي في تألقه في العصر الأموي، وقد ساعدت ظروف الحياة ومنجزات الدولة آنذاك على توسيع مجالات القول وإثراء اللغة فقد وجد الشعراء في تعداد الآراء السياسية وتباين الأحزاب والجماعات وإيمان القادة بدور الشعر وأهميته، وجدوا في ذلك كله سبيلاً إلى الاهتمام بأمور الدولة؛ فظهر الشعر السياسي الذي يُعَدُّ من أبرز ملامح التطور الشعري في العصر الأموي، ووجدوا مجالاً جديدًا للإبداع الفني في معارك الفتح ومواطن الظفر والنصر وساعات القتال والخوف، وكان الشعراء يواكبون هذه الحياة الثرية بمشاركتهم الفعلية أو إسهاماتهم الفنية.

ثم جاءت مظاهر الرفاهية التي وفدت على العالم الإسلامي مع اتساع مساحته ومشاركة غير العرب في نواحي نشاطه ووفرة الغنائم وكثرة الأموال، جاءت هذه الرفاهية لتهيج بلابل الشعر عند جماعة من الشعراء توهجت عواطفهم وتيسرت حياتهم، فأفرغوا جهودهم في شعر الغزل الصريح، يلقونه واثقين من عفتهم، وتَفَهُّم المجتمع الإسلامي لهم مع ما نالهم أحيانًا من سوء ظن وكدر صفو.. بينما أطلق آخرون لأنفسهم الخيال وراء غزل عفيف يتغنون به، وينسجون حوله القصص والخيالات عن عشاق عشقوا وماتوا ضحايا الهوى مخلصين لمن أحبوا.

والأمويون شريحة من ذلك المجتمع النابض بالحياة، ولكنها شريحة فعالة ومؤثرة، وهم الحاكمون الموجهون دولاب النشاط السياسي والاجتماعي في ذلك العصر، ونحن نرصد بعض إسهاماتهم في تقدم مسيرة الشعر العربي الذي حظي دائمًا في هذه الفترة بالرعاية والاهتمام.

علاقة الأمويين بالشعراء

لقد أدرك الأمويون أهمية الشعراء في الدعاية السياسية لهم إزاء الأحزاب السياسية الأخرى، وأهميتهم في إبراز منجزات الدولة ودحض حجج الخصوم؛ ولذلك فقد جمعوا حولهم جماعة من أكابر الشعراء في ذلك العصر، منهم من اختص بهم وانقطع إليهم، ومنهم من مدحهم بين الحين والآخر، وكان ذلك دأب ولاتهم أيضًا. وبعض هؤلاء الشعراء ظل على ولائه لبني أمية حتى في أيام محنتهم أو تسلط خصومهم، كأبي صخر الهذلي الذي عانى اضطهاد ابن الزبير t له وسجنه إياه، وكذلك أبي العباس الأعمى الذي نفاه ابن الزبير t إلى الطائف، ثم لم يزحزحه ذلك عن ولائه للأمويين، حتى إذا جاء سلطان بني العباس عرفوا ذلك فيه فتنكروا له، وكذلك فعل العباسيون مع أبي عطاء السندي لعلمهم بميله إلى بني أمية، حتى هجاهم وأنشد شعرًا يترحم فيه على أيام الأموين وعزهم.

وَوُجِدَ بالمثل شعراء آخرون منحرفون عن الأمويين منحازون لأعدائهم، وكم لاقى الأمويون من لسانهم وقولهم، فإذا انهزمت أحزابهم وأتوا إلى الأمويين من جديد عرفوا لهم قدرهم وخطرهم، فغفروا لهم. وكان هناك فريق آخر من الشعراء الذين لا ينتمون إلى حزب بعينه، فإذا لم يعجبهم من أحد شيئًا سلقوه بألسنة حداد، كما فعل يزيد بن مفرغ الحميري مع ابن زياد حيث هجاه هجاءً مقذعًا، فلما خاف تبعة عمله استجار بمعاوية t، فأجاره ثم صفح عنه ابن زياد. وكذلك صفح الحجاج عن العديل بن الفرخ، وتناسى هجاءه إياه واستهانته بوعيده. وكان ابن قيس الرقيات شاعر الزبيريين محاربًا في صفوفهم مع مصعب بن الزبير، فلما انتصر عليه عبد الملك عفا عن الشاعر ونال مدائحه. وبالمثل فعل هشام بن عبد الملك مع الكميت بن زيد شاعر الشيعة بعد أن كان أمر بالتنكيل به وسجنه لما أسرف في هجاء بني أمية، ثم عفا عنه في النهاية، والأمثلة على ذلك كثيرة.

وبصورة عامة فإن حلم الأمويين قد امتد ليشمل كثيرًا من الشعراء المعارضين، اللهم إلا في حالات قليلة كان فيها الشاعر خارجًا عن الجماعة محاربًا للدولة، مثلما حدث مع أعشى همدان الذي اشترك في ثورة ابن الأشعث، فقتله الحجاج.

وهكذا استطاع الأمويون تجميع كثير من هذه الألسنة الحداد، وجعلها خادمة لأهدافهم ورؤيتهم وساعدهم على ذلك ثراؤهم، وظنوا أن إعطاء هؤلاء من بيت المال ليس حرامًا؛ إذ إنهم يدعون إلى تمكين سلطان الإمام وحرب الخارجين عليه، وتمجيد منجزات الدولة، فهم بمنزلة جهاز إعلامي خطير لا بد من وجوده، ولا ضير من معاونته وتقويته.

اهتمام الأمويين بالدور الاجتماعي والتربوي للشعر

ومن ناحية أخرى كان الأمويون تواقين للشعر، مدركين أهميته ودوره الاجتماعي بغَضِّ النظر عن نفعه السياسي. فقد كتب معاوية t إلى زياد أن أوفد إليَّ ابنك، فلما قدم عليه لم يسأله عن شيء إلا نفذ منه، حتى سأله عن الشعر فلم يعرف منه شيئًا، فقال له: ما منعك من تعلُّم الشعر؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إني كرهت أن أجمع في صدري كلام الرحمن مع كلام الشيطان. فقال معاوية t: اُغْرُب، فو اللهِ ما منعني من الفرار يوم صفِّين إلا قول ابن الأطنابة حيث قال:

أبت لي عفتي وأبى بـلائـي *** وأخذي الحمد بالثمن الربيحِ

وإعطائي على الإعـدام مالي *** وإقدامي على البطل المشيـحِ

وقولي كلما جشأت وجاشت *** مكانك تحمدي أو تستريحي

ثم كتب إلى أبيه أن رَوِّه الشعر، فَرَوَّاه حتى كان لا يسقط عنه شيء منه.

وروى ابن عساكر بإسناده إلى أبي العباس أحمد بن يحيى بن تغلب قال: قال معاوية t لعبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص: قد رأيتك تعجب بالشعر (وكان عبد الرحمن شاعرًا)، فإذا فعلت فإياك والتشبيب بالنساء فتُعِرَّ الشريفة، وترمي العفيفة، وتقدر على نفسك بالفضيحة، وإياك والهجاء فإنك تحنق به كريمًا وتستثير به ليئمًا، وإياك والمدح الوقاح وطعمة السؤال، ولكن افْخَر بمفاخر قومك، وقُلْ من الأمثال ما تُزيِّن به نفسك وشِعْرَك، وتؤدب به غيرك.

تذوق الأمويين للشعر وعنايتهم بتدوينه

كان عبد الملك بن مروان خبيرًا بالشعر ناقدًا له، وقد أحس أن مدح بعض الشعراء له جافٍ يصدر عن عاطفة باردة فقال: تشبهوننا مرة بالأسد الأبخر، ومرة بالجبل الأوعر، ومرة بالبحر الأجاج، ألا قلتم فينا كما قال أيمن بن خريم في بني هاشم:

نهاركم مكابدة وصوم *** وليلكم صـلاة واقتـراء

إلى آخر الأبيات...

وعندما وفد عليه ذو الرمة ومدحه بقصيدة أطال فيها وصف الناقة، ولم يذكر الخليفة إلا في بيتين اثنين قال له عبد الملك: ما مدحت بهذه القصيدة إلا ناقتك؛ فخذ منها الثواب.

بل كان عبد الملك بن مروان يختبر رعيته في الشعر، ويحزنه تضييع بعضهم له؛ فقد رووا أنه كان مُعجَبًا بشعر عبد الله بن جحش فكتب إليه بالقدوم، فورد كتابه وقد مات فجاءه ابنه يرجو ثوابه، فلما سأله عن بعض شعر أبيه لم يعرف فقال: أُفٍّ لك، ورحم اللهُ أباك، فقد ضيعت أدبه، وعققته إذ لم تروِ شعره، اخرج فلا شيء لك عندي.

وعندما قدمت عليه قبيلة عدوان تقدمهم رجل وسيم عفيف، وكان فيهم معبد بن خالد الجدلي، وكان دميمًا فتأخر فيهم؛ فأنشد عبد الملك بعض أبيات ذي الأصبع العدواني وسأل عنها الرجل الوسيم فلم يجد جوابًا، وكان معبد يجيب في كل مرة، فأنقص عطاء الجميل من سبعمائة إلى ثلاثمائة، وزاد عطاء معبد من ثلاثمائة إلى سبعمائة.

وهكذا كان كثير من خلفاء بني أمية يطرب للشعر ويجزي عليه، وكان هذا دأب أمرائهم، حتى لقد أوصى مسلمة بن عبد الملك بثلث ماله لأهل الأدب وقال: "إنها صنعة جُحِفَ بأهلها".

بل كان بعضهم شعراء معروفين بجودة شعرهم، مثل: يزيد بن معاوية، والوليد بن يزيد من الخلفاء، وعبد الرحمن بن الحكم من الأمراء.

ومن الجدير بالذكر هنا أن اهتمام الأمويين بالشعر لم يقتصر على هذه الجوانب المتعددة بل امتد أيضًا إلى محاولة جمعه وتدوينه، حيث كلف الوليد بن عبد الملك حمادًا الراوية بجمع الشعر الجاهلي في ديوان.

ويتضح لنا أن سوق الشعر في ذلك العصر كانت مزدهرة؛ حيث اهتم خلفاء بني أمية بالشعراء نتيجة حبهم للشعر، ولقد كان الاهتمام بالشعر ناتجًا من كونه الأداة الإعلامية الأولى للترويج لأفكار بني أمية وسياستهم.

Related Posts islamstory...

تعليقات القراء