دور الشباب في نهضة الأمة

اهتم الإسلام بالشباب اهتمامًا عظيمًا؛ لأنهم عصب الأمة ورجالها، الذين يحملون عبء الرسالة وإبلاغها إلى العالمين، ولقد قامت نهضة الإسلام من قبل على أكتافهم وسواعدهم.

حول هذه المعاني الراقية تحدث فضيلة الأستاذ الدكتور راغب السرجاني عن دور الشباب في نهضة الأمة، وذلك ضمن فعاليات منتدى النهضة والتواصل الحضاري بدولة السودان الشقيق، والتي كانت في الفترة من 20 إلى 25 مايو 2010م.

حيث بدأ فضيلته في عرض بعض نماذج من الشباب المتميز الذين ساهموا في إثراء التاريخ، وكان لهم أثر كبير في نهضة الأمة الإسلامية على مر العصور واختلاف المجالات، فحُق لهم أن يكونوا نماذج حسنة وقدوة صالحة لشباب الأمة في كل العصور.

ولعل أبرز تلك النماذج هو ذلك الطفل الصغير الذي تربى تربية أبناء الأمراء، ولكن ما لبث إلا أن خطفه الأعداء وبِيع بَيع العبيد، يتناقله تجار الرقيق من بلدة إلى أخرى، حتى انتهى به المقام إلى العيش وسط العبيد، يأكل كما يأكلون ويشرب كما يشربون، ولكن الطفل كان ذا طموح جارف، وثقة بربه، وهدف جليل؛ مما قاده ليكون من أعظم القادة في التاريخ الإسلامي.

والنموذج الثاني مع طفل أحب العلم والعلماء، كم بحثت أمه له عن علماء يجلس تحت أرجلهم فيتربى بتربيتهم، وينهل من معينهم! فشاء الله وقدر أن يتحقق حلم الأم الحنون، فانتهى الأمر بكونه من أعظم فقهاء المسلمين في التاريخ، وإلى أن تقوم الساعة.

والنموذج الثالث لصبي فَقَد بصره في الخامسة من عمره، فظلت أمه تدعو الله أن يرد إليه بصره، ليس ليكون كبقية الصبيان والأطفال، وإنما ليكون عالمًا متعلمًا، فشاء الله وقدر واستجاب لدعوات أمه، فصار شيخًا للمحدثين في تاريخ الإسلام العظيم.

إن هذه اللقطات من حياة هؤلاء العظماء، لهي خير دليل على الهمة العالية التي تمتعوا بها، وذلك الإخلاص الذي تحلوا به، فسيف الدين قطز بطل النموذج الأول، توفاه الله وهو دون الأربعين، ولكنه استطاع بهمته وتقواه أن يحقق ما عجز عنه الكثيرون، حتى قال عنه العز بن عبد السلام: لو قلت ليس هناك من هو أفضل من قطز من زمان عمر بن عبد العزيز لكنت صادقًا. إنه سيف الدين قطز الذي قال قولته الشهيرة: (من للإسلام إن لم نكن نحن).

أمَّا عن الإمام الشافعي -رحمه الله- بطل النموذج الثاني، فقد كان يكتب على الألواح، ويتنقل بين العلماء بهمة عالية بحثًا عن العلم، وقد حباه الله بإمكانيات هائلة، حتى إنه حفظ الموطأ وهو في العاشرة من عمره، وليس ذلك فحسب بل إنه جلس على كرسي الفتيا وهو في الثانية عشرة من عمره، فانتشر مذهبه وذاع صيته في العالم الإسلامي أجمع، فهو أول من أصَّل علم أصول الفقه.

أما عن البطل صاحب النموذج الثالث، فهو جبل الحفظ وإمام وقته أمير أهل الحديث، الذي لم يشهد تاريخ الإسلام مثله في قوة الحفظ ودقة الرواية والصبر على البحث مع قلة الإمكانات، حتى أصبح منارة في الحديث، وفاق تلامذته وشيوخه على السواء، هو الإمام البخاري، صاحب أصح كتاب بعد القرآن الكريم، والذي صنفه في ست عشرة سنة، وجعله حجة فيما بينه وبين الله تعالى، فلا يكاد يستغني أحد عنه، لقد كان -رحمه الله- يحفظ أكثر من مائة ألف حديث، دوّن منها في صحيحه سبعة آلاف فقط، وكان ذا منهج متميز في تخيُّر أحاديثه وقبولها.

ولعلنا نقف وقفة ونتساءل: ما الذي جمع بين هذه النماذج؟ ما الذي جمع بين قطز والبخاري والشافعي؟ وما الذي يجمعهم مع غيرهم من أبناء أمتنا على مر التاريخ؟

ولعل الإجابة لا يختلف عليها اثنان.. فالذي جمعهم هو سمو الهدف وعظمته، فكلما عظم الهدف عظم العمل، وعظمت النتائج، جمعهم حب العلم، والقراءة المستمرة.

إن من أكبر آفات شباب أمتنا الآن أنهم لا يقرءون، ولو قمنا بالبحث عن الأوقات المهدرة في حياة شبابنا لوجدنا الكثير.

كثير من الأوقات تضيع أمام التلفاز، والمباريات، فيذهب العمر سُدى.

إن مشكلة الكثير من شبابنا الآن أنهم لم يجعلوا القراءة ضمن أولوياتهم؛ فقضية بناء الأمة وعزتها لا بد أن تشغل محور اهتمام الشباب، فعلى أكتاف الشباب سادت الأمة العالم، فأول النجاح الذي ينتظر شباب الإسلام هو تعظيم الهدف.

ولعل سؤالاً قد يتبادر الآن إلى الأذهان عن (ماهية النجاح)؛ بعض الناس يعتقد أن النجاح تحقيق قدر معين من المال، أو السلطان، أو بتقدم المؤسسات والأنظمة، أو قدر من التفوق العسكري أو الاقتصادي؛ فالهدف الحقيقي الذي يُقدَّر به مقياس النجاح، هو قوله تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمرن: 185]. فالفوز الحقيقي في دخول جنة الرحمن، وهذا الفوز لن يكون إلا بالتوجُّه إلى الله والاعتماد عليه، وطلب النصر منه سبحانه، فما النصر إلا رزقٌ ينزل من عند الله بقدر، وإلا لماذا انتصر خالد بن الوليد في جميع معاركه؟ الإجابة: لأنه متصل بالله، يقف خالد مع رجل من عامة جيشه، فيقول الرجل: ما أكثر الرومان! فيرد عليه خالد: "اصمت يا رجل، بل قُلْ: ما أقل الرومان وما أكثر المسلمين! إنما يُنصر المسلمون بنصر الله لهم، ويهزمون -أي الرومان- بخذلان الله لهم، والله وددت لو أن الأشقر (فرسه) براء من توجيه، وأنهم أضعفوا في العدد".

إن أهمية مرحلة الشباب تكمن في السؤال عنها مرتين يوم القيامة؛ فعن ابن عمر عن ابن مسعود رضي الله عنهما، عن النبي r قال: "لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم".

فليعمل الشباب وليجتهدوا، وليشحذوا هممهم؛ فنهضة الأمة لن تقوم إلا على أكتافهم.

 

دور الشباب في نهضة الأمة 1من7

Related Posts islamstory...

تعليقات القراء