جهاد نور الدين ضد الصليبيين

الدولة الزنكية في أوج اتساعها تسلم نور الدين محمود بن زنكي القيادة بعد سقوط أبيه، وكان نور الدين مثل أبيه في الشجاعة والحزم والإخلاص والطموح، وزاد على ذلك شدة تقواه وزهده، وسلامة نيته، فقد كان يعتقد بأن الله تعالى قد أوكل إليه مهمة اقتلاع الفرنجة من ديار المسلمين، وتوحيد هذه الديار وأهلها تحت راية واحدة ولهدف جهادي واحد[1].

استهل نور الدين حكمه بالقيام ببعض الهجمات على إمارة أنطاكية الصليبية، واستولى على عدة قلاع في شمال الشام، ثم قضى على محاولة "جوسلين الثاني" لاستعادة الرها التي فتحها عماد الدين زنكي، وكانت هزيمة الصليبيين في الرّها أشد من هزيمتهم الأولى.

وكان نور الدين دائم السعي إلى استمالة القوى الإسلامية المتعددة في شمال العراق والشام وكسب ودها وصداقتها؛ لتستطيع مواجهة العدو الصليبي، فعقد معاهدة مع "معين الدين أنر" حاكم دمشق -رغم ظلمه- سنة (541هـ/ 1147م) وتزوج ابنته، فلما تعرض "أنر" لخطر الصليبيين وكانت تربطه بهم معاهدة وحلف، لم يجد غير نور الدين يستجير به، فخرج إليه، وسارا معًا واستوليا على بصرى وصرخند قبل أن يقعا في يد الصليبيين، ثم غادر نور الدين دمشق؛ حتى يبعث في قلب حاكمها الأمان، وأنه لا يفكر إلا في القضاء على الصليبيين؛ فتوجه إلى حصون إمارة أنطاكية، واستولى على أرتاح وكفر لاثا وبصرفوت.

بعد سقوط إمارة الرها وتحريرها على يد عماد الدين زنكي ذهب وفد من فرنجة الشرق إلى بلاد البابا إيجينيوس الثالث، بعد أن اعتلى العرش البابوي بوقت قصير، كما ذهب وفد آخر من الأرمن يستنهض همم البابوية وملوك الغرب لمحاولة استرداد الرها التي ضاعت منهم.

ونتيجة لتلك المساعي تجمَّع جيش فرنسي كبير قوامه سبعون ألفًا على رأسه لويس السابع ملك فرنسا، وتجمع جيش ألماني قوامه سبعون ألفًا أيضًا على رأسه إمبراطور ألمانيا كونراد الثالث، وشنَّ الجيشان الحملة الصليبية الثانية سنة 542هـ/ 1147م.

اتخذ الجيشان طريقين مختلفين للوصول إلى المشرق العربي، فالجيش الألماني اتخذ طريق البحر، ورست سفنه على شواطئ آسيا الصغرى، ثم عبر البسفور، أمّا الجيش الفرنسي فسار بطريق البر حتى وصل إلى القسطنطينية[2]، ووصل كل من لويس وكونراد وجيوشهما إلى القدس عام 543هـ/ 1148م.

اتفق قواد الحملة الصليبية الثانية على الاتجاه لمحاصرة مدينة دمشق، وأقاموا معسكرهم على تخوم البساتين المحيطة بدمشق، فأرسل معين الدين أَنُر إلى ولاة الأقاليم يطلب منهم إرسال كل من يستغنون عنه من الرجال، كما هرع رسول إلى سيف الدين غازي أمير الموصل، ونور الدين محمود بحلب يطلب منه النجدة، غير أن الموقف لم يلبث أن تحول بصورة حاسمة في الأيام التالية؛ فقد بدأت الإمدادات التي طلبها معين الدين أنر بالتدفق على المدينة عبر أبوابها الشمالية الأمر الذي ساعد معين الدين أنر على شن هجوم مضاد طرد به الفرنج من المنطقة المحيطة بالأسوار، كما توغل رجال دمشق من المجاهدين في الحدائق والبساتين، فانسحب الصليبيون إلى السهل الواقع خارج السور الشرقي ولم تمض سوى فترة قصيرة حتى تبين لقادة الجيوش الصليبية خطأ القرار الذي اتخذوه، فتوافر للمجاهدين في سبيل الله من أبناء دمشق فرصة للانتقال عبر الحقول والبساتين لاصطياد جند الصليبيين والإيقاع بهم، وإلحاق الخسائر الفادحة بهم.

وكان لتدفق الإمدادات على دمشق واقتراب نور الدين محمود بجيشه منها أثره في تصعيد المقاومة ضد الصليبيين حتى بات الجيش الصليبي بكامله محاصرًا وهو الذي جاء لحصار دمشق[3].

لقد بدأ التحول الحاسم لمصلحة المسلمين، وكان الفضل الأول والأخير في هذا التحول لنور الدين محمود وسيف الدين غازي، ولو أن أمير دمشق معين الدين أنر قد قام بدور لا ينكر[4].

وما أن انزاح الخطر عن دمشق حتى سار نور الدين إلى حصن العريمة لإعادة فتحه وانتزاعه من قبضة الصليبيين، فقد أراد برتراند الصغير حاكم تولوز وهو ابن غير شرعي للكونت ألفونسو صاحب طليطلة الذي لم يحتمل أن يرى إمارة طرابلس الوافرة الغنى بيد ابن عم له يدعى ريموند، فحاول انتزاعها منه واتخاذها مقرًّا له وتكوين إمارة صليبية يحكمها، فأرسل ريموند إلى دمشق يطلب الدعم من معين الدين أنر فاستغل معين الدين هذه الفرصة، وأرسل إلى نور الدين محمود الذي استجاب بدوره لتقديم الدعم من أجل قتال الصليبيين، وليس من أجل دعم قضية ريموند حاكم طرابلس.

ونزل نور الدين ومعين الدين بجيشهما فحاصرا حصن العريمة، وتقدم إليه النقابون فنقبوا السور، فاستسلم حينئذٍ مَن به من الصليبيين وملكه المسلمون سنة (543هـ/ 1148م)، وأخذوا كل من فيه من فارس وراجل وصبي وامرأة، وكان برتراند وأخته من نصيب نور الدين، فحملهما إلى حلب حيث أمضيا في الأسر اثنتي عشرة سنة، وقال المسلمون فيهما المثل المعروف: "جاء الحمار يطلب قرنين، فعاد مصلوم الأذنين"[5].

وقد حدث أثناء حصار دمشق أن خرجت قوة عسكرية إسلامية من حلب وأغارت على إمارة أنطاكية، فاستغل ريموند غياب نور الدين محمود عن حلب، وقرر الانقضاض على المدينة، واستعان بالحشيشية الذين يُكنُّون الكراهية لنور الدين.

كان نور الدين آنذاك يهاجم حصن العُريمة، فتوجه بعد فراغه من منازلة الحصن لملاقاة ريموند وذلك في شهر جمادى الأولى عام 543هـ/ شهر سبتمبر عام 1148م، ودارت بين الطرفين رحى معركة قاسية عند مكان يعرف بـ"يغري" إلى الشمال الشرقي من بحيرة العمق انتهت بانتصار نور الدين محمود، وقتل المسلمون عددًا كبيرًا من رجال ريموند ووقع آخرون في الأسر، وأرسل نور الدين محمود بعض الغنائم والأسرى إلى أخيه سيف الدين غازي الأول، وإلى الخليفة العباسي في بغداد، وإلى السلطان مسعود السلجوقي[6].

ثم التقى نور الدين محمود وريموند في السهل الواقع بين إنب ومستنقع الغاب، ودارت بين الجانبين رحى معركة شديدة انتصر فيها المسلمون، وتعرض الجيش الصليبي للدمار، ثم لقي ريموند مصرعه بعد ذلك على يد شيركوه، وأرسل نور الدين محمود رأس ريموند وذراعه اليمنى في صندوق من الفضة هدية إلى الخليفة العباسي في بغداد[7].

وهكذا فشلت الحملة الصليبية الثانية التي كان هدفها استرداد إمارة الرها، وانسحبت جيوش الصليبيين إلى أوروبا وهى تشعر بمرارة الخزي والهزيمة[8]، ولكنها أسدت خدمةً عظيمةً للمسلمين؛ إذ إنها تسببت في إقامة تحالف بين دمشق وحاكمها الضعيف وبين البطل المجاهد نور الدين محمود. وقد أسفر ذلك عن دخول نور الدين محمود دمشق سنة ٥٤٩هـ/ ١١٥٤م برغبة أهلها الذين سئموا ظلم حاكمهم[9].

 

وفاة نور الدين محمود:

وفاة نور الدين محمود قدم نور الدين محمود إلى دمشق في ربيع عام 569هـ/ 1174م لإعداد حملة على مصر، فبعث يطلب العساكر من الموصل والجزيرة الفراتية وديار بكر، لكنَّ الأجل كان له بالمرصاد فتُوفِّي يوم الأربعاء في (11 من شوال عام 569هـ/ 21 من مايو عام 1174م) إثر التهاب لوزتيه وإصابته بالحمى والاختناق نتيجة ذلك[10].

مرحلة انهيار الدولة الزنكية:

 تعتبر وفاة نور الدين محمود بداية النهاية للدولة الزنكية؛ وذلك لأن وفاة نور الدين محمود أثارت مشكلة تقسيم دولته الواسعة بين ورثته، فقد حدث صراع على الملك بين أفراد البيت الزنكي بين سيف الدين غازي الثاني أمير الموصل، وعماد الدين زنكي الثاني أمير سنجار، وحدث صراع آخر موازٍ للصراع السابق بين أقوى اثنين من قادة نور الدين محمود هما شمس الدين علي بن الداية في حلب، وشمس الدين محمد بن عبد الملك المعروف بابن المقدم في دمشق، مما ساعد على تفتيت وحدة الدولة الزنكية.

في ذات الوقت لم يكن بين رجال الأسرة الزنكية من يصلح لأن يكون خلفًا لنور الدين محمود الذي لم يترك سوى ابنٍ طفلٍ في الحادية عشرة من عمره، وابنة صغيرة وزوجة.

حلبإضافةً إلى ذلك لم يستجب أمراء الدولة الزنكية لنصيحة القاضي كمال الدين الشهرزوري بضرورة التعاون مع صلاح الدين والانقياد له؛ خوفًا على مصالحهم[11].

وقد انقسمت دولة نور الدين محمود إلى ثلاث دويلات تركزت كل منها حول واحدة من المدن الرئيسية الموصل وحلب ودمشق، وظلت مصر بحكم هذا الوضع معزولة عن بلاد الشام تحت قيادة صلاح الدين، وبذلك تحولت الجبهة الإسلامية الموحدة إلى أقسام منفصلة يتربص كل منها بالآخر.

وقد تحالف أمراء دمشق مع الصليبيين بزعامة عموري الأول ملك بيت المقدس؛ مما أدَّى إلى سعي صلاح الدين الأيوبي لضم بلاد الشام إلى مصر بعد وفاة نور الدين محمود بهدف استمرار السياسة التي بدأها عماد الدين زنكي، وجرى عليها نور الدين محمود والتي تقضي بتوحيد كلمة المسلمين، والقضاء على الصليبيين[12].


[1] سهيل زكار: حطين مسيرة التحرير من دمشق إلى القدس، الطبعة الأولى، دار حسان للطباعة والنشر، دمشق، 1404هـ/ 1984م، ص69،70.

 [2]مصطفى وهبة: موجز تاريخ الحروب الصليبية، ص32.

[3] بسام العسلي: نور الدين القائد، ص65: 68.

[4] السابق نفسه، ص70.

[5] بسام العسلي: فن الحرب الإسلامي أيام الحروب الصليبية 4/75. بسام العسلي: نور الدين القائد، ص70، 71.

[6] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين، ص260، 261.

[7] السابق نفسه، ص262.

[8] مصطفى وهبة: موجز تاريخ الحروب الصليبية ص32.

[9] محمد سعيد مرسي: عظماء الإسلام عبر أربعة عشر قرنًا من الزمان، ص228.

[10] ابن الأثير: التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية بالموصل، ص161.

[11] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص421، 422.

[12] السابق نفسه، ص422: 427.

 

Related Posts islamstory...

تعليقات القراء