أهل فلسطين - نصرة فلسطين

أهل فلسطين لقد اصطفى الله تعالى أهل فلسطين وشعبها للرباط في الأرض المباركة -أرض فلسطين- وشرَّفهم بالدفاع عن حرمات ومُقَدَّسات الأمة, ووعدهم بالنصر والتمكين ما تَمَكَّنَ الإيمانُ في قلوبهم, وتَرْجَمُوهُ عملاً صالحًا يُرضي رب العالمين؛ فقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور: 55].

ويطلق اسم فلسطين على القسم الجنوبي الغربي لبلاد الشام, وهي الأرض الواقعة غربي آسيا, على الساحل الشرقي للبحر المتوسط, وتُعَدُّ الواصلة بين قارتي آسيا وإفريقيا, ونقطة التقاء جناحي العالم الإسلامي, ولم تُتَحَّدد أرض فلسطين بدقَّة إلا في أيام الاحتلال البريطاني (خاصة خلال 1920م - 1923م)؛ حيث ظلت حدود فلسطين تضيق وتتسع عبر التاريخ, غير أنها ظلَّت تُعَبِّر بشكل عامٍّ عن الأرض الواقعة بين البحر المتوسط وبين البحر الميت ونهر الأردن[1].

ويتوزع الفلسطينيون بين أرض فلسطين ودول أخرى كثيرة في جميع أنحاء العالم, ويبلغ التعداد العالمي للفلسطينيين ما بين 10 - 11 مليون نسمة, أكثر من نصفهم دون جنسية, ومعظم الفلسطينيين مسلمون سُنَّة, وهناك أقلية مسيحية تعود أصولها إلى الأيام الأولى للكنيسة الأرثوذكسية الشرقية, وهناك فلسطينيون يهود وسامريون ودروز لا تتعدى نسبتهم 1% من الفلسطينيين.

يعيش نصف الفلسطينيين -تقريبًا- في أجزاء من المناطق التي كانت تحت الاحتلال البريطاني -أي أرض فلسطين التاريخية, وهي المنطقة المعروفة اليوم بالضفة الغربية, وقطاع غزة, والقدس الشرقية- بالإضافة إلى ما يُسَمَّى دولة إسرائيل (داخل الخط الأخضر), وأما النصف الآخر فهم لاجئون يعيشون في بقاع أخرى من العالم (الشتات الفلسطيني), وأكبر تجمع لهم في الأردن ويبلغ (حوالي 2 مليون لاجئ), ثم سوريا (حوالي نصف مليون لاجئ), ثم لبنان (حوالي 417 ألف لاجئ فلسطيني)[2]

وهناك أدوار تخصُّ أهل فلسطين, يتعيَّن عليهم -دون غيرهم- القيام بها تجاه قضيتهم, ولا عُذر لهم في التقصير فيها؛ فالتقصير في القيام بها إثم عظيم, وتقصير في حقِّ الأمة كلها.

وتنقسم الواجبات التي تخصُّ أهل فلسطين بحسب الفئات الثلاث التي ينقسمون إليها؛ وهي كالتالي: عموم أهل فلسطين, عرب 48, فلسطينيو الخارج:

الواجبات العامة لأهل فلسطين :

أولاً: الجهاد بالنفس في سبيل الله والاستعداد له بكل وسيلة :

يُعتبر الجهاد بالنفس ضد المحتل الغاصب هو الواجب الأول لأهل فلسطين المقيمين داخلها؛ لتحرير أرضهم التي اغتصبت منهم, حتى آخر شبر منها.

وما أكثر الآيات القرآنية والأحاديث التي وردت في الحثِّ على الجهاد بالنفس, والتشجيع عليه؛ يقول تعالى:‏ {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة:41].

والجهاد فرض عين على كل قادر عليه إن أغار علينا العدو, وفرض كفاية إن لم تكن إغارة علينا, وإذا اسْتَنْفَرَ الإمامُ القوةَ وجب الخروج؛ لقوله تعالى:‏ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآَخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة: 38, 39].

وحديث البخاري ومسلم عن رسول الله r أنه قال: "وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا"[3].

وعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ"[4].

وقال السندي في حاشيته على سنن النسائي: قوله: "وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ". من التحديث, قيل: بأن يقول في نفسه: يا ليتني كنت غازيًا. أو المراد: ولم ينو الجهاد. وعلامته إعداد الآلات, قال تعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً[التوبة: 46].[5]

وعليه فإن أهل فلسطين عليهم في هذا الجانب أدوار مهمة, منها:

الجهاد الفعلي بالسلاح ضد المحتلين :

مع الأخذ في الاعتبار الحرص على أن يكون هذا الجهاد في إطار جماعي وليس فرديًّا؛ ليحقق نتائجه المرجوة, ولكي لا يتعارض مع خطط الجماعة المسلمة وأهدافها وترتيباتها.

اصطحاب نية الجهاد في كل وقت :

فلا شيء يغلب النيَّة المخلصة, والعزم الحقيقيَّ الصادق, بل لا شيء يُغَيِّر وعد الله, مالِكِ الملك, الذي بيده ملكوت كلِّ شيءٍ سبحانه.. ذلك الوعد القاطع الذي لا يُخْلَف: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].     

عن أنس بن مالك[6] t: أنَّ رسول الله r رجع من غزوة تبوك, فدنا من المدينة, فقال: "إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا, وَلاَ قَطَعْتُمْ وَادِيًا, إِلاَّ كَانُوا مَعَكُمْ". قالوا: يا رسول الله, وهم بالمدينة؟ قال: "وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ, حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ"[7].

ولذلك فإن الواجب على أهل فلسطين أن يصطحبوا هذه النية حتى في الأوقات التي ليس فيها حرب لحدوث هدنة أو هدوء مؤقت.

تحديث النفس بالجهاد :

بالعيش في أجوائه, والتفكير فيه ليل نهار, وعقد العزم على تنفيذ كلِّ الخطوات التي توصل إليه, وترويض النَّفْس على أنَّه لو دُعِيَ للجهاد فلا بدَّ من النفير.

معرفة فضل الجهاد :

بالاطلاع والقراءة في سير المجاهدين وأبطال الإسلام, والمعارك الإسلامية, ومعرفة خطيئة المتولِّي يوم الزحف, وإثم الفارِّ أمام الكفَّار.

معرفة أحكام الجهاد :

بدراسة باب الجهاد في كتب الفقه, وفهم شروطه وآدابه.

دراسة السيرة النبوية, وغزوات الرسول r :

لمعرفة الطريق القويم واتباعه وأخذ النفس بما أخذها به النبي r والسلف الصالح.

قراءة تفسير السور التي تتحدث عن أمر الجهاد :

لكي نعيش بشكل كامل في أجوائها مثل سور محمد والتوبة والفتح والأحزاب وغيرها..

بناء النفس :

بناؤها إيمانيًّا؛ عبر زادٍ إيمانيٍّ قويٍّ لا يتزعزع؛ بالطاعات والعبادات والتربية على التضحية والإيثار, فلا فجرٌ يُترَك, ولا التزام يُهمَل.

التجرُّد وكسر العادة :

ألاَّ يأسرنَا شيء, ألاَّ يستعبدنا أمر, أن نؤسِّس أنفسنا على التضحية ونرغمها على الإيثار, أن نجعل الدنيا بأسرها في أيدينا لا في قلوبنا, أن يتأصَّل في نفوسنا أنَّنا يمكن أن نترك كلَّ شيءٍ في لحظة؛ لا قيمة لشيءٍ في هذه الدنيا في نفوسنا, مهما غلا ثمنه, أو زادت قيمته, أو لهثت وراءه الدنيا؛ أن نتجرَّد من كلِّ دافعٍ دنيويٍّ, وأن نحيا شهداء نمشي على الأرض.

إنَّ هذا التجرُّد لا يأتي بين لحظةٍ وضحاها, إنَّه نتاج تربيةٍ طويلةٍ طويلة, مع نفسٍ ملولةٍ كثيرة التقلُّب[8].

ثانيًا: وقفة مع النفس, ومراجعة المناهج :

كلمة واجبة نُوَجِّهها لأهل فلسطين جميعًا, بمختلف تَوَجُّهَاتهم وانتماءاتهم, فنحن نُوَجِّهها لآحاد الفلسطينيين وجماعاتهم, وكذلك لكل فصيل قرر العمل من أجل تحرير الوطن السليب.. إننا نوجهها للجميع.. قفوا مع أنفسكم وقفة تأمُّل, راجعوا مناهجكم, وتبيَّنُوا مواقع أقدامكم, فأنتم تبذلون أرواحكم.. فإياكم أن تبذلوها رخيصة هباء, إياكم وضياع أجركم عند ربكم, ومن هنا فإن عليكم في هذا الصدد ما يلي:

تجديد النية لله بشكل دائم ومستمر :

فقبول العمل عند الله مشروط: "إِنَّ اللهَ لاَ يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلاَّ مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ"[9]. والجهاد في سبيل الله محصور في غاية واحدة: "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ U"[10].

تعالوا نتوجه بنياتنا وأفعالنا لله: {أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ[الزمر: 3]؛ فالله هو الغاية التي ليس بعدها غاية, وكل غاية دون الله باطلة.

تعديل المسار لأولئك الذين يقاتلون من أجل نوايا أخرى[11]:

فتعالوا لا نبتغي إلا وجه الله U, ولا نجاهد إلا لله, لا لفكرة اشتراكية, ولا لفكرة قومية, ولا لفكرة حزبية..

تعالوا نجاهد لتكون كلمة الله هي العليا.

تعالوا نتأمَّل قوله تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 158- 164].

وإن أخوف ما أخافه عليكم أن تُضَيِّعُوا أعمالكم العظيمة هذه يوم القيامة؛ فعن أبي هريرة t أنه قال: حدثني رسول الله r: "أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَنْزِلُ إِلَى الْعِبَادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ, وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ, فَأَوَّلُ مَنْ يَدْعُو بِهِ رَجُلٌ جَمَعَ الْقُرْآنَ, وَرَجُلٌ يَقْتَتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, وَرَجُلٌ كَثِيرُ الْمَالِ, فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْقَارِئِ: أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عُلِّمْتَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ. وَتَقُولُ لَهُ الْمَلاَئِكَةُ: كَذَبْتَ. وَيَقُولُ اللَّهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ فُلاَنًا قَارِئٌ. فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ. وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ الْمَالِ, فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ؛ حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ؟ قَالَ بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ, وَأَتَصَدَّقُ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ. وَتَقُولُ لَهُ الْمَلاَئِكَةُ: كَذَبْتَ. وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلاَنٌ جَوَادٌ. فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ. وَيُؤْتَى بِالَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: فِي مَاذَا قُتِلْتَ؟ فَيَقُولُ: أُمِرْتُ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِكَ, فَقَاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ. فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: كَذَبْتَ. وَتَقُولُ لَهُ الْمَلاَئِكَةُ: كَذَبْتَ. وَيَقُولُ اللَّهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلاَنٌ جَرِيءٌ. فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ".

ثمَّ ضرب رسول اللَّه r على ركبتي, فقال: "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ, أُولَئِكَ الثَّلاَثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"[12].

على المجاهدين الفاهمين الواعين أن يخاطبوا غيرهم:

من الفصائل الأخرى بلغة الحب والرفق, ومن باب الحرص عليهم لتفهيمهم خطورة النية وأهمية العمل القلبي.

المجاهدين الفاهمين أيضًا أن يدركوا أن اختلاف النوايا لا يعني رفض الفصائل الأخرى:

وطلب المراجعة من فصيل أو اتجاه, لا يعني رفضه, أو رفض التعاون معه, وإنما هو إشفاق منا على إخواننا؛ وحرص مخلص على ألاَّ يضيع الجهد, ويُهدر الدم؛ {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا[الفرقان: 23], فدمكم غالٍ, وجهدكم الوافر أثمن من أن يضيع هكذا دون أجر من الله.

تعالوا نجاهد في سبيل الله صفًّا واحدًا.

واللهَ أسألُ أن يجمعنا على الهدى, والتقى, والعمل الصالح الذي يرضيه.

{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10].

ثالثًا: توحيد الفصائل المختلفة :

الوحدة من أخصِّ خصائص الإسلام ومن أميز ميزاته, قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103], ويقول تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2], يقول معن بن زائدة:

تَأْبَى الْقِدَاحُ إِذَا اجْتَمَعْنَ تَكَسُّرًا *** وَإِذَا افْتَرَقْنَ تَكَسَّرَتْ أَفْرَادَا[13]

وقد أوجب الله تعالى علينا التمسُّك بكتابه وسُنَّة نبيه, والرجوع إليهما عند الاختلاف, وأمرنا بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة اعتقادًا وعملاً؛ وذلك سبب اتفاق الكلمة, وانتظام الشتات الذي تتم به مصالح الدنيا والدين, والسلامة من الاختلاف, وأمر بالاجتماع ونهى عن الافتراق الذي حصل لأهل الكتابين[14].

والوحدة أساس القوة, وسبيل النصر, وطريق العزة والمنعة والتمكين, وطاعة رب العالمين, وسلوك الحكماء وأهل العلم.

من هنا يجب على كل فلسطيني العمل بكل طاقته من أجل تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية, وتوحيد الصف الفلسطيني, والوقوف والتراصّ كالبنيان في مواجهة المخططات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني, وكفى بالفلسطينيين ما مرَّ بهم من (لحظات أليمة)؛ بسبب خلافات الفصائل الداخلية, والتي راح ضحيتها نفوس طاهرة من الجانبين.

يقول تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4].

ومن هنا فإن أهل فلسطين عليهم في هذا المجال ما يلي:

محاولة تشكيل حكومة توافق وطني :

حكومة توافق وطنيكما يجب على كل فلسطيني أن يدفع في اتجاه ترتيب البيت الفلسطيني, وتشكيل حكومةِ توافق وطني, تقوم على المصارحة, وبحث كافة الملفات العالقة بشكل شامل, وضمان مشاركة كافة الفصائل.

ونعلم أن الفصائل الفلسطينية لها توجهات كثيرة ومناهج مختلفة, لكن نحسب أن معظمهم يريد تحرير البلاد من المحتل, فلنتعاون في هذه القضية الواحدة, ولنقف معًا على هذه الأرضيَّة المشتركة, ولنوحد جهودنا بدلاً من التنافر والشقاق,

وعلى أبناء الشعب الفلسطيني أن يختاروا أيًّا من المبادرات العديدة التي تمَّ طرحها؛ لتحقيق التصالح بين الفصائل الفلسطينية, وأن يتبنَّوْهَا, ويعملوا على إنجاحها من خلال الإصرار على أن تكون لقاءاتها علنية؛ فينكشف الستر عن أي طرف لا يريد التصالح والوحدة أمام الجميع.

الحرص على إشراك بعض الرموز المعتدلة:

التي لا تعرف بانتمائها إلى أي من الفصائل الموجودة لتكون حلقة وصل بين مختلف الطوائف.

البحث عن وسيط عربي أو إسلامي يقبل من كل الأطراف:

لكي يجمع المتفرقين بشكل حيادي ويحقق المصلحة للقضية الفلسطينية.

مواجهة من يخرج عن الإجماع الفلسطيني بكل حسم:

وإذا أصرَّت إحدى الفصائل الفلسطينية على الخروج عن الإجماع الوطني الفلسطيني؛ فيجب مواجهتها بكل حسم؛ حتى تعود إلى رشدها, وتعلم أن القضية الفلسطينية أكبر من أن يحلها فصيل بمفرده.

 

يقول الله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 9, 10].

الحرص على إبراز مظاهر الوحدة بين الفصائل المختلفة إعلاميا:

لأن هذا يعطي انطباعًا إيجابيًّا عند عموم المسلمين, كما يشجع الفصائل الأخرى على أن يحذوا حذو المتحدين, هذا بالإضافة إلى أنه يؤثر سلبًا على العدو الصهيوني.

رابعًا: دراسة تاريخ الرموز الفلسطينية وحركات التحرير, وأسباب نجاحها وفشلها:

للتاريخ أهمية كبرى في حياة الشعوب؛ فهو سجل المجد والنصر, وهو نبع الدروس والعبر, ولفلسطين تاريخ عريق بدأ مع أول قدم دبت على الأرض؛ فعن أبي ذَرٍّ t قال: قلت: يا رسول الله, أي مسجد وضع في الأرض أوّل؟ قال: "الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ". قال: قلت: ثمَّ أيٌّ؟ قال: "الْمَسْجِدُ الأَقْصَى". قلت: كم كان بينهما؟ قال: "أَرْبَعُونَ سَنَةً, ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ"[15].

ولما كان لفلسطين تاريخ عظيم حافل؛ فإن على أهل فلسطين حيال تاريخها ما يلي:

دراسة تاريخ الرموز الفلسطينية:

ففي فلسطين رموز كثيرة حفروا أسماءهم في سجل التاريخ بحروف من نور, كالشيخ عزِّ الدين القسَّام, والشيخ أمين الحسيني, والمجاهد عبد القادر الحسيني, وغيرهم.

وما زالت في فلسطين رموز تسير على درب الكبار, وتخطُّ بدمها درب العزَّة والنصر؛ فمنهم من يقضي شهيدًا, ومنهم من يواصل السير, ويصنع المجد لأمته, يقول الله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 23].

وعلى كل فلسطيني مدارسة سير القادة والمصلحين على مرِّ التاريخ الفلسطيني, مع التوقف عند أهم نجاحاتهم, والعوامل التي أدَّت إلى تحقيق النجاح, ودراسة ما مرَّ به هؤلاء الزعماء من لحظات فشل وهزيمة, والتعلم من أخطائهم.

دراسة تاريخ حركات المقاومة الفلسطينية :

يجب على كل فلسطيني أن يدرس تاريخ فلسطين جيدًا, ويعي أبعاد القضية وأهم مراحلها, بجانب دراسة حركات التحرير الفلسطينية وعوامل نشأتها, والاختلافات الفكرية فيما بين هذه الحركات, وما شاب هذه الحركات من تحولات فكرية أدَّت إلى تغيير كلِّي في مواقفها السياسية تجاه مستقبل القضية الفلسطينية.

دراسة تاريخ الرموز المعاصرة :

والتي مَرَّت بظروف مشابهة لما يمر به الفلسطينيون الآن؛ وذلك مثل الشيخ أحمد ياسين, والدكتور عبد العزيز الرنتيسي, ويحيى عياش, وغيرهم..

التأريخ للرموز المعاصرة : عن طريق جمع المعلومات وتدوينها.

إسقاط هذا التاريخ على الواقع :

فمن الواجب على كل فلسطيني أن يضع تاريخ هذه الحركات وتضحياتها أمام عينيه, باعتباره الناخب صاحب القرار الذي ينتخب الأصلح والأقدر على حمل لواء القضية الفلسطينية, وتحرير الأرض, ودحر المخططات الصهيونية, واستعادة المقدسات.

خامسًا: التمسُّك بالأرض :

إذا كانت فلسطين أرضًا مباركة, كتبها الله للمتقين من عباده؛ فنحن أولى الناس بها, وعلينا أن نتمسَّك بها, ولا نترك شبرًا منها للمغتصبين.. ويكون التمسك بالأرض بالقيام بما يلي:

عدم ترك فلسطين إلى غيرها من البلاد:

فالبقاء في أرض فلسطين واجب على أهل فلسطين, ولا يجوز التنازل عن شبر من أرض فلسطين بأي حال من الأحوال, وعلى أهل فلسطين أن يتحمَّلوا في سبيل ذلك كل الصعاب؛ سواء في ذلك الاعتداءات المتكرِّرة من المحتلِّ الغاصب, أو ضيق الرزق نتيجة الحصار الاقتصادي والإغلاق المتكرر للمعابر, أو الاعتقال, حتى وإن وصل الأمر إلى القتل في سبيل البقاء في الأرض والتمسك بها, فلن يذهب هذا الدم سدى, وإنما هو في سبيل الله, يقول رسول الله r: "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ"[16].

فعلى أهل فلسطين أن يجاهدوا للبقاء في هذه الأرض, مهما كانت مغريات الخروج منها؛ حيث يتفنَّن الكيان الصهيوني في تنغيص معيشة أهل فلسطين, مع إتاحة الفرص أمامهم للهجرة من أرض فلسطين؛ فنجد الهجرة من الأراضي الفلسطينية إلى الدول الأوربية والقارة الأمريكية أسهل بكثير من الهجرة إلى هذه الدول من أي مكان آخر في العالم, وهذا بالطبع مقصود تمامًا؛ حتى يتخلَّص الصهاينة من الفلسطينيين أصحاب الأرض, فتخلوا لهم الأرض بلا قتال!

وعلى النقيض من سهولة الهجرة خارج فلسطين نجد العودة إليها في غاية الصعوبة إن لم تكن مستحيلة؛ فحتى الذين يخرجون للدراسة, أو إجراء جراحة, أو زيارة أهليهم في أي بلد مجاور, لا يعودون إلاَّ بشقِّ الأنفس, وبعضهم يظلُّ سنوات حتى يتحقق له ذلك.

حض من يستطيع العودة من خارج فلسطين على العودة إلى الأرض المقدسة:

وأذكر أن أحد الشباب الفلسطيني -وكان مقيمًا في الولايات المتحدة الأمريكية, ويعمل سائقًا- سألني عن أفضل وسيلة يخدم بها القضية الفلسطينية, فأجبته: إن أفضل وسيلة تخدم بها وطنك هي العودة إلى فلسطين, والبقاء في أرض الرباط, واحتساب الصعاب التي تقابلها في وطنك على الله, وإلاَّ فكيف سيكون الوضع إذا هاجر كل الشباب الفلسطيني خارج أرضه, وعاش في بلد آخر, وبالطبع سيبني لنفسه حياة جديدة, ومع مضيِّ الوقت ستذوب القضية الفلسطينية في بحر النسيان.

إبراز عظمة الدور الذي يقوم به من يتمسك بأرضه:

لأن هذا يشجع الآخرين على البقاء ويهون عليهم الأمر, ولا نستطيع أن نختم هذه النقطة –بالذات– دون تحية إجلال وإكبار, لأهل غزة الأبطال, الذين صبروا وصمدوا, وثبتوا في بيوتهم, رغم ما عانَوْه من حصار وتجويع وقصف, لكنهم امتثلوا لقول الله U: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200], فاللهم اكتب من مات منهم في الشهداء, واكتب للأحياء منهم أجر المرابطين, واجعلنا وإياهم من المتقين الفالحين الفائزين.

سادسًا: إعطاء رؤية من الداخل للأحداث :

يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ[النساء: 71], ومن الحذر الواجب معرفة العدو, وفضح مخططاته, وأفعاله, وممارساته بحق أهلنا في فلسطين المحتلة, وعلى أهل فلسطين أن يعملوا على إعطاء رؤية واضحة من الداخل لأي حدث من الأحداث, خاصة أوقات القصف, والاجتياح, والحصار؛ فخبراء الاستراتيجية العسكرية يقولون دائمًا: "المعلومة قوة". ويقولون: "لا تقاتل عدوك وأنت معصوب العينين". أي وأنت تجهله.

 

ولهذا فعلى أهل فلسطين أن يقوموا بالأدوار الآتية:

التواصل مع وسائل الإعلام لنقل الصورة الحقيقية للوضع داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة: وكشف الوجه القبيح للعدو الصهيوني, وفضح انتهاكاته للحرمات, وعدم احترامه لحقوق الإنسان, ونزع قناع الضحية الذي لا ينفكُّ العدو الصهيوني يرتديه منذ العهد النازي وحتى اليوم.

والأفضل استخدام التكنولوجيا الحديثة والوسائل الإلكترونية المتاحة لنشر وفضح أفعال العدو: كالكتابة في المواقع الإلكترونية, والمدونات, وإرسال الرسائل الإلكترونية, والكتابة في المنتديات, ونشر الصور, ولقطات الفيديو, ورسائل المحمول المكتوبة والمصورة.

الحرص على التواصل تليفونيا مع الأهل والأقارب والأصدقاء خارج فلسطين:

لشرح الأوضاع لهم بالتفصيل؛ ومن ثم يمكن نقل هذه المعلومات إلى عموم المسلمين..

سابعًا: تكوين كوادر ذات كفاءة عالية في كل المجالات:

عندما أسّس النبي r دولة الإسلام في المدينة, اصطفى من صحابته الكرام, ذوي العلم والعقل, وطلب من بعض الصحابة تعلم بعض العلوم لاستكمال أركان الدولة وترتيب إدارتها ومراسلة الملوك؛ فأمر زيد بن ثابت بتعلم العبرية والفارسية والسريانية, فتعلمها وأتقنها جميعًا على خير وجه.

والدراسة المتأنية لكتاب الله U, وأحاديث الرسول الكريم r, والقصص والتاريخ, والواقع الذي نعيشه, تُبين لنا -بما لا يدع مجالاً للشك– أن العلم يأتي على رأس العوامل التي تسهم بشكلٍ فاعل في بناء أي أمة[17].

والمتأمل في حال الأمة الإسلامية اليوم؛ يوقن أنها في حاجة ماسة إلى كل جهد علمي بَنَّاء, يدفعها نحو التقدم والرقي, سواء كان هذا الجهد في العلوم الشرعية أم الحياتية؛ فالأمة تحتاج إلى كل الجهود في كل الميادين وفي شتى العلوم: الطب, والهندسة, والفلك, والكيمياء, والفيزياء, والجغرافيا, وعلوم الأرض والنبات, والحيوان, والاقتصاد, والإدارة, والمحاسبة, والتربية, والقانون, وغيرها.

ولما كانت إقامة دولة الإسلام فرض كفاية ينبغي على الأمة أداؤه, كما ينبغي على أهل كل مصر من الأمصار, ولما كان هذا الفرض الواجب لا يتمُّ إلا بسلوك سبيل العلم إلى جانب الجهاد بالنفس- كان على كل فلسطيني أن يعلم أن طلب العلم أحد واجباته طبقًا للقاعدة الأصولية: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"[18].

ومن المعلوم أنه لن يتحقق له بناء الدولة الفلسطينية إلا بكوادر علمية وفنية ذات كفاءات عالية, تدير الدولة, وتحفظ أرضها, وترعى أبناءها, وتنمي ثرواتها.

وقد رأينا كيف استطاع اليهود تجهيز كوادر, غطَّت كل ما تحتاجه الدولة الصهيونية فور الإعلان عنها عام 1948م, ولم يكن ذلك بالتأكيد وليد اللحظة, ولكن سبقه إعداد وتجهيز استغرق عشرات السنين, وفي هذا شاهد وعبرة لنا..

كل هذا يدعونا أن نفهم أن من أهم أدوار أهل فلسطين ما يلي:

الاهتمام بمراحل الدراسة المختلفة:

ورفع المستوى قدر المستطاع وذلك من الابتدائية حتى المستوى الجامعي.

شرح أهمية التفوق الدراسي لكل الفلسطينيين:

وأنه نوع من الجهاد في سبيل الله.

وضع خطة منظمة تكفل وجود كوادر جيدة في كل مجال:

فلا يطغى جانب على جانب, فنحن نحتاج الأطباء والمهندسين والمحامين والتجار وغيرهم وغيرهم من كل الطاقات.

إرسال بعثات إلى الخارج للتعلم والإتقان:

ثم العودة إلى فلسطين مرة أخرى, مع التركيز على الأفراد الذين يفقهون أهمية القضية؛ لكيلا يذهبوا إلى الخارج بلا عودة.

الارتباط بالهيئات العلمية الخارجية:

وسواء كانت عربية أو إسلامية أو عالمية لمتابعة الجديد دومًا في قضايا العلم والابتكار.

 

ثامنًا: إظهار الجلد والصبر والثبات؛ خاصة أمام الأبناء ووسائل الإعلام:

أمر الله U عباده المؤمنين بالصبر والمرابطة في سبيله, والثبات أمام العدو, فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200], وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45].

كما وعد سبحانه المؤمنين من عباده الأرض ميراثًا خالصًا لهم, فقال U: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ[الأنبياء: 105], وقد جاء عن ابن عباس في تأويل المراد بالأرض أنها أرض الأمم الكافرة, ترثها أمة محمد r بالفتوح, وأكثر المفسرين على أن المراد بالعباد الصالحين أمة محمد r[19]؛ ولذا فإن من أوجب واجبات أهل فلسطين ما يلي:

إظهار الثبات والجلد أمام الأطفال :

وضرب المثل والقدوة في قوة العزيمة والإصرار على مواصلة الجهاد حتى تحرير الأرض؛ ليتأكد هذا المعنى في الجيل القادم نفسه.

إظهار الثبات أمام بقية أفراد الشعب الفلسطيني :

وغرس الأمل في النفوس اليائسة؛ فالشعب الفلسطيني هو قدوة كل الشعوب المقهورة الساعية إلى التحرر من ربقة المحتل, وسيستمد العالم العربي والإسلامي من صبر وجلد الشعب الفلسطيني المزيد من الطاقة والأمل للمضي في طريق التحرير.

إظهار الثبات أمام وسائل الإعلام :

وذلك لكي يؤثر هذا سلبًا على العدو الصهيوني, خاصة أمام وسائل الإعلام التي تنقل صورة الوضع في فلسطين إلى مختلف دول العالم, كي لا يشمت الشامتون في هذا الشعب المرابط, يقول الشاعر أبو ذؤيب الهذلي[20]:

وَتَجَلُّدِي للشّامِتِينَ أُرِيهمُ *** أَنّي لِرَيبِ الدّهْرِ لاَ أَتَضَعْضَعُ

ويسبب الهزيمة النفسية للصهاينة؛ حيث سيؤدي إظهار الجلد والصبر أمام وسائل الإعلام إلى تفتيت عزائم الصهاينة وأعوانهم من إمكانية هزيمة هذا الشعب الصابر الأبيّ, وهذا ما حدث جراء قصف غزة في يناير 2009م..

توجيه رسائل إلى الأمة الإسلامية :

سواء عن طريق البريد الإلكتروني أو الإعلام أو بشكل شخصي؛ تُوَضِّح هذا الثبات؛ لكي يرفع هذا من معنويات الأمة ككل.

إبراز النماذج النادرة في الثبات :

والتي من الممكن أن تتخذ قدوة عبر العصور المختلفة مثل:

- "خنساء العصر الحديث" أم نضال فرحات؛ وهي فلسطينية في الخمسينيات من العمر, شامخة كشموخ الجبال, من خير النساء التي شهد بشجاعتها ونضالها الشيخ الجليل أحمد ياسين والرنتيسي وكل المجاهدين الفلسطينيين؛ فهي أم لستة من الأبناء قدَّمت ثلاثة منهم للشهادة والرابع معتقل في سجون العدو الصهيوني وما زالت تُحرِّض باقي أبنائها وأحفادها على الجهاد في سبيل الله[21].

- محمود الزهَّار القيادي في حركة حماس وثباته عند استشهاد ابنه[22].

ومن النماذج الكثيرة التي برزت أثناء قصف غزة ديسمبر 2008م:

- امرأة تُدْعى (زهوة السموني) كانت تعيش مع عائلتها المكوَّنة من (17 فردًا), هم الزوج والأبناء والأحفاد, وقد قام المجرمون الصهاينة بمداهمة منزلها وإطلاق النار على أفراد عائلتها, وهدمت الجرافات منزل العائلة الكائن في حي الزيتون شرق مدينة غزة بعد أن قصفته الطائرات بصاروخ واحد على الأقل كما يروي شهود العيان[23]!!

- وتضرب السيدة (منال الكحلوت) مثلاً آخر في الثبات والصبر؛ حيث فقدت زوجها وثلاثة من أبنائها في قصف صهيوني استهدف سيارة زوجها وهو برفقة أبنائه في طريقهم لجلب الخبز من السوق, وبقيت منال (30 عامًا) مع بناتها الثلاث في المنزل, حيث تلقت صدمة النبأ, واحتسبت زوجها وأبناءها عند الله, شهداء الإجرام الصهيوني[24].

ومع ذلك نجد أبناء غزة جميعًا صابرين محتسبين, مستمسكين بأرضهم, لاجئين إلى الله وحده دون سواه.


[1] محسن صالح, القضية الفلسطينية.. خلفياتها وتطوراتها, سلسلة كتاب القدس (10), مركز الإعلام العربي- القاهرة, ص 13, 14.

[2] الموقع الرسمي لوكالة الغوث الدولية (الأونروا): www.un.org/unrwa.

[3] البخاري عن عبد الله بن عباس: أبواب الإحصار وجزاء الصيد, باب لا يحل القتال بمكة (1737), ومسلم: كتاب الإمارة, باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام... (1353).

[4] مسلم عن أبي هريرة: كتاب الإمارة, باب ذم من مات ولم يغز ولم يُحَدِّث نفسه بالغزو (1910), وأبو داود (2502), والنسائي (2502), وأحمد (8852).

[5] السندي: حاشية السندي على النسائي 6/8.

[6] أنس بن مالك بن النضر الخزرجي الأنصاري: خادم رسول الله r, كان يتسمَّى به ويفتخر بذلك, وخدم النبي r في المدينة وهو ابن عشر سنين, مات سنة ثلاث وتسعين, وله من العمر مائة وثلاثة.. انظر ابن الأثير: أسد الغابة 1/177.

[7] البخاري عن أنس بن مالك: كتاب المغازي, باب نزول النبي r الحجر (4161), ومسلم: كتاب الإمارة, باب ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر (1911).

[8] للمزيد عن التربية والإعداد لتحرير القدس, انظر: ماجد عرسان الكيلاني: هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس, دار القلم, الإمارات العربية المتحدة, ط3, 1423هـ= 2002م.

[9] النسائي عن أبي أمامة الباهلي: كتاب الجهاد, من غزا يلتمس الأجر والذكر (3140), والطبراني: المعجم الكبير (7644), وقال الألباني: حسن صحيح. انظر: صحيح الجامع (1856).

[10] البخاري عن أبي موسى الأشعري: كتاب العلم, باب من سأل وهو قائم عالمًا جالسًا (123), ومسلم: كتاب الإمارة, باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله (1904).

[11] لمزيد من التفاصيل في هذه النقطة: عبد العزيز مصطفى كامل: العلمانيون وفلسطين.. ستون عامًا من الفشل وماذا بعد؟, سلسلة كتاب البيان, ط1, 2008م, مجلة البيان, الرياض.

[12] الترمذي: كتاب الزهد, باب ما جاء في الرياء والسمعة (2382) وقال: هذا حديث حسن غريب. وابن حبان (408) وقال شعيب الأرناءوط: إسناده صحيح. والحاكم (1527) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. وقال الألباني: صحيح. انظر: صحيح الجامع (1713).

[13] انظر: ابن عربشاه: فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء 1/22.

[14] القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 4/164.

[15] البخاري: كتاب الأنبياء, باب  يَزِفُّونَ (الصافات: 94) النسلان في المشي (3186), ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة (520).

[16] البخاري: كتاب المظالم, باب من قاتل دون ماله (2348), ومسلم: كتاب الإيمان, باب الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق.. (141) واللفظ له.

[17] لمزيد من التفصيل: راجع كتاب: العلم وبناء الأمم: راغب السرجاني.

[18] انظر: الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام 1/152, والزركشي: البحر المحيط في أصول الفقه 1/179, وعلي بن عباس البعلي الحنبلي: القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام ص94, وعبد القادر بن أحمد: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل ص67.

[19] القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 11/349, وانظر: الطبري: جامع البيان في تأويل القرآن 18/549, والبغوي: معالم التنزيل 5/358.

[20] عبد القادر بن عمر البغدادي: خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب 1/ 402.

[21] حوار مع موقع إسلام أون لاين, بتاريخ: 15 أبريل 2002م, الرابط: www.islamonline.net

[22] صحيفة فلسطين اليومية, 18 يناير 2008م.

[23] موقع الوكالة الفرنسية للأنباء, 20 يناير 2009م, الرابط: www.afp.com

[24] موقع فضائية العربية الإخبارية, 17 مارس 2009م, الرابط: www.alarabiya.net

Related Posts islamstory...

تعليقات القراء