عبد الله عزام

مولده ومعيشته

ولد العالم المجاهد والشيخ الشهيد في عام1360هـ/ 1941م في بلدة سيلة الحارثية، من أعمال جنين بفلسطين،وتلقى علومه الابتدائية والإعدادية في مدرسة القرية، وأكمل دراسته في خضورية الزراعية في مدينة طولكرم، وقد كان ملازمًا لتلاوة القرآن الكريم، كما كان ملازمًا لمسجد القرية[1].

طفولته ونشأته

تنقل عبد الله عزام مجاهدًا ومتعلمًا ومعلمًا بين فلسطين والأردن ومصر وباكستان، ليستقر -بعد ذلك- في أفغانستان محاربًا للروس، ليلقى ربه شهيدًا بعد حياة حافلة بالجهاد والعطاء.

تنقل عبد الله عزام وهو طفل بين مرابع القرية، وكان يرى أمام ناظريه سهول مرج ابن عامر الذي اغتصبه اليهود عبر المؤامرات الدولية، فأخذ يهيئ نفسه ويعدها إعدادًا إيمانيًا، فكان منذ صغره محافظًا على الصلوات، دائبًا على تلاوة القرآن، كما كان ملازمًا لمسجد القرية.

عاش عبد الله عزام منذ يفاعته في سيلة الحارثية مع الأستاذ شفيق أسعد، الذي كان يتولى رعاية مجموعة من أبناء القرية، يربيهم على أخلاق وأفكار ومبادئ دعوة الإخوان المسلمين، فكان الشيخ عبد الله عزام في أوائل الدعاة في القرية.

كما تعرف الشيخ عبد الله في مدينة جنين على الداعية المربي الشيخ فريز جرار، الذي كان هو والأستاذ شفيق اسعد من أنشط الدعاة في تلك الفترة تربية للشباب، وأكثرهم عقدًا للندوات والمحاضرات في مركز الجماعة في مدينة جنين

وأخذ عبد الله عزام يكثر من زيارة مركز الجماعة ويحضر الندوات واللقاءات التي كان يشرف عليها الشيخ فريز جرار، حتى أصبح من أكثر الشباب نشاطًا ومشاركة في هذه اللقاءات، وأخذ يكثر من الجلوس إلى الشيخ فريز ويصحبه في أكثر الجولات. بعد حصوله على شهادة (خضوري) الزراعية تم تعيينه معلمًا في قرية أدر بمنطقة الكرك جنوب الأردن، وبقي فيها سنة واحدة، حيث نقل إلى مدرسة برقين الإعدادية بالقرب من مدينة جنين.

سكن عبد الله مع أخوين له في الدعوة غرفة في دار الجماعة، فكانت له فرصة طيبة لممارسة ألوان متعددة من النشاط الفكري والتربوي والرياضي... كما كان كثير المطالعة لكتب الدعوة وخاصة كتب الإمام حسن البنا وعبد القادر عودة وسيد قطب ومحمد قطب.

وبعد عام 1967م، وسقوط الضفة الغربية وقطاع غزة في أيدي اليهود، دخل اليهود سيلة الحارثية، وحاول عبد الله عزام مع مجموعة من الشباب من أهل القرية الوقوف في وجه الدبابات الصهيونية، فنصحهم أهل القرية بالتريث لأنه ليس بمقدورهم ذلك.

فخرج عبد الله عزام مشيًا على الأقدام مع غيره من أهل القرية إلى الأردن، ولكن خروج عبد الله عزام من بلده ما زاده إلا عزمًا وتصميمًا على الجهاد في سبيل الله، فبدأت فكرة التدريب على السلاح للوقوف في وجه اليهود تلح عليه. وكان الشيخ عبد الله عزام من أوائل التشكيلات الإسلامية التي انضوت مع حركة فتح للتدريب على الجهاد. قرن الشيخ عبد الله عزام جهاده وتدريبه بانتسابه إلى جامعة الأزهر في مصر لدراسة الماجستير في أصول الفقه.

حصل الشيخ على الماجستير في عام 1969م. وقد اشترك الشيخ في تلك الفترة بعدة عمليات جهادية كان أشهرها معركة الحزام الأخضر عام 1969م، ومعركة 5 حزيران سنة 1970م. وقد تكبد اليهود في هذه المعارك أعدادًا كبيرة من القتلى، إلا أن شباب الحركة الإسلامية لم يحاولوا أن ينسبوا هذه العمليات إليهم؛ لأنهم يجاهدون في سبيل الله لا من أجل اكتساب شعبية أو الحصول على الثناء.

وفي عام 1971م ذهب الشيخ عبد الله إلى مصر لتحصيل درجة الدكتوراه، وحصل عليها في عام 1973م.

في مصر وجد الشيخ لنفسه مهمة جهادية أخرى هي مد يد المساعدة لأسر المعتقلين من الإخوان على الرغم من مضايقة المخابرات المصرية له.

ولما عاد الشيخ عبد الله عزام إلى الأردن عمل مسئولاً لقسم الإعلام بوزارة الأوقاف، فكان له الفضل في تنشيط المساجد والوعاظ حيث طعم القسم بطاقات شابة قادرة على الدعوة، وأصدر نشرات لنشر الوعي الإسلامي. ثم عمل مدرسًا وأستاذًا بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية مدة سبعة أعوام من عام 1973- 1980م، عمل فيها في مجال الدعوة والتدريس، وكان متميزًا بطريقته وأسلوبه في الدعوة إلى الله، ولذلك كان كثير من الشباب خارج الجامعة يحرصون على حضور محاضراته، وكان له الفضل في فصل البنات عن البنين في المحاضرات.

أخلاقيات عبد الله عزام

يقول حذيفة عبد الله عزام في حوار أجرته معه قناة العربية متحدثًا عن أخلاقيات والده: "لقد بدأت مسيرته الجهادية من حين انتقل من السيرة الحارثية إلى الأراضي الأردنية، فأسسوا لهم معسكرات وقواعد في الأغوار في الأردن، وانظر إلى النهج المختلف عن نهج منظمة التحرير الفلسطينية الذين كان أحدهم يطلق النار من الأراضي الأردنية، فترد القوات الإسرائيلية بإبادة قسم كبير من الناس والمدنيين العزل الذين لا ذنب لهم ولا حول لهم ولا قوة، كان والدي -رحمه الله- يرفض أن تطلق رصاصة واحدة من الأراضي الأردنية فكل عملياتهم بشهادة الجيش الأردني كانت من وراء النهر، كانوا يعبرون النهر ثم يقومون بعملياتهم داخل أرض المعركة لتجنيب الناس وتجنيب المدنيين وتجنيب أهالي القرى في الأغوار ويلات هذه الحرب؛ لأنهم لا ذنب لهم ليدفعوا ثمن هذه الحرب؛ هذا أولاً.

ثانيًا حقنًا لدماء الأبرياء، ولذلك كان الجيش الأردني -ووالدي قد ذكر هذا في كتابه "فلسطين من القلب إلى القلب حتى لا تضيع فلسطين وإلى الأبد"- قال: كانوا يحترموننا أيما احترام بينما لم يكونوا يحترمون ما كان يُطلَق عليهم شباب الفصائل الأخرى لأنهم بين قوسين "زعران"؛ لأنهم آذوا الناس، آذوا أهالي القرى، آذوا العزل وبعضهم كان يقطع الطريق، بعضهم كان يسرق أموال الناس، بينما كانوا وهم متوجهون إلى عملياتهم حين توقفهم نقاط التفتيش نقاط الجيش الأردني كانوا يؤدون لهم التحية، ويقولون: أما أنتم الشيوخ فعلى رءوسنا لأننا نعرف أنكم صادقون، أنكم مخلصون، وأنكم لا تنوون أن تلحقوا الأذى بأحد، سواء بالنظام في الأردن ولا أيضًا بالناس الذين كما ذكرنا لا ذنب لهم ليدفعوا ثمن هذه الحرب"[2].

أهم المعارك التي شارك فيها

معارك شارك فيها عبد الله عزام نحيا مع علم من أعلام الجهاد شهدت له أرض فلسطين كما شهدت له أرض أفغانستان، لم يتوقف جهاده على حمل البندقية فقط، بل طاف بلاد العالم مجاهدًا بلسانه؛ ليذكر المسلمين بهذه الفريضة الغائبة.. إنه الشهيد عبد الله عزام.

اشترك الشيخ في بعض العمليات على أرض فلسطين كان من أهمها: معركة المشروع أو الحزام الأخضر التي خاضها الشهيد مع اخوانه والتي يجرح فيها أبو مصعب السوري وقد حصلت هذه المعركة في منطقة الغور الشمالي ثانيا: معركة 5 حزيران 1970م، وقد اشترك فيها ستة من المجاهدين كان من بينهم أبو إسماعيل (مهدي الأدلبي) الحموي، وإبراهيم (بن بلة)، وبلال الفلسطيني في أرض مكشوفة تصدوا لدبابتين وكاسحة ألغام، وكان موشيه دايان وزير الدفاع اليهودي قد أرسل مراسلاً كنديًّا وآخر أمريكيًّا ليطوف بهم على الحدود، ويريهم أن العمل الفدائي قد انتهي، وإذا بجند الله يخرجون لهم كالجن المؤمن من باطن الأرض، وانهالت القذائف وجرح الصحفيان، واعترف اليهود باثني عشر قتيلاً من الجنود والضباط، ولكن قتلى الأعداء كانوا أكثر من هذا بكثير.

وقد استشهد ثلاثة من الأخوان في هذه المعركة لكن ما جرى في أيلول 1970م حال دون مواصلة الشيخ الشهيد وإخوانه الجهاد على أرض فلسطين، وأغلقت الحدود، ولم يتمكن هؤلاء المجاهدون من مواصلة جهادهم على أرض فلسطين، وإلاًَّ لأذاقوا اليهود ويلات المعارك التي كانوا يصلون بها اليهود جهارًا نهارًا[3].

جهاده

كان للشيخ عبد الله عزام دور كبير في مسيرة الجهاد في أفغانستان؛ فقد كان حلقة وصل بين المجاهدين الأفغان والمؤيدين لهم في البلدان العربية، كما أشرف على عمليات واسعة لتقديم الخدمات والمساعدات المختلفة من تعليمية وصحية وعسكرية للمهاجرين، والمجاهدين الأفغان وأولادهم، وأسس مجلة رسالة الجهاد لتكون منبرًا إعلاميًّا شهريًّا لنشرة أخبار الجهاد، وكذلك نشرة لهيب المعركة وهي أسبوعية تتناول آخر الأحداث المستجدة على الساحة الأفغانية.

خريطة أفغانستان وقد خاض الشيخ معارك كثيرة ضد الروس كان من أشدها وأشرسها معركة جاجي في شهر رمضان المبارك عام 1408هـ- 1987م، وكان في معيته عدد من المجاهدين العرب الذين أبلوا البلاء أحسن وسقط منهم شهداء في سبيل الله، وقد تولى الدكتور عزام منصب أمير مكتب خدمات المجاهدين في أفغانستان،وكان موضع الثقة والاحترام من قادة الجهاد الأفغاني، كما كان محبوبًا من الشباب الذين ذهبوا من مختلف الديار العربية والإسلامية للجهاد في أفغانستان[4].

كلمات الشهيد

1- إن مقادير الرجال تبرز في ميادين النزال لا على منابر الأقوال.

2- إن الجهاد هو الضمان الوحيد لصلاح الأرض وحفظ الشعائر.

3- إن حياة الجهاد ألذ حياة، ومكابدة مع الشظف أجمل من التقلب بين أعطاف النعيم.

4- إن أرض الجهاد لتصقل الروح، وتصفي القلب، وتقلب كثيرًا من الموازين.

5- أيها المسلمون، إن حياتكم الجهاد وعزمكم الجهاد، ووجودكم مرتبط ارتباطًا مصيريًّا بالجهاد.

6- إن التبرير للنفس بالقعود عن النفير في سبيل الله لهو ولعب.

7- إن الذين يظنون أن دين الله يمكن أن ينتصر دون جهاد وقتال ودماء وأشلاء، هؤلاء واهمون لا يدركون طبيعة هذا الدين[5].

وصية الشهيد عبد الله عزام

"لقد ملك حبُّ الجهاد عليَّ حياتي ونفسي ومشاعري وقلبي وأحاسيسي، إنَّ سورة التوبة بآياتها المحكمة التي مَثَّلث الشِّرْعَةَ النهائية للجهاد في هذا الدين وإلى يوم الدين لتعتصر قلبي ألمًا، وتُمزِّق نفسي أسًى وأنا أرى تقصيري وتقصير المسلمين أجمعين تجاه القتال في سبيل الله.

إنَّ التعلَّل بالآمال دون الإعداد لَهْوَ شأن النفوس الصغيرة التي لا تطمح أن تصل إلى القمم، ولا أن ترقى إلى الذُّرا

وإذا كانت النفوس كبـارًا *** تعبت في مرادها الأجسام

يا أيها المسلمون، حياتكم الجهاد، وعِزُّكم الجهاد، ووجودكم مرتبط ارتباطًا مصيريًا بالجهاد.

يا أيُّها الدعاة، لا قيمة لكم تحت الشمس إلا إذا امتشقتم أسلحتكم، وأبدتم خضراء الطواغيت والكفار الظالمين.

إنَّ الذين يظنون أنَّ دين الله يمكن أن ينتصر بدون جهاد وقتال ودماء وأشلاء هؤلاء واهمون، لا يدركون طبيعة هذا الدين.

إنَّ هيبة الدعاة وشوكة الدعوة وعزة المسلمين لن تكون بدون قتال: "ولينزعَنَّ الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم، وليقذفنَّ في قلوبكم الوهن. قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حبّ الدنيا وكراهية الموت". وفي رواية: "وكراهية القتال".

{فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً[النساء: 84].

إنَّ الشرك سيعمُّ ويسود بدون قتال {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ[الأنفال: 39]، والفتنة هي الشرك.

إنّ الجهاد هو الضمان الوحيد لصلاح الأرض {ولَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ[البقرة: 251].

إنَّ الجهاد هو الضمان الوحيد لحفظ الشعائر، وبيوت العبادة {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا[الحج: 40].

يا دعاة الإسلام، احرصوا على الموت توهب لكم الحياة، ولا تغرنَّكم الأماني، ولا يغرنَّكم بالله الغرور، وإيَّاكم أن تخدعوا أنفسكم بكتب تقرأونها، وبنوافل تزاولونها، ولا يحملنكم الانشغال بالأمور المريحة عن الأمور العظيمة، {وَتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ... } [الأنفال: 7].

لا تطيعوا أحدًا في الجهاد، لا إذن لقائد في النفير إلى الجهاد، إنَّ الجهاد قوام دعوتكم، وحصن دينكم، وترس شريعتكم.

يا علماء الإسلام، تقدموا لقيادة هذا الجيل الراجع إلى ربِّه، ولا تَنْكلوا، وتركنوا إلى الدنيا، وإيَّاكم وموائد الطواغيت، فإنَّها تظلم القلوب، وتميت الأفئدة، وتحجزكم عن الجيل، وتحول بين قلوبهم وبينكم.

يا أيها المسلمون، لقد طال رقادكم واستنسر البغاة في أرضكم، وما أجمل أبيات الشاعر:

طال المنام على الهوان *** فأين زمجرة الأسـود

واستنسرت عصب البغاة *** ونحن في ذل العبيـد

قيد العبيد من الخنوع *** وليس من زرد الحديـد

فمتى نثور على القيود *** متى نثور على القيـود

يا معشر النساء، إياكن والترف؛ لأنَّ الترف عدو الجهاد، والترف تلف للنفوس البشرية، واحذرن الكماليات، واكتفين بالضروريات، وربين أبناءكنَّ على الخشونة والرجولة، وعلى البطولة والجهاد. لِتَكُنْ بيوتكن عَرِينًا لأسود، وليس مزرعة للدجاج الذي يُسَمَّنُ ليذبحه الطغاة، اغرسن في أبنائكن حبَّ الجهاد، وميادين الفروسية، وساحات الوغى، وعِشْنَ مشاكل المسلمين، وحاولن أن تكُنَّ يومًا في الأسبوع على الأقل في حياة تشبه حياة المهاجرين والمجاهدين، حيث الخبز الجاف، ولا يتعدى الإدام جرعات من الشاي.

يا أيها الأطفال، تربوا على نغمات القذائف، ودويِّ المدافع، وأزيز الطائرات، وهدير الدبابات. وإيَّاكم وأنغام الناعمين، وموسيقى المترفين، وفراش المتخمين.

أمَّا أنتِ أيتها الزوجة، ففي النفس الكثير والكثير أريد أنْ أبثه إليك يا أمَّ محمد، جزاك الله عني وعن المسلمين خير الجزاء، لقد صبرتِ معي طويلاً على لأواء الطريق، وتجرعت معي كئوس الحياة حلوها ومرَّها، وكنتِ خير عون لي على أن أنطلق في هذه المسيرة المباركة، وأن أعمل في ميدان الجهاد.. لقد تركت على كاهلك البيت سنة 1969م أيام كان لدينا طفلتان وولد صغير، فعشتِ في غرفة واحدة من الطين، لا مطبخ لها ولا منافع، وتركتُ على عاتقك البيت يوم أن ثقل الحِمْل، وزادت العائلة، وكبر الأولاد، وكثرتْ معارفنا، وزاد ضيوفنا، فاحتملت لله، ثم من أجلي القليل والكثير فجزاك الله عني خير الجزاء، ولولا الله، ثم صبرك علي غيابنا الطويل عن البيت ما استطعت أن أحتمل هذا العبء الثقيل وحدي.

لقد عرفتك زاهدة في حياتك، لم تشتكي أيام الشدة من قلة ذات اليد، ولم تترفي، ولم تبطري أيام أن فُتِح علينا قليل من الدنيا، ولم تكن الدنيا في قلبك، بل كانت معظم الوقت في يدك.

إنّ حياة الجهاد ألُّذ حياة، ومكابدة الصبر على الشطف أجمل من التقلب بين أعطاف النعيم وجوانب الترف، الزمي الزهد يحبك الله، وازهدي بما في أيدي الناس يحبُّك الناس.

القرآن هو متعة العمر وأنس الحياة، والقيام وصيام النافلة والاستغفار في الأسحار يجعل للقلب شفافية، وللعبادة حلاوة، وصحبة الطيبات، وعدم التوسع في الدنيا، والبعد عن المظاهر، وعن أهل الدنيا راحة القلوب. وآمل من الله أن يجمعنا في الفردوس جمعنا في الدنيا.

وأما أنتم يا أبنائي، إنَّكم لم تَحْظَوْا من وقتي إلاَّ بالقليل، ولم ينلكم من تربيتي إلا اليسير.

نعم، لقد شغلت عنكم، ولكن ماذا اصنع ومصائب المسلمين تذهل المرضعة عن رضيعها، والأهوال التي أَلمَّتْ بالأمة الإسلامية تشيب نواصي الأطفال.

والله ما أطقت أن أعيش في قفصي معكم كما تعيش الدجاجة مع فراخها، لم أستطع أن أحيا بارد النفس ونار المحنة تحرق قلوب المسلمين، لم أرض أن أبقي بينكم طيلة وقتي وأحوال المسلمين تمزِّق كلَّ من له قلب أو بقية من لب.

ليس من المروءة أن أعيش بينكم أتقلب بين أعطاف النعيم، توضع لي صحفة، وترفع صحفة، بين أطباق اللحوم وأنواع الحلويات.

والله لقد كنت في حياتي أمقت الترف، سواء كان ذلك في ثياب أو طعام أو مسكن، وحاولت أن أرفعكم ما استطعت إلى مقام الزاهدين، وأبعدكم عن مستنفع المترفين.

أوصيكم بعقيدة السلف (أهل السنة والجماعة)، وإياكم والتنطع.

أوصيكم بالقرآن تلاوةً وحفظًا، وبحفظ اللسان، وبالقيام والصيام وبالصحبة الطيبة، وبالعمل مع الحركة الإسلامية، ولكن اعلموا أنّه ليس لأمير الحركة أي سلطة عليكم بحيث يمنعكم من الجهاد، أو يزين لكم البقاء للدعوة بعيدًا عن مصانع الرجولة، وميادين الفروسية، لا تأخذوا إذن أحد للجهاد في سبيل الله، ارموا واركبوا، ولأن ترموا أحبَّ إليَّ من أن تركبوا.

أوصيكم يا أبنائي بطاعة أمكم، واحترام أخواتكم (أم الحسن وأم يحيى). وأوصيكم بالعلم النافع الشرعي، وأوصيكم بطاعة أخيكم الكبير "محمد" واحترامه، وأوصيكم بالمحبة فيما بينكم، وبروا جدَّكم وجدَّتكم، وأكرموهما كثيرًا، وبروا عمتيكم (أم فايز وأم محمد) فلهما بعد الله فضل كبير عليَّ، صِلُوا أرْحامنا، وبروا أهلنا، وأوفوا بحقِّ صحبتنا لمن صاحبنا وسبحانك الله وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك...".

الشهيد القائد عبد الله عزام رحمه الله

أوضحت هذه الوصية مكان الجهاد في قلب الشيخ عبد الله عزام، فقد عاش رحمه الله مجاهدًا صابرًا محتسبًا إلى أن لقي الله شهيدًا[6].

استشهاده

لقد دبّر أعداء الله لقتله، فاستشهد مع اثنين من أبنائه (محمد وإبراهيم) في 26 من ربيع الآخر 1410هـ/ 1989م بينما كانوا متوجهين لتأدية صلاة الجمعة. وقد دُفِن الشهيد في يوم استشهاده، وشمّ المشيعون رائحة المسك التي انبعثت من دمه الزكي، كما لوحظ أن جسده قد حُفِظَ من التشويه على الرغم من أن الانفجار نتج عن (20 كغ من الـ تي.إن.تي)، وتناثرت أجزاء السيارة في الهواء.

ترك -رحمه الله- العديد من الآثار من مؤلفات ومحاضرات ومقالات في الجرائد والمجلات، وخطب جمعة، إضافةً إلى عدد من الكتب المطبوعة.

رحم الله الشيخ الشهيد عبد الله عزام، دعا فصدق، وجاهد فاستُشهد، اللهم احشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. اللهم آمين.

قالوا عنه

لقد أثنى العلماء على الشيخ الشهيد عبد الله عزام، وتكلموا عنه وعن جهاده ضد اليهود في فلسطين ثم جهاده في أفغانستان، فقالت عنه حركة حماس: "لئن كان استشهاد الشيخ عبد الله قريبًا من أرض الجهاد في أفغانستان المسلمة، وليس على أرض الإسراء في فلسطين التي أحبها، وجاهد لتحريرها حتى تيسر أمر الجهاد، فإن ذلك عائد إلى الحصار الذي يعاني منه المجاهدون خارج فلسطين للحيلولة بينهم وبين أعداء الله من بني يهود من جهة أخرى، ولقد عرفت أرض الإسراء الشيخ عزام مجاهدًا صادقًا في قواعد الشيوخ في غوار الأردن أعوام 1968- 1969- 1970م، وقد استشهد الشيخ ونفسه تهفو إلى الجهاد في فلسطين التي بقي معها ومع مجاهديها بقلبه ولسانه وقلمه".

ويقول عنه الأستاذ حيدر مصطفى: "عندما يتكلم عزام فإنه يظهر على بطبيعة قوية كطبيعة الموج في المد المرتفع، فليس في داخله إلا قلب غير هياب، إن قانون هو الثبات والإستقرار والتوازن والقصد، يجتهد أن يحكم على نفسه، ولا يعبأ بأحكام الدنيا، ويقينه أن اللذة ليست في الراحة والفراغ، وإنما في مواصلة الجهاد وإقامة دين الله على الأرض في التعب والكدح والمشقة.

ضَـرْبٍ مَضى ألْجَمَ الأهواءَ فانتصرا *** لله درّك عـبـد الله مــن رجـلٍ

وخُـضْـت لُجّةَ من لم يعرف الحَذَرا *** شَـمَّـرت عـن عـزمة لله صادقة

وفـي السُّفـوح هوى ما زال منتظرا *** عـلى ذرا هِنْدكوشٍ لهفةٌ خَفَقــت

إلى ذراهـا وتلـقى شوقها النضرا *** تَطـلَّعتْ كـي تـرى الأبطال صاعدة

وثـبـًا يـسابق منها الأنجم الزُّهُرا *** لـكـنّها ذهـلت مشـدوهـة ورأت

قصيدة (جلال الموت) رثاء الشيخ عبد الله عزام وولديه، بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي.

لم يكن عبد الله عزام مجاهدًا بسيفه فقط، بل جاهد بقلمه فقد خلف قرابة العشرين كتابًا، منها: آيات الرحمن في جهاد الأفغان، الإسلام ومستقبل البشرية، الحق بالقافلة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حكم العمل في جماعة، حماس الجذور التاريخية والميثاق، الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان، بشائر النصر المنارة المفقودة، جريمة قتل النفس المؤمنة، كلمات على خط النار[7].


[1] موسوعة شهداء الحركة الإسلامية في العصر الحديث جـ1.

[2] انظر: موقع العربية.

[3] انظر: شبكة فلسطين للحوار.

[4] موسوعة شهداء الحركة الإسلامية في العصر الحديث جـ1.

[6] انظر: شبكة فلسطين للحوار.

[7] موسوعة الشهداء في العصر الحديث جـ1.

Related Posts islamstory...

تعليقات القراء