الفتنة الطائفية في مصر .. الجذور الواقع المستقبل

الفتنة الطائفية في مصرتناول فضيلة الدكتور راغب السرجاني في هذا الدرس موضوع الفتنة الطائفية، فأوضح أن إيمان كل إنسان بعقيدته راسخ في نفسه، ولا يمكن له أن يغيره لمجرد أن غيره لا تعجبه هذه العقيدة؛ لذا فأشد الحروب دموية هي الحروب التي تنشب بسبب العقيدة، خاصة لو كانت داخل دولة واحدة.

وأوضح فضيلته أن المسلمين وعقلاء النصارى في مصر فهموا هذه القضية؛ لذا لم تحدث فتنة طائفية أو حروب أهلية دينية منذ الفتح الإسلامي حتى وصول الحملة الفرنسية على مصر.

وذكر فضيلته أن بدايات الفتنة الطائفية في مصر كانت عند دخول الحملة الفرنسية؛ إذ تعاون أحد التجار المسيحيين واسمه المعلم يعقوب بن حنا مع الحملة الفرنسية، وقام بتشكيل قوة عسكرية من مسيحيي مصر قوامها ألفا جندي، وشارك في قتل المصريين، وقمع ثورات التحرير. ورغم هذه الخيانة، فإن الخلافة العثمانية بعد جلاء الحملة الفرنسية قامت بالعفو عن الخونة الذين قاتلوا المصريين؛ وذلك بهدف احتواء ما يمكن أن يحدث من فتنة طائفية لو تم القصاص من ألفي مسيحي.

وبعد جلاء الحملة الفرنسية وضعت إنجلترا عينها على احتلال مصر؛ لذا دبرت حادث العربجي والمالطي الشهير في التاريخ؛ ليتطور الأمر من شجار على أجرة توصيل إلى قيام المالطي بقتل المصري، وحدوث اشتباكات بين المصريين والأجانب. وهنا تدخلت إنجلترا بحجة حماية الأجانب، وقامت باحتلال مصر لمدة سبعين سنة، وحاولت خلالها إثارة الفتنة الطائفية، ولكن الشعب المصري تنبَّه لمؤامرتهم، وفوَّت الفرصة عليهم.

ونبَّه الدكتور راغب السرجاني إلى أن بداية وجود الفتنة الطائفية بمصر ظهر مع وصول البابا شنودة لكرسي البابوية؛ لأنه معروف بتطرفه منذ شبابه؛ حيث سعى لإنشاء تنظيم مسيحي سري يسمى الأمة القبطية، وكان من أهدافه إنشاء دولة مسيحية في مصر، وسعى منذ توليه البابوية إلى تحقيق حلمه هذا.

وبيَّن فضيلته أن من إرهاصات مشروع البابا بإقامة دولة مسيحية في مصر تسييس الكنيسة، وهو ما يتنافى مع مبادئ المسيحية، وكذلك قام بتنظيم أقباط المهجر ليصيروا عنصر هجوم على الدولة المسلمة والإسلام من خارج مصر.

وبعد تولي البابا شنودة البابوية بعام واحد (أي في 1972م)، ظهرت الفتنة الطائفية بأحداث الخانكة، ثم بدأت تتوالى حتى وصلت لأحداث الزاوية الحمراء عام 1981م.

وذكر فضيلته أن حسني مبارك بعد وصوله للحكم بدأ يعطي امتيازات كبيرة للنصارى؛ مما أعطاهم قوةً وجرأة، وكان دافعه في ذلك مقاومة الإسلاميين وإضعافهم من ناحية، ومن ناحية أخرى رضوخًا وخضوعًا للغرب الذي يستخدم ورقة النصارى في مصر.

وقد أعطى مبارك النصارى والكنيسة حصانة ضد النقد في الإعلام، وحصانة ضد التفتيش رغم ما حدث من مواقف تظهر بشكل واضح تخزين السلاح في الكنائس؛ مما رفع من طموحات ومطالب النصارى والكنيسة حتى صاروا يطمعون في تولي مسيحي رئاسة الجمهورية، وأصبحوا يخرجون بالسلاح يقطعون الطرقات، ويحطمون السيارات، ويتظاهرون في الإعلام بأنهم يمثلون أضعاف نسبتهم الحقيقية في المجتمع؛ فيدعون أنهم 15 مليونًا، أو 18 مليونًا، أو 25% رغم أن نسبتهم لا تزيد على 5 % من الشعب، وحتى هذه النسبة لا تؤثر في تعاملنا معهم؛ لأن الإسلام أمرنا بحسن التعامل معهم بصرف النظر عن تعدادهم.

كما أشاد الدكتور راغب السرجاني بحكم القضاء المصري بإسقاط الجنسية المصرية عن موريس صادق أحد أقباط المهجر الذي دأب على مهاجمة الإسلام، وتحريض الأمريكان على احتلال مصر.

وقال الدكتور راغب: إن الثورة المصرية جاءت كالكارثة على الكنيسة والنصارى؛ وذلك لأن الحرية التي أتت بها الثورة جعلت من الممكن جدًّا تولي الإسلاميين الحكم، وهذا سيحرم النصارى من الامتيازات غير المستحقة التي حصلوا عليها في ظل حكم مبارك؛ لذا منعت الكنيسة المسيحيين من المشاركة في الثورة؛ فلما نجحت الثورة كان الحل لديهم هو إثارة أحداث الفتنة الطائفية في صول وإمبابة وغيرها.

واستعرض فضيلته إحصائيات عن نسبة تواجد النصارى في الأعمال المتميزة في مصر، وكذلك ثروات رجال الأعمال منهم؛ بما ينفي شبهة وجود اضطهاد لهم.

كما استعرض جهود الغرب الساعية لعلمنة مصر، ومنع محاكمة مبارك، والتمويل الضخم الذي يقدمونه لذلك.

وذكر أن الكيان الصهيوني منذ نشأته ومعه الغرب يضعون الخطط لتقسيم العالم الإسلامي، وأن النصارى والكنيسة في مصر تريد الاستفادة من هذه المخططات بتكوين دولة مسيحية.

وبيَّن فضيلته أن هناك جهات متعددة تحاول إشعال الأمور أكثر، وإثارة الفتنة، ومن هؤلاء العلمانيين؛ فبعدما حشدوا كل جهودهم لدفع الشعب للتصويت بلا في الاستفتاء؛ فلما وجدوا أن الغالبية مع نعم، وفي نفس صف الإسلاميين، لجئوا إلى إشعال الفتنة الطائفية بالتعاون مع النصارى، ولتحترق البلد كلها ما دامت ستتجه اتجاهًا إسلاميًّا.

ومن هذه الجهات أيضًا الإعلام الفاسد الذي تعوَّد أن يُظهِر النصارى كمظلومين ومضطهدين، وأن يجعل المسلمين ظالمين ومتجبرين؛ لذا فهم يغطون على الحقائق التي تذكر أن الذين أشعلوا الفتنة في إمبابة هم النصارى، وأنهم هم الذين بدءوا بإطلاق النار من الأسلحة الآلية المجهزة سابقًا.

ونبَّه فضيلته أن ردود أفعال بعض الإسلاميين على الاستفزازات المسيحية تُستَخدَم في إظهار المسيحيين بمظهر المضطهدين، بينما هم الذين بدءوا الفتنة.

إضافةً إلى ذلك، أكد فضيلته أن فلول الوطني والغياب المتعمد لقوات الشرطة عامل من أهم العوامل في إثارة الأوضاع.

واقترح الدكتور راغب حلاًّ لمشكلة الفتنة الطائفية على المدى القريب أن تقوم في مصر دولة قوية تطبق القانون على الجميع مسيحيين ومسلمين، وعلى الكنائس والمساجد.

أما على المستوى البعيد، فذكر أننا نحتاج حوارًا طويل الأمد في ظروف هادئة، ونحتاج اندماجًا بين المسيحيين والمسلمين، وهذا يحتاج وقتًا طويلاً، وتواصلاً بين عقلاء المسيحيين مع علماء المسلمين.

وفي نهاية المحاضرة ذكر فضيلته أن تطبيق الشريعة الإسلامية هو الحل الأمثل لتطبيق العدل، وتلبية حقوق الأغلبية المسلمة والأقلية المسيحية.


[1] انظر: كتاب حركة الحوثي في اليمن، لمجموعة باحثين، المركز العربي للدراسات الإنسانية (القاهرة) بالتعاون مع مركز الجزيرة العربية للدراسات والبحوث (صنعاء)، ط1 - 2008م، وبحث: الصراع الزيدي السلفي، للكاتب، كتاب المسبار الشهري، العدد، ط1 - 200م.

Related Posts islamstory...

تعليقات القراء