الوزارة في العصر العباسي والأندلسي

الوزارة في العصر العباسي

منصب الوزارةالحق أن منصب الوزارة بدأ يأخذُ شكلاً مغايرًا في الخلافة العباسية عما كان عليه من قبل، فقد كان تعيين الوزراء أمرًا ضروريًّا، ويُعْتَبَرُ حفص بن سليمان المعروف بأبي سلمة الخلال (ت 132هـ/ 750م)، أول مَنْ لُقِّبَ بالوزارة في الإسلام، وكان يقال له: وزير آل محمد. وهو الذي أنفق أموالاً كثيرة في سبيل الدعوة العباسية[1].

وقد قَلَّد أبو جعفر المنصور رجلاً اسمه سليمان بن مخلد المعروف باسم أبي أيوب المروياني الوزارة بجانب الدواوين، وقد ذكر ابن كثير أنه كان "صاحب ديوان الإنشاء"[2].

ووصل الوزير في ظلِّ الخلافة العباسية إلى مكانة مرموقة، بل حدا به الأمر بأن صارت إليه أحوال البلاد والعباد، وهو ما نجده في أسرة البرامكة؛ فقد مُنح يحيى بن خالد البرمكي السلطة المطلقة، فأصبح بيده الأمر والنهي في الدولة؛ فيذكر ابن كثير أنه "لما وَلِي الرشيدُ عرفَ له حقه (أي ليحيى بن خالد)... وفوَّض إليه أمور الخلافة، وأَزِمَّتها ولم يزل كذلك حتى نكبت البرامكة"[3].

ولقد كان الخلفاء العباسيون يُمعنون في البحث والتحرِّي عن أفضل الوزراء، فهذا الخليفة العباسي المأمون يضع مجموعة من المعايير لاختيار وزير له فيقول: "إنِّي التمستُ لأموري رجلاً جامعًا لخصال الخير، ذا عفَّةٍ في خلائقه واستقامةٍ في طرائقه، قد هذَّبتْهُ الآداب وأحكمته التَّجارِب، إن اؤتمن على الأسرار قام بها، وإن قُلِّد مهمَّات الأمور نهض فيها، يُسكته الحلم، ويُنطقه العلم، وتكفيه اللَّحظة، وتغنيه اللَّمحة، له صولة الأمراء، وأناة الحكماء، وتواضع العلماء، وفهم الفقهاء، إن أُحسن إليه شكر، وإن ابْتُلِيَ بالإساءة صبر، لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده، يسترقُّ قلوب الرِّجال بخلابة لسانه وحسن بيانه"[4].

ومن ثَمَّ استوزر المأمونُ الفضلَ بن سهل (ت 202هـ)، وقد كان الْفَضل هذا من أعاظم الوزراء في التاريخ الإسلامي، ولمكانته أطلق المأمون يده في كل الأمور "وسماه ذا الرياستين؛ لتدبيره أمر السيف والقلم"[5]. أي جعله يتولَّى الأمور المتعلقة بالسياسة والحرب، ولم يكن ذلك الجمع لوزير سابق، كما أننا نجد الوزارة تُفوَّض إلى الفضل بن سهل بتوقيع خاصٍّ (أي خطيًّا) وهذا أول تشريف من نوعه، ولعل محتويات التوقيع توضِّح أهميته؛ إذ جاء فيه: "قد جعلتُ لك مرتبة من يقولُ في كل شيء فيُسْمَعُ منه، ولا تتقدَّمُكَ مرتبة أحد، ما لزمتَ ما أمرتُك به من العمل لله ولدينه، والقيام بصلاح دولة أنت ولي القيام بها، وجعلتُ كله لك بشهادة الله تعالى، وجعلته لك كفيلاً على عهدي، وكتبتُ خطي في صفر سنة أربع وتسعين ومائة"[6].

وكذلك وجدنا ابن العميد علي بن محمد بن الحسين (ت 360هـ)، من جملة الوزراء الذين ذاع صيتهم، وانتشرت شهرتهم في القرن الرابع الهجري، فعلى الرغم من كونه وزيرًا لآل بويه، إلا أننا وجدنا مؤسسة الخلافة تمتدحه، وترفعه إلى مكانة سامقة، ومن ثم فقد لقَّبه الخليفة الطائع لله "بذي الكفايتين" أي السيف والقلم[7].

وما كان امتداح الخليفة العباسي الطائع لله للوزير ابن العميد من فراغ؛ فقد كان ابن العميد يقود الجيوش، ويحضر المعارك، وكان أسدًا في الشجاعة... وكان قليل الكلام، نزر الحديث، إلا إذا سُئل ووجد من يُفهم عنه؛ وكان لحُسن عشرته، وطهارة أخلاقه إذا دخل إليه أديبٌ أو عالم متفردٌ بفنٍّ سكت له، وأصغى إليه، ومع ذلك استطاع أن يُعيد النظام الأمني المفقود في البلاد، بعد ثورات واضطرابات الجند في بغداد؛ ولذلك عظمت مكانته في فترة وزارته القصيرة، واستتب الأمن على يديه، ونال العلماء والأدباء مكانتهم المستحقَّة بين يديه، فخاف البويهيون على ملكهم منه، فقتلوه[8].

وكان عمل الوزراء غاية في الدقة والتنظيم والاستغراق في العمل؛ فقد ذكر المؤرخ الشابُشتي[9]، أن الوزير صاعد بن مخلد (ت 275هـ) كان يقوم في آخر الليل، فلا يزال يُصَلِّي إلى طلوع الفجر، ثم يَأْذَن للناس فيُسَلِّمون عليه، ثم يركب إلى دار الخليفة المُوَفَّق فيقيم بحضرته أربع ساعات، ثم ينصرف إلى منزله، فينظر في حوائج الناس وأمور الحاضر والغائب إلى الظهر، ثم يتغدَّى وينام، ثم يجلس بالعشي فينظر في الأعمال السلطانية إلى العشاء الآخرة، لا يبرح يُحَصِّل جميع الأموال ما حمل منها وما أنفق وما بقي، ويَعمل له بذلك عملاً في كل يوم ويُعرض عليه، وما يخفى عنه شيء مما يجري في الأعمال كل يوم، ثم يأمر في أمر ضياعه وأسبابه، ويتقدَّم إلى وكلائه وخاصته بما يحتاج إليه، ثم يتشاغل بعد ذلك مع نديم يتشاغل بحديثه ويأنس به، ثم ينام[10].

نظام الملك والمدرسة النظامية

وكان هناك مجموعة من الوزراء الأوفياء في الحضارة الإسلامية، قد جمعوا بين دهاء السياسة وأخلاق الدين، وكان لهم دور كبير في مسيرة الحضارة الإسلامية، ومن هؤلاء نجد الوزير نظام الملك الحسن بن علي بن إسحاق وزير دولة السلاجقة، ذكر الإمام الذهبي أنه " أنشأ المدرسة الكبرى ببغداد، وأخرى بنيسابور، وأخرى بطوس، ورغَّب في العلم، وأدرَّ على الطلبة الصِّلات، وأملى الحديث، وبَعُد صيته"[11].

والمدرسة الكبرى التي ذكرها الذهبي، هي المدرسة النظامية في بغداد، والغريب أن الوزير نظام الملك كان مع توليه لأمر الوزارة يذهب بين الحين والآخر إلى هذه المدرسة لتدريس مادة الحديث الشريف، وهذا ما يذكره ابن الأثير بقوله: "دخل نظام الملك إلى المدرسة النظامية، وجلس في خزانة الكتب، وطالع فيها كتبًا، وسمع الناس عليه بالمدرسة جزء حديث، وأملى جزءًا آخر"[12].

لقد كان نظام الملك من خيرة وزراء الحضارة الإسلامية إن لم يكن أفضلهم، بعد عهد الصحابة، فقد كان محبًّا للعلماء، مُعظِّمًا لهم، "وكان نظام الملك إذا دخل عليه الإمام أبو القاسم القشيري، والإمام أبو المعالي الجويني، يقوم لهما، ويجلس في مسنده، كما هو، وإذا دخل أبو علي الفارَمَذي يقوم إليه، ويُجلسه في مكانه، ويجلس هو بين يديه، فقيل له في ذلك، فقال: إن هذين وأمثالهما إذ دخلوا عليَّ يقولون لي: أنت كذا وكذا.. يثنون عليَّ بما ليس فيَّ، فيزيدني كلامهم عجبًا وتيهًا، وهذا الشيخ يذكر لي عيوب نفسي، وما أنا فيه من الظلم، فتنكسر نفسي لذلك، وأرجع عن كثير مما أنا فيه"[13].

ولكثرة حُبِّه للعلم ألَّف نظام الملك كتاب "سياست نامه" أو "سير الملوك"، وقد ألَّفه لسلطان السلاجقة ملكشاه بن محمد عام 479هـ. وكان الهدف من تأليفه إبراز أهم السبل الناجحة لقيادة الدول لدى الملوك والأمراء السابقين، لتتأسَّى بها دولة السلاجقة في أحوالها وشئونها الإدارية والسياسية، ومن ثَمَّ يقول نظام الملك: "لذا عمدتُ إلى درج وشرح كل ما كنتُ أعرفه، أو رأيته، أو خبرته، من تجارِب في حياتي، أو تَعَلَّمته من أساتذتي في الموضوع، في هذا الكتاب في خمسين فصلاً"[14].

ولا شكَّ أن هذا العمل قد لاقى قبولاً من السلطان، كما لاقى قبولاً من القرَّاء فيما بعد، وهذا العمل يؤكد أن الوزارة في الإسلام لم تكن عملاً إداريًّا بمعزل عن تجارب السابقين وخبراتهم.

الوزارة في العصر الأندلسي

وفي حديثنا عن الوزارة وأهميتها في حضارتنا الإسلامية، لا يجب أن ننسى ما كان لهذا المنصب من أهمية كبرى في الشطر الغربي من الأمة الإسلامية، ونعني الأندلس.

والحق أن نظام الوزارة في الأندلس كان يُشبه إلى حدٍّ كبير "التشكيل الوزاري" في عصرنا الحاضر، وكان رئيس الوزراء في بادئ الأمر الخليفة نفسه، ثم تطور هذا الأمر، فأصبح (الحاجب) هو رئيس الوزراء الفعلي. وقد أشار ابن خلدون إلى نظام الوزارة في الأندلس بقوله: "وأما دولة بني أمية بالأندلس فأبقوا اسم الوزير في مدلوله أول الدولة، ثم قَسَّموا خطته أصنافًا، وأفردوا لكل صنف وزيرًا، فجعلوا لحسبان المال وزيرًا، وللترسيل (البريد) وزيرًا، وللنظر في حوائج المتظلمين وزيرًا، وللنظر في أحوال أهل الثغور وزيرًا، وجُعل لهم بيت يجلسون فيه على فرش منضدة لهم، وينفذون أمر السلطان هناك كلٌ فيما جُعِلَ له، وأُفْرد للتردُّد بينهم وبين الخليفة واحدٌ منهم ارتفع عنهم بمباشرة السلطان في كل وقت، فارتفع مجلسه عن مجالسهم وخصُّوه باسم الحاجب، ولم يزل الشأن هذا إلى آخر دولتهم، فارتفعت خطة الحاجب ومرتبته على سائر الرتب، حتى صار ملوك الطوائف ينتحلون لقبها، فأكثرهم يومئذ يسمى الحاجب..."[15].

وهذا النص السابق الذي ذكره ابن خلدون، يوضِّح أن الحضارة الإسلامية الأندلسية كانت المثال الحقيقي الذي احتذت الأمم الحالية أثره، فالمعلوم أن الدولة الأموية في الأندلس قد بدأت منذ عام 138هـ، بدخول عبد الرحمن بن معاوية بن هشام (الداخل) إلى الأندلس، ودخولها تحت طاعته، وهذا التقسيم السابق للوزراء -من وزير للمالية، وآخر للشئون الخارجية، وآخر للعدل، وآخر للدفاع والأمن القومي، ثم وجود رئيس للوزراء يُسَمَّى بالحاجب، ووجود دار يجتمعون فيها كرئاسة مجلس الوزراء- كان قد تمَّ بالفعل منذ فترة مبكرة من تاريخ الأندلس.

ومن أشهر الوزراء في تاريخ الأندلس يأتي المنصور بن أبي عامر محمد بن عبد الله، فهذا الرجل كان من الأذكياء الموهوبين، الذين استطاعوا الترقي في وظائف الدولة حتى وصل به الأمر إلى رئيس للشرطة، ثم وصيٍّ على الخليفة الصغير هشام بن الحكم الأموي، ومن ثَم صار حاجبًا ورئيسًا للوزراء.

والحق أن رئيس الوزراء المنصور بن أبي عامر، لم يكن مستكينًا في مكانه نمطيًّا في تحركاته وتطلعاته؛ فقد كان من أكابر الوزراء الذين جاهدوا في سبيل الله، حيث غزا مملكة ليون بنفسه عام 373هـ، وفتح برشلونة عام 374هـ، بل استطاع أن يضم بلاد المغرب العربي عام 386هـ تحت حكم الدولة الأموية في الأندلس، فكانت الدولة الأموية بالأندلس بزمن الحاجب المنصور في أكبر توسع شهدته طَوَال زمن بقائها[16].

لقد كانت الوزارة في تاريخ الإسلام وحضارته من المناصب المهمة، التي أضافت لحيوية وقوة الدولة الإسلامية الشيء الكثير؛ فمع مرور فترات من الضعف والوهن في مؤسسة الخلافة والحكم، وجدنا كثيرًا من الوزراء الذين كان لهم الفضل في قوة وحيوية الدولة الإسلامية، والعجيب أن هؤلاء الوزراء لم يخرجوا على مؤسسة الخلافة، التي كانت تمر بمرحلة ضعف ظاهر، كما رأينا مع المنصور بن أبي عامر في الأندلس، وابن العميد (ت 360هـ) بالمشرق[17].

د. راغب السرجاني


[1] الزركلي: الأعلام 2/263.

[2] ابن كثير: البداية والنهاية 10/110.

[3] المصدر السابق 10/204.

[4] الماوردي: الأحكام السلطانية ص30، 31.

[5] الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 14/229.

[6] الحميري: الروض المعطار ص316، وعبد العزيز الدوري: النظم الإسلامية ص195.

[7] الصفدي: الوافي بالوفيات 2/282، والذهبي: تاريخ الإسلام 26/216.

[8] آدم متز: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري 1/187، 188، وإحسان عباس: شذرات من كتب مفقودة 2/240.

[9] الشابشتي: أبو الحسين علي بن محمد الشابشتي، (ت 390هـ/ 1000م) كاتب فاضل، تولى الخزانة للعزيز الفاطمي، من مؤلفاته "الديارات، مراتب الفقهاء" انظر: ابن خلكان: وفيات الأعيان 3/319.

[10] الشابشتي: الديارات ص66.

[11] الذهبي: سير أعلام النبلاء 19/96.

[12] ابن الأثير: الكامل 8/449.

[13] المصدر السابق 8/481.

[14] نظام الملك: سياست نامه ص44.

[15] ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر 1/240.

[16] انظر: حسين مؤنس: موسوعة تاريخ الأندلس 1/363-372.

[17] انظر: آدم متز: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري 1/185-188.

Related Posts islamstory...

تعليقات القراء