المسلمون في تايلاند .. قصة المعاناة والألم

تواجه الأقليات المسلمة في أماكن متعددة في العالم مشاكل ومصاعب مختلفة، تختلف مصادرها وأشكالها، وحتى يتم التغلب على المشاكل التي تواجهها الأقليات المسلمة في العالم لا بد من الدارسة المستوعبة لكل أقلية مسلمة في أنحاء العالم من جميع نواحيها، ثم توضع مخططات تفصيلية للتغلب على المشاكل التي تواجه كل أقلية على حدة بما يتناسب ومشكلاتها.

قبل الحديث عن المشكلات التي تواجه المسلمين في تايلاند نعطي نبذة سريعة عن تلك البلاد ليتم أخذ فكرة سريعة عنها تعيننا على تفهم حالهم وأوضاعهم. تايلاند هي الدولة العضو في منظمة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) ويبلغ عدد سكانها حسب إحصاء عام 1986 م 52.954.552 مليون نسمة ويشكل البوذيون نسبة 95 % من عدد السكان ويأتي في الدرجة الثانية المسلمون حيث يشكلون 4% من عدد السكان وتشكل الديانات الأخرى من مسيحية وسيخ 1% ، ومعنى ذلك أن عدد المسلمين في تايلاند يكون أكثر من مليوني نسمة وهو مطابق لما ورد في بعض المصادر الرسمية القائلة بأن عدد المسلمين عام 1984 م في تايلاند حوالي 2.371.151 نسمة .

 المصادر الإسلامية والمصادر الحرة تعتقد أن نسبة المسلمين في تايلاند لا تقل عن 10% وأن عددهم أكثر من خمسة ملايين نسمة، بل إن بعض المصادر تؤكد أن عدد المسلمين عشرة ملايين نسمة تقريبا، وقد وصل الإسلام إلى تايلاند قديما ويعتقد أنه وصلها في القرن العاشر الميلادي عن طريق فطاني (المنطقة الواقعة في جنوب البلاد) وأول سلطان فطاني اعتنق الإسلام كان في القرن الخامس الهجري حوالي سنة 1457 م. ويتوزع المسلمون في مناطق متعدد من البلاد إلا أن أصولهم مختلفة ومتنوعة ولعل منطقة جنوب البلاد هي التي يسكنها المسلمون الأصليون من سكان البلاد .

تاريخ المسلمين في الجنوب التايلاندي

وإذا كان المسلمون في تايلاند يشكلون أقلية فإنهم في المنطقة الجنوبية من البلاد يشكلون أغلبية خاصة في محافظات دارنيوات، جالا ، فطاني ، ستول ، فإن المسلمين فيها يصلون إلى 75 % أما إذا أضيفت إليها محافظة سولكلا فإن عدد المسلمين يصل إلى حوالي الخمسين بالمائة أو يزيدون قليلا. وهذه المحافظات كانت تشكل في الماضي دولة مسلمة مستقلة، وكانت تشتهر بتطورها في المجالات المختلفة تعليمية واقتصادية وسياسية، وكانت لها من نظم الدبلوماسية ما أمكنها من النجاة من سيطرة المستعمرين من البرتغاليين والهولنديين والإنجليز ما يقارب مائتي عام، ثم وقعت بعد ذلك في السيطرة التايلاندية، إلا أن المسلمين عملوا طول فترة وجودهم تحت السيطرة التايلاندية على الاحتفاظ بشخصيتهم المتميزة سواء في مجال التعليم أو الاجتماع أو غيرها.

ففي مجال التعليم رفضوا في البداية التعليم الحكومي وكانوا يتحايلون عن إرسال أبنائهم إلى المدارس الحكومية حتى في المرحلة الإلزامية، ثم خففوا شيئا من هذا الرفض فقبلوا إرسال أولادهم للمرحلة الإلزامية دون ما بعدها، إلا فئة قليلة جدا قبلوا التعليم لما بعد الابتدائية في المدارس الحكومية. هذا وقد عملت الحكومة التايلاندية منذ سيطرتها على فطاني على إزالة الفوارق الثقافية بين المسلمين وبين عامة السكان.

معاناة المسلمين في تايلاند

 ولتحقيق هذا الهدف عمدت إلى أساليب مختلفة متباينة من بينها :

 1- تهجير عدد كبير من المسلمين إلى العاصمة بانكوك في بداية عام 1782م وذلك لتخفيف المعارضة الإسلامية في فطاني وعلى عكس ذلك تم تهجير حوالي 4000 تايلندي بوذي إلى الجنوب في عهد فرانانج كلاو (1851 م – 1874م ) وذلك بهدف الاستيعاب الثقافي للمسلمين، لأن الأصل أن تتأثر الشعوب الأقلية بثقافة الأكثرية، لأن ثقافتهم هي ثقافة البلاد الرسمية، لكن هذه المحاولة باءت بالفشل لأن المسلمين رفضوا الثقافة التايلاندية ذات الأصول البوذية، وانعزلوا بأنفسهم عن المجتمع التايلندي وكان تعاملهم فيما بينهم.

 2- عمدت الدولة إلى سن قوانين لاستيعاب المسلمين دون النظر إلى مشاعرهم الدينية وتوجهاتهم العقائدية، لكن هذا الأمر باء بالفشل، إذ قوبل بالاستنكار من قبل المسلمين والرفض رفضا تاما مما ترتب عليه فشل هذه القوانين، مما حدا بالحكومة أن تنهج نهجا آخر، وتستعين ببعض المسلمين لاستشارتهم في بعض الأحيان قبل أخذ القرارات التي تتعلق بالمسلمين.

 أما عن حالة المسلمين التايلانديين الاجتماعية، فينبغي قبل الحديث عنها أن نعلم أن التايلنديين المسلمين كانوا يطلقون على القرويين، حيث أنه في الحقيقة كان معظم المسلمين يسكنون في القرى، حيث يعملون في الزراعة وصيد الأسماك بطرق بدائية، ولأجل ذلك تدنت حالتهم الاقتصادية ولم يكن يسكن المدن من المسلمين إلا القليل النادر، حيث كانت المدن سكنا للبوذيين الذين يعملون في الوظائف الحكومية وبجانبهم الصينيون أصحاب الشركات والمحلات التجارية, ولم يكن المسلمون يتصلون بغيرهم في المدن إلا لسببن لا ثالث لهما وهما:

 1- الاتصال بالجهات الرسمية لأسباب تتطلب ذلك

 2- الاتصال بالتجار الصينيين لأهداف التجارة أما صلتهم بالرسميين فإنها عادة تكون عن طريق نقيب الحي أو عمدة القرية، لأن بين الموظف الحكومي والقروي فاصل كبير سواء في اللغة أو في العادات أو في التقاليد أو في المعتقدات مما يحد من تطبيع العلاقات بينهما، خاصة وأن عنصر الدين كان هو الفاصل الحقيقي بين المسلمين وبين غيرهم، فظل المسلمون يعيشون في مجتمع منغلق على نفسه لا يقبل أي دخيل عليه.

ومما تجدر الإشارة إليه أن المسلمين في تايلاند يتميزون بحب واحترام الرجل المتدين الصالح، لذلك يتمتع كل من له علاقة بخدمة الإسلام سواء كان معلما أو إماما أو متعلما باحترام المجتمع، ويتبوأ مكانة عالية فيه.

الحالة التعليمية للمسلمين في تايلاند

لا بد أن نعرف أن فطاني في القرن السادس عشر الميلادي كانت تتميز بمكانتها العالية بمؤسساتها التعليمية الإسلامية المتميزة، وقد اشتهر عدد كبير من علماء فطاني، ليس في فطاني وحدها بل وفي جنوب شرق أسيا كذلك، وأصبح يفد إلى فطاني طلاب العلم من جميع أنحاء المنطقة لتحصيل العلم الشرعي، ولا يزال التراث العلمي الشرعي من أعمال علماء فطاني مفخرة لهم إلى اليوم. وقد كان التعليم المتبع هو نظام الكتاتيب، ويطلق عليه نظام ( فندق )، وظل كذلك حتى أدخل في هذا النظام التعديل من قبل الحكومة، وذلك بنظام يلزم جميع الكتاتيب بالتسجيل لدى الحكومة، ثم تغير إلى مدارس دينية أهلية، ثم إدخال المنهج الحكومي في هذه المدارس وأصبحت هذه المؤسسات في الوقت الحاضر مدارس أهلية تدرس العلوم الإسلامية والعربية من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية، وفي نفس الوقت تدرس العلوم العامة حسب المنهج الحكومي من المرحلة المتوسطة والثانوية، ويؤهل حملة الثانوية الإسلامية مواصلة دراستهم في جامعات الدول الإسلامية، كما يؤهل حملة الثانوية العامة من مواصلة دراستهم في المرحلة الجامعية في تايلاند وخارجها.

أصبح من ثمار هذه المدارس عدد كبير من حملة الليسانس في العلوم الإسلامية من جامعات الدول العربية ومن الجامعات في الدول الإسلامية الأخرى، كما حصل عدد لا بأس به على درجة الماجستير والدكتوراه. وهؤلاء يعملون على تطوير المدارس ورفع مستواها بالإضافة على نشر الوعي الإسلامي بين صفوف المسلمين. كما تخرج عدد لا بأس به من جامعات داخل البلاد ممن درسوا الثانوية العامة من المدارس الإسلامية، ويعملون في مجالات مختلفة، وقد كان المجال الوحيد لحملة الثانوية العامة من المدارس الإسلامية هو الدراسة في أقسام العلوم الاجتماعية والإنسانية، وقد طورت الدراسة العامة في هذه المدارس إلى مستوى يؤهل خريجها لإكمال دراسته في أقسام العلوم والطب والهندسة وغيرها. ولكن مع هذا لا تزال المدارس الإسلامية هي المفضلة لدى المسلمين إلى الوقت الحاضر، فبعد المرحلة الابتدائية يواصل التلاميذ دراستهم في المرحلة المتوسطة في المدارس الأهلية الإسلامية دون المدارس الحكومية بصورة ملفتة للنظر، مما حد ا بالحكومة إلى أن إدخال مواد في الدراسات الإسلامية في مدارسها الابتدائية والثانوية إذا كانت نسبة المسلمين فيها أكثر من خمسين بالمائة لترغيب الطلاب في الالتحاق بمدارسها الرسمية. كما اضطرت الحكومة لمواجهة الإقبال الشديد من قبل الشباب على دراسة العلوم الشرعية في خارج البلاد إلى فتح كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأمير سونكلا الواقعة في فطاني.

ويمكن أن نخلص من كل ما سبق إلى ما يلي:

 1- تتكون الأقلية الإسلامية في فطاني من أصل واحد ولهم لغة واحدة وعادات وتقاليد موحدة.

2- الأقلية المسلمة في فطاني هم السكان الأصلييون للمنطقة وكانت لهم دولتهم وتاريخهم المستقل، وأنهم لما وقعوا تحت سيطرة حكومة تايلاند ذات الأكثرية البوذية حافظوا على هويتهم الإسلامية بالرغم من كل المحاولات الجادة من الحكومة لتذويبهم.

3- المسلمون في فطاني يعيشون غالبا في تجمعات سكنية خاصة بهم ولا يحاولون الاختلاط بغيرهم إلا في حدود الحاجة الداعية إلى ذلك لأنهم يعتبرون غير المسلمين دخلاء عليهم.

4- الأقلية المسلمة في فطاني تشكل الأكثرية في المناطق التي يقطنونها وبهذا يتمتعون بالتماسك فيما بينهم، ويحتفظون ببيئاتهم الخاصة وتصعب بذلك عملية التذويب والانصهار.

5- إنهم يعطون الأولوية للتعليم الديني أكثر من التعليم العام، وبذلك يتمكنون من تكييف وتوجيه مستقبلهم بأنفسهم دون أن تتمكن الحكومة من التأثير اللازم فيهم.

6- إن من يلتحق منهم بالوظائف الحكومية قليل جدا، لذا فإن الأنظمة الحكومية وتعليم الوزارات لا يمكّن مسهم في كثير من الأحيان، كما أن التزاوج بينهم وبين غيرهم مما يرفضه المجتمع، وهو مما يساعدهم على الاحتفاظ بتميزهم الثقافي والاجتماعي. مستقبل الأقلية المسلمة في فطاني بالرغم من أن الإسلام وصل إلى فطاني منذ عدة قرون، ورغم أن الأقلية الإسلامية يشكلون الأغلبية في مناطقهم.

الإسلام في تايلاند تحديات وعقبات

ورغم انتشار المدارس الإسلامية والتوجه الطبيعي للشعب نحو التدين، إلا أن مستقبلهم بناء على الأوضاع الراهنة مما يصعب تحديده وذلك لعدة أسباب:

 1- عدم الفهم الشامل للإسلام، خاصة وأن الإسلام عند الكثيرين يمثل الشعائر الدينية والعبادات فقط دون غيرها، وأحسن طريق للتغلب على ذلك هو الإكثار من ترجمة المؤلفات الإسلامية من جميع جوانبها، كما لا بد من القيام بالنشاطات المتنوعة في هذا المجال من محاضرات وندوات وغيرها.

 2- لا تزال رواسب غير إسلامية موجودة ومعمول بها بين عامة المسلمين،كما توجد هناك مفاهيم خاطئة عن الإسلام، وإن كان هذان الأمران في طريقهما إلى الزوال بفضل الله ثم بجهود الدعاة في نشر الوعي الإسلامي.

 3- إن التغيير في أسلوب الحياة الذي تفرضه العوامل الاقتصادية قد تجبر المسلمين إلى سلوك الطريق الذي لا يتناسب مع تعاليم الإسلام، مثل خروج المرأة إلى العمل في مجالات لا توافق طبيعة المرأة وفي بيئة غير إسلامية, وللتغلب على هذا الأمر فلا بد من التخطيط الواضح للمسلمين للنهوض بالمستوى الاقتصادي للمسلم، ويحصل ذلك بأن يدخل المسلمون في مجالات الأعمال التجارية والصناعية، وأن تكون الصناعات الممولة من قبل المسلمين، وإدارتها من قبل المسلمين،حتى يتسنى توظيف المسلمين وتقديمهم على غيرهم.

 4- لا بد من إعطاء العلوم الدنيوية حقها مع الاهتمام بالعلوم الدينية وذلك حتى يتمكن المسلمون من النهوض بأنفسهم على مستوى الحياة اللائق، ويتطلب هذا الأمر تطوير التعليم في المدارس الإسلامية، وبالأخص في القسم العلمي، وذلك حتى يتمكن حملة الثانوية من هذه المدارس من التنافس على مقاعد الدراسة في الجامعات ومؤسسات التعليم العالي داخل البلاد، بالإضافة إلى إيجاد مراكز التدريب المهني المختلفة للشباب، وكذلك لا بد من وجود جهة تتولى رعاية الطلاب المتفوقين من الأسر الفقيرة ماليا حتى يتمكنوا من الاستمرار في دراستهم بدون عائق مالي، كما لا بد من العناية بالمنظمات الطلابية الثقافية الإسلامية في المؤسسات التعليمية العالية للقيام بدوها في التوعية والحفاظ على الثقافة الإسلامية دون الذوبان في ثقافة الأكثرية.

بقلم: د. إسماعيل علي

(عميد كلية الدراسات الإسلامية بجامعة برينس أوف سونجكلا بفطاني).

Related Posts islamstory...

تعليقات القراء