سقوط الأندلس

مملكة غرناطة ودورها في سقوط إشبيلية

لم يبقَ في الأندلس بعد هزيمة المسلمين في موقعة العقاب من المدن الإسلامية سوى ولاية غرناطة وولاية إشبيلية، وكان حاكم غرناطة قد عقد معاهدة مع ملك قشتالة، وكان من نصوص المعاهدة أن يحارب مع ملك قشتالة أيًّا كانت الدولة التي سيحاربها، ووصل الأمر إلى مساعدة ملك قشتالة في حصار إشبيلية، لتسقط هذه المدينة الإسلامية سنة 646هـ/ 1248م.

سقوط مملكة غرناطة

بعد أن سقطت إشبيلية نقض النصارى الهدنة مع غرناطة، واتجهوا ليحاصروها، ومن ثَمَّ استعان الأندلسيون بيعقوب بن منصور الماريني وولده يوسف ليساعدوهم في الانتصار على النصارى، ولكن أثناء مساعدتهم لهم يشعر الأندلسيون بالخوف على ملكهم منهم؛ فيستعينون بالنصارى ضدهم، ثم يحتلون سبتة في بلاد المغرب،وبذلك انقطعت مساعدات بلاد المغرب للأندلس إلى الأبد.

هذا في الوقت الذي يتزوج فيه فرناندو الثالث ملك أراجون من إيزابيلا وريثةعرش قشتالة، ثم اتحدوا معًا وكونوامملكة إسبانيا، وكان ذلك في سنة 879 هـ/ 1474م، واستغل ملك إسبانيا أوضاع الأندلس واستطاع أن يدخلها صلحًا على أن لا يمسَّ المسلمين، ولكن هذا لم يحدث، فما إن دخلوا الأندلس حتى هجَّروا من فيها من المسلمين، ونصَّروا من ظل بها، وأقاموا محاكم التفتيش للبحث عَمَّن يخفي إسلامه، وأبادوا من بها من المسلمين.

لا بد من الاستفادة من تاريخ الأندلس لننظر لماذا انتهى الإسلام من الأندلس، ولم يبق بها من المسلمين إلا العدد القليل، وكان ذلك بسبب ما فعله الاستعمار الإسباني في بلاد الأندلس من إبادة المسلمين إبادة جماعية، وطردهم وتهجيرهم خارج الأندلس.

وبما أن بالتاريخ العبر والمواعظ، فلا بد أن نستفيد مما حدث بالأندلس، ونرى أن ما يفعلهاليهود الآن من تهجير اليهود إلى أرض فلسطين، وإبادة الشعب الفلسطيني بالقتلوالطرد والتشريد، ما هو إلا تكرار لأندلس جديدة، ويجب أن ننتبه لذلك، ونعرف ما هو دور الشعوب والأفراد في قضية فلسطين حتى لا تصبح أندلسَ أخرى.

 

الوضع الآن هو سقوط دولة الموحدين على إثر موقعة العقاب، ثم سقوط مدن المسلمين الواحدة تلو الأخرى، حتى سقطت قرطبة حاضرة الإسلام وعاصمة الخلافة، وسقطت جيان في سنة 643 هـ= 1245 م.

هذا ولم يبق في الأندلس إلا ولايتان فقط كبيرتان نسبيا، الأولى هي ولاية غرناطة، وتقع في الجنوب الشرقي، وتمثل حوالي 15 % من بلاد الأندلس، والثانية هي ولاية إشبيلية، وتقع في الجنوب الغربي، وتمثل حوالي 10 % من أرض الأندلس.

هاتان الولايتان هما اللتان بقيتا فقط من جملة بلاد الأندلس، وكان من العجيب كما ذكرنا أن يظل الإسلام في بلاد الأندلس بعد هذا الوضع وبعد سقوط قرطبة، وبعد هذا الانهيار الكبير لمدة تقرب من 250 سنة، فكانت هذه علامات استفهام كبيرة، ولا بد من وقفة معها بعض الشيء.

ابن الأحمر وملك قشتالة ومعاهدة الخزي والشنار

في نفس العام التي سقطت فيه جيان، وفيسنة 643 هـ= 1245 م وحماية لحقوق وواجبات مملكة قشتالة النصرانية وولاية غرناطة الإسلامية، يأتي فرناندو الثالث ملك قشتالة ويعاهد ابن الأحمر الذي يتزعم ولاية غرناطة، ويعقد معه معاهدة يضمن له فيها بعض الحقوق ويأخذ عليه بعض الشروط والواجبات.

وقبل أن نتحدث عن بنود هذه الاتفاقية وتلك المعاهدة، نتعرف أولا على أحد طرفي هذه المعاهدة وهو ابن الأحمر، فهو محمد بن يوسف بن نصر بن الأحمر، والذي ينتهي نسبه إلى سعد بن عبادة الخزرجي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن شتّان بين محمد بن يوسف بن نصر بن الأحمر هذا، وبين سعد بن عبادة الخزرجي، وقد سُمّي بابن الأحمر لاحمرار لون شعره، ولم يكن هذا اسما له، بل لقبا له ولأبنائه من بعده حتى نهاية حكم المسلمين في غرناطة.

وكانت بنود المعاهدة التي تمت بين ملك قشتالة وبين محمد بن يوسف بن نصر بن الأحمر هذا هي:

أولا: أن يدفع ابن الأحمر الجزية إلى ملك قشتالة، وكانت مائة وخمسين ألف دينار من الذهب سنويا، وكان هذا تجسيدا لحال الأمة الإسلامية، وتعبيرا عن مدى التهاوي والسقوط الذريع بعد أفول نجم دولة الموحدين القوية المهابة، والتي كانت قد فرضت سيطرتها على أطراف كثيرة من بلاد الأندلس وإفريقيا.

ثانيا: أن يحضر بلاطه كأحد ولاته على البلاد، وفي هذا تكون غرناطة تابعة لقشتالة ضمنيا.

ثالثا: أن يحكم غرناطة باسم ملك قشتالة علانية، وبهذا يكون ملك قشتالة قد أتم وضمن تبعية غرناطة له تماما.

رابعا: أن يسلمه ما بقي من حصون جيّان- المدينة التي سقطت أخيرا- وأرجونه وغرب الجزيرة الخضراء حتى طرف الغار، وحصون أخرى كثيرة تقع كلها في غرب غرناطة، وبذلك يكون ابن الأحمر قد سلم لفرناندو الثالث ملك قشتالة مواقع في غاية الأهمية تحيط بغرناطة نفسها.

خامسا: وهو أمر في غاية الخطورة، وهو أن يساعده في حروبه ضد أعدائه إذا احتاج إلى ذلك، أي أن ابن الأحمر يشترك مع ملك قشتالة في حروب ملك قشتالة التي يخوضها أيا كانت الدولة التي يحاربها.

محاكم التفتيش وأهوال تشيب لها الولدان

"هدفت إلى تنصير المسلمين بإشراف السلطات الكنسية، وبأشد وسائل العنف، ولم تكن العهود التي قطعت للمسلمين لتحول دون النزعة الصليبية، التي أسبغت على السياسة الإسبانية الغادرة ثوب الدين والورع، ولما رفض المسلمون عقائد النصارى ودينهم المنحرف وامتنعوا عنه وكافحوه، اعتبرهم نصارى الإسبان ثوارًا وعملاء لجهات خارجية في المغرب والقاهرة والقسطنطينية، وبدأ القتل فيهم وجاهد المسلمون ببسالة في غرناطة والبيازين والبشرات، فمزقوا بلا رأفة ولا شفقة ولا رحمة، وفي يوليو 1501 م= ذي الحجة 906 هـ أصدر الملكان الكاثوليكيان أمرًا خلاصته "أنه لما كان الله قد اختارهما لتطهير مملكة غرناطة من الكفرة، فإنه يحظر وجود المسلمين فيها، ويعاقب المخالفون بالموت أو مصادرة الأموال". (دولة الموحدين - الصلابي نقلًا عن مصادر أخرى)

لم يقف الأمر عند حد التهجير والتنصير، وإنما تلى ذلك أن قام رئيس الأساقفة الأسباني كان يُدعى كِنِّيس وكان صليبيا حاقدا قام بحرق ثمانين ألف كتاب إسلامي من مكتبة قرطبة وإشبيلية وغرناطة في يوم واحد.

وهو نفسه الذي قام بعد ذلك بما سُمّي في التاريخ بمحاكم التفتيش؛ وذلك للبحث عن المسلمين الذين ادّعوا النصرانية وأخفوا الإسلام، فكانوا إذا وجدوا رجلا يدّعي النصرانية ويخفي إسلامه، كأن يجدوا في بيته مصحفا، أو يجدوه يصلي، أو كان لا يشرب خمرا، أقاموا عليه الحدود المغلظة، فكانوا يلقون بهم في السجون، ويعذبونهم عذابا لا يخطر على بال بشر، فكانوا يملأون بطونهم بالماء حتى الاختناق، وكانوا يضعون في أجسادهم أسياخا محمية، وكانوا يسحقون عظامهم بآلات ضاغطة، وكانوا يمزقون الأرجل ويفسخون الفك، وكان لهم توابيت مغلقة بها مسامير حديدية ضخمة تنغرس في جسم المعذب تدريجيا، وأيضا أحواض يقيّد فيها الرجل ثم يسقط عليه الماء قطرة قطرة حتى يملأ الحوض ويموت.

كانوا أيضا يقومون بدفنهم أحياء، ويجلدونهم بسياط من حديد شائك، وكانوا يقطعون اللسان بآلات خاصة.

كل هذه الآلات الفتاكة وغيرها شاهدها جنود نابليون حين فتحوا أسبانيا بعد ذلك، وقد صوروها في كتاباتهم، وعبروا عن شناعتها بأنهم كانوا يصابون بالغثيان والقيء، بل والإغماء من مجرد تخيل أن هذه الآلات كان يُعذّب بها بشر، وقد كان يُعذّب بها مسلمون، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.

"ومما يذكر.. أن هناك عذابًا اختص به النساء وهو تعرية المرأة إلا ما يستر عورتها، وكانوا يضعون المرأة في مقبرة مهجورة ويُجلسونها على قبر من لقبور، يضعون رأسها بين ركتيها ويشدون وثاقها، وهي على هذه الحالة السيئة، ولا يمكنها الحراك، وكانوا يربطونها إلى القبر بسلاسل حديدية، ويرخزن شعرها فيجللها وتظهر لمن يراها عن كثب كأنما هي جنّية لا سيما إذا ما أرخى الليل سدوله، وتُترك المسكينة على هذه الحال إلى أن تجن أو تموت جوعًا ورعبًا.

لقد قام النصارى بإجبار المسلمين على الدخول في دينهم، وصارت الأندلس كلها نصرانية، ولم يبق فيها من يقول لا إله إلا الله، محمد رسول الله. إلا من يقولها في قلبه وفي خفية من الناس، وجعلت النواقيس في صوامعها بعد الأذان، وفي مساجدها الصور والصلبان بعد ذكر الله وتلاوة القرآن، فكم فيها من عين باكية وقلب حزين، وكم فيها من الضعفاء والمعذورين، لم يقدوا على الهجرة واللحاق بإخوانهم المسلمين، قلوبهم تشتعل نارًا، ودموعهم تسيل سيلاً غزيرًا، وينظرون إلى أولادهم وبناتهم يعبدون الصلبان، ويسجدون للأوثان، ويأكلون الخنزير والميتات، ويشربون الخمر التي هي أم الخبائث والمنكرات، فلا يقدرون على منعهم ولا على نهيهم، ومن فعل ذلك عوقب بأشد العقاب، فيا لها من فجيعة ما أمرها! ومصيبة ما أعظمها وطامة ما أكبرها...

لقد كانت محاكم التفتيش والتحقيق مضرب المثل في الظلم والقهر والتعذيب.

كانت تلك المحاكم والدواوين تلاحق المسلمين حتى تظفر بهم بأساليب بشعة تقشعر لها القلوب والأبدان.

فإذا عُلم أن رجلًا اغتسل يوم الجمعة يصدر في حقه حكم بالموت، وإذا وجدوا رجلا لابسًا للزينة يوم العيد عرفوا أنه مسلم فيصدر في حقه الإعدام.

لقد تابع النصارى الصليبيون المسلمين، حتى إنهم كانوا يكشفون عورة من يشكون أنه مسلم فإذا وجدوه مختونًا أو كان أحد عائلته كذلك فليعلم أنه الموت ونهايته هو وأسرته.

وكان دستور محاكم التفتيش في ديوان التحقيق يجيز محاكمة الموتى والغائبين وتصدر الأحكام في حقهم وتوقع العقوبات عليهم كالأحياء. فتصادر أموالهم وتعمل لهم تماثيل تنفذ فيها عقوبة الحرق. أو نبش قبورهم وتستخرج رفاتهم لتحرق في موكب "الأوتودافي" وذلك يتعدى أثر الأحكام الصادرة باإدانة من المحكوم عليه إلى أسرته وولده فيقضى بحرمانهم من تولي الوظائف العامة وامتهان بعض المهن الخاصة". (دولة الموحدين - الصلابي نقلًا عن مصادر أخرى)

وبعد مرور أربعة قرون على سقوط الأندلس، أرسل نابليون حملته إلى أسبانيا وأصدر مرسوماً سنة 1808 م بإلغاء دواوين التفتيش في المملكة الأسبانية.

ولنستمع إلى هذه القصة التي يرويها لنا أحد ضباط الجيش الفرنسي الذي دخل إلى إسبانيا بعد الثورة الفرنسية ( كتب (الكولونيل ليموتسكي) أحد ضباط الحملة الفرنسية في إسبانيا قال: " كنت سنة 1809 ملحقاً بالجيش الفرنسي الذي يقاتل في إسبانيا وكانت فرقتي بين فرق الجيش الذي احتل (مدريد) العاصمة وكان الإمبراطور نابيلون أصدر مرسوماً سنة 1808 بإلغاء دواوين التفتيش في المملكة الإسبانية غير أن هذا الأمر أهمل العمل به للحالة والإضطرابات السياسية التي سادت وقتئذ.

وصمم الرهبان الجزوبت أصحاب الديوان الملغى على قتل وتعذيب كل فرنسي يقع في أيديهم انتقاماً من القرار الصادر وإلقاءً للرعب في قلوب الفرنسيين حتى يضطروا إلى إخلاء البلاد فيخلوا لهم الجو.

وبينما أسير في إحدى الليالي اجتاز شارعاً يقل المرور فيه من شوارع مدريد إذ باثنين مسلحين قد هجما عليّ يبغيان قتلي فدافعت عن حياتي دفاعاً شديداً ولم ينجني من القتل إلا قدوم سرية من جيشنا مكلفة بالتطواف في المدينة وهي كوكبة من الفرسان تحمل المصابيح وتبيت الليل ساهرة على حفظ النظام فما أن شاهدها القاتلان حتى لاذا بالهرب. وتبين من ملابسهما أنهما من جنود ديوان التفتيش فأسرعت إلى (المارشال سولت) الحاكم العسكري لمدريد وقصصت عليه النبأ وقال لا شك بأن من يقتل من جنودنا كل ليلة إنما هو من صنع أولئك الأشرار لا بد من معاقبتهم وتنفيذ قرار الإمبراطور بحل ديوانهم والآن خذ معك ألف جندي وأربع مدافع وهاجم دير الديوان واقبض على هؤلاء الرهبان الأبالسة.. "

حدث إطلاق نار من اليسوعيين حتى دخلوا عنوة ثم يتابع قائلاً " أصدرتُ الأمر لجنودي بالقبض على أولئك القساوسة جميعاً وعلى جنودهم الحراس توطئة لتقديمهم إلى مجلس عسكري ثم أخذنا نبحث بين قاعات وكراس هزازة وسجاجيد فارسية وصور ومكاتب كبيرة وقد صنعت أرض هذه الغرفة من الخشب المصقول المدهون بالشمع وكان شذى العطر يعبق أرجاء الغرف فتبدو الساحة كلها أشبه بأبهاء القصور الفخمة التي لا يسكنها إلا ملوك قصروا حياتهم على الترف واللهو، وعلمنا بعد أنَّ تلك الروائح المعطرة تنبعث من شمع يوقد أمام صور الرهبان ويظهر أن هذا الشمع قد خلط به ماء الورد ".

وكادت جهودنا تذهب سدى ونحن نحاول العثور على قاعات التعذيب، إننا فحصنا الدير وممراته وأقبيته كلها. فلم نجد شيئاً يدل على وجود ديوان للتفتيش. فعزمنا على الخروج من الدير يائسين، كان الرهبان أثناء التفتيش يقسمون ويؤكدون أن ما شاع عن ديرهم ليس إلا تهماً باطلة، وأنشأ زعيمهم يؤكد لنا براءته وبراءة أتباعه بصوت خافت وهو خاشع الرأس، توشك عيناه أن تطفر بالدموع، فأعطيت الأوامر للجنود بالاستعداد لمغادرة الدير، لكن اللفتنانت "دي ليل" استمهلني قائلاً: أيسمح لي الكولونيل أن أخبره أن مهمتنا لم تنته حتى الآن؟!!. قلت له: فتشنا الدير كله، ولم نكتشف شيئاً مريباً. فماذا تريد يا لفتنانت؟!.. قال: إنني أرغب أن أفحص أرضية هذه الغرف فإن قلبي يحدثني بأن السر تحتها.

عند ذلك نظر الرهبان إلينا نظرات قلقة، فأذنت للضابط بالبحث، فأمر الجنود أن يرفعوا السجاجيد الفاخرة عن الأرض، ثم أمرهم أن يصبوا الماء بكثرة في أرض كل غرفة على حدة – وكنا نرقب الماء – فإذا بالأرض قد ابتلعته في إحدى الغرف. فصفق الضابط "دي ليل" من شدة فرحه، وقال ها هو الباب، انظروا، فنظرنا فإذا بالباب قد انكشف، كان قطعة من أرض الغرفة، يُفتح بطريقة ماكرة بواسطة حلقة صغيرة وضعت إلى جانب رجل مكتب رئيس الدير.

أخذ الجنود يكسرون الباب بقحوف البنادق، فاصفرت وجوه الرهبان، وعلتها الغبرة.

وفُتح الباب، فظهر لنا سلم يؤدي إلى باطن الأرض، فأسرعت إلى شمعة كبيرة يزيد طولها على متر، كانت تضئ أمام صورة أحد رؤساء محاكم التفتيش السابقين، ولما هممت بالنزول، وضع راهب يسوعى يده على كتفي متلطفاً، وقال لي: يابني: لا تحمل هذه الشمعة بيدك الملوثة بدم القتال، إنها شمعة مقدسة.

قلت له، يا هذا إنه لا يليق بيدي أن تتنجس بلمس شمعتكم الملطخة بدم الأبرياء، وسنرى من النجس فينا، ومن القاتل السفاك!؟!.

وهبطت على درج السلم يتبعني سائر الضباط والجنود، شاهرين سيوفهم حتى وصلنا إلى آخر الدرج، فإذا نحن في غرفة كبيرة مرعبة، وهي عندهم قاعة المحكمة، في وسطها عمود من الرخام، به حلقة حديدية ضخمة، وربطت بها سلاسل من أجل تقييد المحاكمين بها.

وأمام هذا العمود كانت المصطبة التي يجلس عليها رئيس ديوان التفتيش والقضاة لمحاكمة الأبرياء. ثم توجهنا إلى غرف التعذيب وتمزيق الأجسام البشرية التي امتدت على مسافات كبيرة تحت الأرض.

رأيت فيها ما يستفز نفسي، ويدعوني إلى القشعريرة والتـقزز طوال حياتي.

رأينا غرفاً صغيرةً في حجم جسم الإنسان، بعضها عمودي وبعضها أفقي، فيبقى سجين الغرف العمودية واقفاً على رجليه مدة سجنه حتى يموت، ويبقى سجين الغرف الأفقية ممداً بها حتى الموت، وتبقى الجثث في السجن الضيق حتى تبلى، ويتساقط اللحم عن العظم، وتأكله الديدان، ولتصريف الروائح الكريهة المنبعثة من جثث الموتى فتحوا نافذة صغيرة إلى الفضاء الخارجي.

وقد عثرنا في هذه الغرف على هياكل بشرية ما زالت في أغلالها.

كان السجناء رجالاً ونساءً، تتراوح أعمارهم ما بين الرابعة عشرة والسبعين، وقد استطعنا إنقاذ عدد من السجناء الأحياء، وتحطيم أغلالهم، وهم في الرمق الأخير من الحياة.

كان بعضهم قد أصابه الجنون من كثرة ما صبوا عليه من عذاب، وكان السجناء جميعاً عرايا، حتى اضطر جنودنا إلى أن يخلعوا أرديتهم ويستروا بها بعض السجناء.

أخرجنا السجناء إلى النور تدريجياً حتى لا تذهب أبصارهم، كانوا يبكون فرحاً، وهم يقبّلون أيدي الجنود وأرجلهم الذين أنقذوهم من العذاب الرهيب، وأعادوهم إلى الحياة، كان مشهداً يبكي الصخور.

ثم انتقلنا إلى غرف أخرى، فرأينا فيها ما تقشعر لهوله الأبدان، عثرنا على آلات رهيبة للتعذيب، منها آلات لتكسير العظام، وسحق الجسم البشري، كانوا يبدؤون بسحق عظام الأرجل، ثم عظام الصدر والرأس واليدين تدريجيا، حتى يهشم الجسم كله، ويخرج من الجانب الآخر كتلة من العظام المسحوقة، والدماء الممزوجة باللحم المفروم، هكذا كانوا يفعلون بالسجناء الأبرياء المساكين، ثم عثرنا على صندوقٍ في حجم جسم رأس الإنسان تماماً، يوضع فيه رأس الذي يريدون تعذيبه بعد أن يربطوا يديه ورجليه بالسلاسل والأغلال حتى لا يستطيع الحركة، وفي أعلى الصندوق ثقب تتقاطر منه نقط الماء البارد على رأس المسكين بانتظام، في كل دقيقة نقطة، وقد جُنّ الكثيرون من هذا اللون من العذاب، ويبقى المعذب على حاله تلك حتى يموت.

وآلة أخرى للتعذيب على شكل تابوت تثبت فيه سكاكين حادة.

كانوا يلقون الشاب المعذب في هذا التابوت، ثم يطبقون بابه بسكاكينه وخناجره. فإذا أغلق مزق جسم المعذب المسكين، وقطعه إرباً إرباً.

كما عثرنا على آلات كالكلاليب تغرز في لسان المعذب ثم تشد ليخرج اللسان معها، ليقص قطعة قطعة، وكلاليب تغرس في أثداء النساء وتسحب بعنفٍ حتى تتقطع الأثداء أو تبتر بالسكاكين.

وعثرنا على سياط من الحديد الشائك يُضرب بها المعذبون وهم عراة حتى تتفتت عظامهم، وتتناثر لحومهم.

وصل الخبر إلى مدريد فهب الألوف ليروا وسائل التعذيب فأمسكوا برئيس اليسوعيين ووضعوه في آلة تكسير العظام فدقت عظامه دقاً وسحقها سحقاً وأمسكوا كاتم سره وزفوه إلى السيدة الجميلة وأطبقوا عليه الأبواب فمزقته السكاكين شر ممزق ثم أخرجوا الجثتين وفعلوا بسائر العصابة وبقية الرهبان كذلك. ولم تمض نصف ساعة حتى قضى الشعب على حياة ثلاثة عشر راهباً ثم أخذ ينهب ما بالدير...

تاريخ الأندلس ووقفة معتبر

على طول الدراسة السابقة كان تاريخ الأندلس يحوي أكثر من ثمانمائة عام، الأمر الذي ينبغي على المسلمين أن يقفوا معه وقفات ووقفات، يأخذون منه العبرة والدرس، ويكررون ما حدث فيه من أفعال العظماء، وفي ذات الوقت يتجنبون أفعال الأقزام، تلك التي أدت إلى هذه الحال التي رأيناها آخر عهود الأندلس وفترات السقوط.

بداية لم يكن سقوط الأندلس بالسقوط المفاجئ، فقد كان هذا متوقعا منذ أكثر من مائتي عام، إلا أنها وبمدد من بني مارين مرة، وبخلاف النصارى مرة أخرى مع بعضهم البعض، صمدت وصبرت بعض الشيء، لكن الذي حدث في النهاية هو الذي كان متوقعا.

وهنا لا بد لنا من وقفة على أسباب هذا الانهيار والتي كان من شأنها أنها ما إن تكررت في أيٍ من الأزمان أو الأوقات، وفي أيٍ من البلدان أو القارات، فإنها ولا شك ستعمل عملها، وتكون العاقبة والنتيجة من نفس العاقبة وتلك النتيجة.

الدرس الأول:

سقوط وضياع غرناطة.. العوامل والأسباب

كانت عوامل انحدار وسقوط وضياع الأمم قد تشابهت وإلى حد كبير في كل فترات الضعف في تاريخ الأندلس، وهذه العوامل نفسها قد زادت وبشدة في فترة غرناطة؛ ولذلك كان السقوط كاملا وحاسما، وكان من هذه العوامل ما يلي:

العامل الأول:

كان الإغراق في الترف، والركون إلى الدنيا وملذاتها وشهواتها، والخنوع والدعة والميوعة، هي أولى العوامل التي أدت إلى تلك النهاية المؤلمة، وقد ارتبطت كثيرا فترات الهبوط والسقوط بكثرة الأموال والانغماس في الملذات، والميوعة الشديدة في شباب الأمة، والانحطاط الكبير في الأهداف، قال تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ(11)فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ(12)لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} [الأنبياء:11،12،13].

وهكذا يا أهل غرناطة، أين ستذهبون؟ وإلى أين ستركضون؟ ارجعوا إلى قصر الحمراء، وارجعوا إلى مساكنكم وما أترفتم فيه، وسلموا هذه البلاد إلى النصارى، وتذوقوا الذُلّ كما لم تعملوا للعزة وللكرامة.

ولننظر إلى ذاك الرجل الذي كان يرثي سقوط غرناطة، ولنعي ما يقول في شعره الذي كان يعد كما ذكرنا إعلام هذا العصر الذي يُحَفّز الناس على أفكار معينة، يقول يرثي غرناطة:

غرناطة يا أجمل المدن

لن تَسريَ بعد اليوم نغمات العود الناعمة

في شوارعك المُقمرة

ولن تُسمع ألحان العُشّاق

تحت قصورك العالية

وستسكت دقات الصنوج المرحة

التي كانت تتناغم فوق تلالك الخصبة

وستقف الرقصات الجميلة

تحت عرائشك الوريفة

واحسرتاه

لن يستمع عربي بعد اليوم إلى البلابل

تصدح في مروجك الفسيحة

ولن يُستَروح أريج الريحان وأزهار البرتقال

في ربوعك المؤنسة

لأن نور الحمراء أُطفئ إلى الأبد

فحتى بعد هذا السقوط الشنيع لغرناطة يقف هذا الرجل وبهذه الكلمات الفجة يرثيها، هذا ما كان يهمه في هذه البلاد، لا يهمه الثغور التي خرجت منها الجيوش تجاهد في سبيل الله، ولا يهمه المكتبات التي أُحرقت، ولا المساجد التي دُنّست وحُولت إلى كنائس، بل لا يهمه المسلمون الذين قُتلوا بأيدي النصارى.

فلننظر إلى مثل هذا ونقارنه بأحوال الشباب الذين انحطتّ أهدافهم، حتى أصبح حلم حياتهم أن يُحدّث فتاة من الفتيات أو يخرج معها، أو يبادلها حبا غير مشروع لا يرتضيه هو لأخته أو لابنته.

لننظر حين يُصَوّر مثل هذا الشعر هذا الحب على أنه أسمى درجات الحب، فيضحي الرجل من أجله، ويسمو عنده فوق كل حب، حتى يسمو عنده فوق حب الدين وحب الله وحب رسوله وحب الجهاد وحب الوالدين وحب الوطن وحب الفضيلة، بل وقد يضحي بحياته انتحارا إذا فارق محبوبه.

فأي انحدار هذا؟! وأي انحطاط هذا؟! وأي سفاهة وأي تفاهة أكبر من هذا؟ وقد قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ[التوبة:24].

وليس ببعيد عنا ما فعله زرياب وأمثال زرياب في تاريخ الأندلس، وكيف قادوا الشباب إلى هذه الميوعة التي أسقطتها في النهاية وإلى الأبد.

العامل الثاني:

ترك الجهاد في سبيل الله، وهو أمر ملازم لمن أُغرق في الترف؛ فالجهاد سنة ماضية إلى يوم القيامة، وقد شرعه الله ليعيش المسلمون في عزة ويموتون في عزة، ثم يدخلون بعد ذلك الجنّة ويُخلّدون فيها.

وإن الناظر إلى عهد الأندلس ليتساءل: أين أولئك الذين كانوا يجاهدون في حياتهم مرة أو مرتين كل عام، وبصفة مستمرة ودائمة؟! أين يوسف بن تاشفين، وأين أبو بكر بن عمر اللمتوني؟ وأين الحاجب المنصور؟ وأين عبد الرحمن الناصر وغيرهم؟

وإنها لعبرة وعظة حين ننظر إلى ملوك غرناطة، ومن كان على شاكلتهم حين ذُلوا وأُهينو لما تركوا الجهاد في سبيل الله، يقول تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ(38)إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[التوبة:38،39].

وقد يظن البعض أنه يجب على الملتزمين بالمنهج الإسلامي أن يضحوا بأرواحهم ويظلوا يعيشون حياة الضنك والتعب والألم في الدنيا؛ وذلك حتى يصلوا إلى الآخرة، وإن حقيقة الأمر على عكس ذلك تماما؛ إذ لو عاش المسلمون الملتزمون بمنهج الإسلام على الجهاد لعاشوا في عزة ومجد، وفي سلطان وملك من الدنيا عريض، ثم لهم في الآخرة الجنّة خالدين فيها بإذن الله.

العامل الثالث:

يتبع العامليْن السابقين عامل الإسراف في المعاصي، فجيش المسلمين لا يُنصَر بالقوة ولا بالعدد والسلاح، لكنه يُنصر بالتقوى، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنكم لا تُنصرون على عدوكم بقوتكم ولا عُدتكم، ولكن تُنصرون عليه بطاعتكم لربكم ومعصيتهم له، فإن تساويتم في المعصية كانت لهم الغلبة عليكم بقوة العُدّة والعتاد.

فإذا بعُد المسلمون عن دين ربهم، وإذا هجروا نهج رسولهم صلى الله عليه وسلم كُتب عليهم الهلكة والذلّة والصغار، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ؛ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ».

وإذا كان هذا حال محقّرات الذنوب، تلك التي يستحقرها العبد من فرط هوانها، فما تزال تجتمع عليه حتى تهلكه، فما البال وما الخطب بكبائر الذنوب من ترك الصلاة، والزنا، والتعامل بالربا، وشرب الخمور، والسب واللعن، وأكل المال الحرام، فأي نصر يُرجى ويُتَوقّع بعد هذا.

كانت هذه هي أهم عوامل السقوط في دولة الأندلس، وهناك غيرها الكثير مثل:

- الفُرقَة والتَشرذُم.

- موالاة النصارى واليهود والمشركين.

وقد قال سبحانه وتعالى:{وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة:120]. وقال أيضا: {لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ[التوبة:10]. وأيضا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ[المائدة:51]. وآيات غيرها كثير.

- توسيد الأمر لغير أهله

وكان ذلك واضحا جدا خاصة في ولاية هشام بن الحكم، وولاية الناصر بعد أبيه يعقوب المنصور الموحدي، وأيضا ولاية جميع أبناء الأحمر في ولاية غرناطة.

- الجهل بالدين

وقد وضح جيدا قيمة العلم والعلماء في زمن عبد الله بن ياسين، وزمن الحَكم بن عبد الرحمن الناصر، وما حدث في عهدهما من قوّة بعد هذا العلم، ووضح أيضا أثر الجهل في نهاية عهد المرابطين، وفي عهد دولة الموحدين، حيث انتشر الجهل بين الناس، وسادت بينهم آراء ومعتقدات غريبة وعجيبة، كان من ذلك أيضا ما حدث من الجهل بأمر الشورى، والذي هو أصل من الأصول التي يجب أن يحكم بها المسلمون، وكيف اعتدوا بآرائهم، وكيف قبل الناس ذلك منهم؟!

ومثل أيضا ما كان من غزو محمد بن الأحمر الأول لإشبيليّلة، وقد تبعه الناس في ذلك ظنا منهم أنهم على صواب، وأنهم أصحاب رسالة وفضيلة، وأيّ جهل بالدين أكثر من هذا؟!

الدرس الثاني: أمل النصر لا تخبو جذوته أبدا

بعد الدرس الأول والوقوف على عوامل وأسباب السقوط كان هذا الدرس الثاني، وهو ما نستقيه من تاريخ الأندلس، حيث إنه لا يغيب الأمل أبدا في نصر الله، فإن الله دائما ما يقيض لهذه الأمة من ينصرها، ومن يجدد لها أمر دينها.

وقد حدث مثل ذلك كثيرا في تاريخ الأنلس، كان منه ما حدث في نهاية عهد الولاة، وذلك بقيام عبد الرحمن الداخل، ثم ما حدث أيضا في نهاية الإمارة الأموية على يد عبد الرحمن الناصر، وهكذا في كل عهد تجد من يجدد لهذه الأمة أمر دينها، تجد يوسف بن تاشفين، وتجد يعقوب المنصور الموحدي، وتجد يعقوب المنصور الماريني، وغيرهم الكثير.

وقد يتساءل البعض قائلا: لقد انتهى الإسلام من بلاد الأندلس بالكلية، فأين ذاك القيام، الذي من المفترض أن يكون بعد هذا الانتهاء، طالما كانت قد جرت السنة على ذلك؟!

وفي معرض الرد على مثل هذا السؤال نسوق حدثا في غاية الغرابة، فقد حدث قبل سقوط الأندلس الأخير بنحو أربعين سنة حادثا عجيبا، وأعجب منه هذا التزامن الذي فيه، فقد فُتحت القسطنطينية في سنة 857 هـ= 1453 م أي قبل سقوط الأندلس بأربعين عاما، فكان غروب شمس الإسلام على أوروبا من ناحية المغرب يزامنه شروق جديد عليها من ناحية المشرق، واستبدل الله هؤلاء الذين باعوا، وأولئك الذين خانوا من ملوك غرناطة في الأندلس بغيرهم من العثمانيين المجاهدين الفاتحين الأبرار، الذين فتحوا القسطنطينية وما بعدها، وقد بدأ الإسلام ينتشر في شرق أوروبا انتشارا أسرع وأوسع مما كان عليه في بلاد الأندلس وفرنسا.

وإنها وأيم الله لآية من آيات الله سبحانه وتعالى تبعث الأمل وتبثه في نفوس المسلمين في كل وقت وكل حين، مبشرة ولسان حالها: أمة الإسلام أمة لا تموت.

الدرس الثالث: فلسطين اليوم أندلس البارحة

كان الدرس الثالث من تاريخ الأندلس هو الأخطر من نوعه، وتبدو معالمه في سؤال ربما يكون قد شغل أذهان البعض كثيرا، وهو: لماذا انتهى الإسلام بالكليّة من بلاد الأندلس؟!

فبلاد الأندلس (أسبانيا والبرتغال) هي اليوم من أقل بلاد العالم في عدد المسلمين، والذين بلغ عددهم فيها مائة ألف مسلم فقط، أي أقل من عدد المسلمين في مدينة من مدن أمريكا.

ففي مدينة دالاس الأمريكية وحدها يصل عدد المسلمين إلى مائة ألف مسلم، وهي بعد لم تكن قد حكمت بالإسلام، بينما تعداد المسلمين في شبه الجزيرة الأيبيرية (أسبانيا والبرتغال) وبعد أن حُكمت ثمانية قرون بالإسلام لا يزيد عن مائة ألف مسلم، وهو أمر في غاية الغرابة.

ومن هنا كان هذا السؤال: لماذا انتهى الإسلام من بلاد الأندلس بالكليّة كأفراد وشعوب ولم ينته من البلاد الأخرى، والتي استُعمرت استعمارا صليبيا، طال أمده في بعض الدول مثل الجزائر التي احتُلت ثلاثين ومائة سنة، ومصر التي احتُلت سبعين سنة، وفلسطين احتُلت مائتي سنة في زمن الصليبيين، وغيرها من الدول الإسلامية التي غُلبت على أمرها، ورغم ذلك لم يندثر المسلمون أيا كانت طريقة اندثارهم ولم يتغيروا، وظلوا مسلمين وإلى الآن؟!

وللإجابة على هذا التساؤل لننظر أولا ما كان يفعله الاستعمار الأسباني في بلاد الأندلس، فقد كان الاستعمار الأسباني استعمارا استيطانيا إحلاليا، ما إن يدخلوا بلدا إلا قتلوا كل من فيه من المسلمين في حرب إبادة جماعية، أو يطردونهم ويهجّرونهم إلى خارج البلد، ثم يُهجّروا إليها من النصارى من أماكن مختلفة من الأندلس وفرنسا من يحل ويعيش في هذه المدن وتلك الأماكن التي خلفها المسلمون، وبذلك لم يعد يبقى في البلاد مسلمون.

وحكم البلاد وعاش فيها بعد ذلك نصارى وأبناء نصارى، على عكس ما كان يحدث في احتلال البلاد الإسلامية الأخرى مثل مصر والجزائر وليبيا وسوريا وغيرها، فإن الاحتلال في هذه البلاد كان بالجيوش لا بالشعوب، واحتلال الجيوش ولا شك مصيره إلى ردة وزوال.

وإن مثل هذا ليضع أيدينا على شيء هو في غاية الأهمية، ذلك أن الاحتلال الاستيطاني هذا الذي حدث في بلاد الأندلس لم يتكرر في أيٍ من بلاد العالم إلا في مكان واحد فقط، وهو أيضا يخص المسلمين، وهو فلسطين.

وإن ما يحدث الآن فيها وعلى أرضها ما هو إلا تكرار لأندلس جديدة، ما يفعله اليهود الآن من تهجير اليهود إلى أرض فلسطين، وإبادة في الشعب الفلسطيني بالقتل والطرد والتشريد، وإصرارهم (اليهود) على عدم عودة اللاجئين إلى ديارهم، ثم الإكثار من بناء المستعمرات، كل ذلك وغيره ما هو إلا خطوة من خطوات إحلال الشعب اليهودي مكان الفلسطيني.

فقد شُرّد الشعب الفلسطيني وبات مصيره في طي النسيان، بات العالم أجمع ينسى قضيته يوما بعد الآخر، بل بات محتملا أن ينسى هو نفسه (الشعب الفلسطيني) قضيته، وأخشى والله أن ينسى الفلسطينيون المشردون القضية تماما كما نسيها أهل الأندلس الذين هاجروا إلى بلاد المغرب وإلى تونس والجزائر بعد عام أو عامين، أو حتى بعد عشرة أو مائة عام، فقد مر الآن على سقوط الأندلس خمسمائة عام، فمن يفكر في تحريرها؟!

وهكذا وعلى هذا الوضع يسير اليهود ويجمعون ويُهجّرون شتاتهم إلى بلاد فلسطين لإحلال الشعب اليهودي مكان الشعب الفلسطيني.

فكانت قضية فلسطين شديدة الشبه بالأندلس، وتُرى لماذا عُقد اتفاق السلام الأخير بين اليهود وبين الفلسطينيين، ومن بين كل بلاد العالم هناك يعقد في إحدى مدن الأندلس القديمة في مدريد؟!

كانت مفاوضات السلام تدور في أوسلو وترعاها أمريكا وروسيا وغيرها من البلاد، ومع ذلك أُقيمت في "مدريد" وفي إزالة علامات التعجب أن ذلك كان بسبب أن المفاوضات قامت في سنة 1992 م *، وهي ذكرى سقوط الأندلس، حيث كان قد مر على سقوطها خمسمائة عام.

ففي تلك الأثناء كانت شوارع "مدريد" مكتظة بالاحتفالات والمهرجانات، حيث هزيمة المسلمين وانتصار الصليبيين في هذه الموقعة القديمة منذ خمسمائة عام، وكأنهم يبعثون برسالة مفادها: ها هو التاريخ يتكرر، وها هي أحداث الأندلس تتكرر من جديد في فلسطين، وها هي الانتفاضة التي تحدث في فلسطين تُقتَل كما قُتلت من قبل انتفاضة موسى بن أبي غسّان في غرناطة، ها هو التاريخ يتكرر، لا داعي للحرب ولا داعي للجدال والمحاورات الكثيرة؛ فإن مصيركم هو ما حدث في الأندلس من قبل.

أبو البقاء الرندي (601 - 684 هـ / 1204 - 1285م ) وقصيدته في رثاء الأندلس:

التعريف به:

هو صالح بن يزيد بن صالح بن شريف الرندي، أبو البقاء.

وتختلف كنيته بين أبي البقاء وأبي الطيب وهو مشهور في المشرق بأبي البقاء.

وهو أديب شاعر ناقد قضى معظم أيامه في مدينة رندة واتصل ببلاط بني نصر (ابن الأحمر) في غرناطة.

وكان يفد عليهم ويمدحهم وينال جوائزهم وكان يفيد من مجالس علمائها ومن الاختلاط بأدبائها كما كان ينشدهم من شعره أيضاً.

وقال عنه عبد الملك المراكشي في الذيل والتكملة كان خاتمة الأدباء في الأندلس بارع التصرف في منظوم الكلام ونثره فقيهاً حافظاً فرضياً له مقامات بديعة في أغراض شتى وكلامه نظماً ونثراً مدون... "الموسوعة الشعرية"

وهذه هي قصيدته في رثاء الأندلس:

لكل شيء إذا ما تم نقصان *** فلا يغر بطيب العيش إنسانُ
هي الأمور كما شاهدتها دول *** من سرهُ زَمنٌ ساءته أزمانُ
وهذه الدار لا تُبقي على أحد **** ولا يدوم على حال لها شانُ
يُمزق الدهرُ حتماً كلّ سابغة *** إذا نبت مشرفيات وخرصانُ
وينتضي كل سيف للفناء ولو *** كان ابن ذي يزنٍ والغمد غمدانُ
أين الملوك ذوي التيجان من يمن *** وأين منهم أكاليلٌ وتيجانُ؟
وأين ما شادهُ شدّاد في إرم *** وأين ما ساسه في الفرس ساسانُ؟
وأين ما حازه قارون من ذهبٍ *** وأين عادٌ وشدادٌ وقحطانُ؟
أتى على الكل أمر لا مرد له *** حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا
وصار ما كان من ملك ومن ملكٍ *** كما حكى عن خيال الطيف وسنانُ

فجـائع الدهر أنواع منوعةٌ *** وللزمان مسـراتٌ وأحزانُ
دار الزمان على (دارا) وقاتله *** وأم كسرى فما آواه إيوانُ
كأنما الصعب لم يسهل له سببٌ *** يوماً ولا ملك الدنيا سليمانُ
وللحوادث سلوان يسهله *** وما لما حلَّ بالإسلام سلوانُ
دهى الجزيرة أمر لا عزاء له *** هوى له أحـدٌ وانهدّ ثهلانُ
أصابها العين في الإسلام فارتأزت *** حتى خلت منه أقطار وبلدانُ
فاسأل (بلنسية) ما شأن (مرسية) *** وأين (شاطبة) أم أينَ (جيان)؟
وأين (قرطبة) دار العلوم فكم *** مـن عالم قد سما فيها له شان؟
وأين (حمص) وما تحويه من نزه *** ونهرها العذب فياض وملانُ
قواعدٌ كن أركان البلاد فم *** عسى البقاء إذا لم تبق أركـانُ
تبكي الحنيفية البيضاء من أسف *** كما بكى الفراق الألف هيمانُ
على الديار من الإسلام خالية *** قد أقفرت ولها بالكفر عمرانُ
حيث المساجد قد صارت كنائس ما *** فيهن إلا نواقيس وصلبانُ
حتى المحاريب تبكي وهي جامدة *** حتى المنابر ترثي وهي عيدانُ
يا غافلاً وله في الدهر موعظة *** إن كنتَ في سنةٍ فالدهر يقظانُ
وماشياً مرحاً يلهيه موطنه *** أبعد (حمص) تغر المرء أوطانُ!!!؟
تلكَ المصيبةُ أنْسَتْ ما تَقَـدَّمَه *** ومالهَا من طوالِ الدَّهـرِ نِسيانُ
يا راكبينَ عتاقَ الخيلِ ضامرةً *** كأنَّها في مجالِ السَبـقِ عُقبانُ
وحاملينَ سيـوفَ الهنـدِ مُرهَفةً *** كأنَّها في ظَـلامِ النَّقعِ نيرَانُ
أَعندكُم نبأٌ من أهلِ أندلُسٍ *** فقد سرى بحديثِ القومِ رُكبانُ
كَم يستغيثُ بنا المستضعفونَ وهُم *** قَتلـى وأسرَى فما يهتزُ إنسانُ
لماذا التقاطعُ في الإسلامِ بينكمُ *** وأنتـم يا عبادَ اللهِ إخْوانُ
يا من لذلَّةِ قومٍ بعدَ عزَّتِهِم *** أحالَ حالهُمْ جـورٌ وطُغيـانُ
بالأمسِ كانُوا مُـلُوكاً في منازلهِم *** واليـومَ هـم في بلادِ الكفـرِ عُبدانُ
فـلو تراهُم حَيَارى لا دليلَ لهم *** عليهِمْ مِن ثيابِ الذُّلِ ألوَانُ
يا ربَّ أمٍ وطفلٍ حِيلَ بينهُم *** كـما تُفـرَّقُ أرواحٌ وأبـدانُ
وطفلـةٌ مثـلَ حُسـنِ الشمسِ إذ *** طلعـت كأنَّما هي ياقوتٌ وَمَرجانُ
يقودُها العِلْـجُ للمكروُهِ مكرَهةً *** والعـينُ باكيةٌ والقَـلـبُ حيـرانُ
لمثلِ هـذا يبكِي القلبُ مِن كَمدٍ *** إن كانَ في القَلـبِ إسلامٌ وإيمانُ

وأخيرًا

بعد هذه الدراسة، وبعد تلك الحقبة المهمة من تاريخ المسلمين، نستطيع أن نسطر من جديد: ما كان التاريخ- وتاريخ الأندلس خاصة- يوما ما بُكاء على اللبن المسكوب، ولا عيشا في صفحات الماضي، إنما كان لأخذ الدرس والعبرة، وكما ذكرنا في البداية: {فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ[الأعراف:176]. وأيضا: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الأَلْبَابِ[يوسف:111].

والذي يجب أن يشغلنا الآن هو أن نقف مع تاريخ الأندلس وقفة نفهم منها أحداث فلسطين والعراق أحداث الشيشان وكوسوفا والبوسنة والهرسك وكشمير، وغيرها من البلاد، وما هو دور الشعوب والأفراد في قضية فلسطين حتى لا تصبح أندلسا أخرى.

والذي يجب أن يشغلنا هو أن يعرف كل منا دوره في الحياة، ومن ثم يقوم عليه بأحسن ما يكون وأحسن ما يجب أن يكون القيام، وإن معرفة مثل ذلك لتقبع خلف كل صفحة من صفحات تاريخ الأندلس، وخلف كل صفحة من صفحات التاريخ الإسلامي بصفة عامة.

وليعلم كل منا أنه إنما هو على ثغرة عظيمة من ثغور الإسلام، فليحذر وليحرص كل الحرص على ألا يُؤْتى الإسلام من قِبله، ولا يُلدغ الثانية، وقد قال عز وجل: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ[النور:55].

 

قمة التدني والانحطاط وسقوط إشبيلية

في أول حرب له بعد هذه الاتفاقية قام ملك قشتالة بالزحف نحو إشبيلية، وبالطبع طلب من ابن الأحمر أن يساعده في حربها وفق بنود المعاهدة السابقة، والتزاما صاغرا بها، ودوسا بالأقدام لتعاليم الإسلام وشرائعه، وضربا لرابطة النصرة والأخوة الإسلامية، وموالاة للنصارى وأعداء الإسلام على المسلمين، ما كان من ابن الأحمر إلا أن سمع وأطاع، وبكامل عدته يتقدم فرسان المسلمين الذين يتقدمون بدورهم جيوش قشتالة نحو إشبيلية، ضاربين حصارا طويلا وشديدا حولها.

وإن مما يثير الحيرة والدهشة ويدعو إلى التعجب والحسرة في ذات الوقت هو أنه إذا كان ابن الأحمر على هذه الصورة من هذه السلبية وذاك الفهم السقيم، والذي لا يُنبئ إلا عن مصلحة شخصية ودنيوية زائلة، فأين موقف شعب غرناطة الذي هو قوته وجيشه؟! وكيف يرتضي فعلته تلك ويوافقه عليها، ومن ثم يتحرك معه ويحاصر إشبيلية المسلمة المجاورة، وهما معا (إشبيلية وغرناطة) كانتا مدينة واحدة في دولة إسلامية واحدة هي دولة الأندلس؟!

أليس الجيش من الشعب؟! أو ليس هم مسلمون مثلهم وأخوة في الدين لهم حق النصرة والدفاع عنهم؟! فإنه ولا شك كان انهيارا كبيرا جدا في أخلاق القادة وأخلاق الشعوب.

يتحرك الجيش الغرناطي مع الجيش القشتالي ويحاصرون المسلمين في إشبيلية، ليس لشهر أو شهرين، إنما طيلة سبعة عشر شهرا كاملا، يستغيث فيها أهل إشبيلية بكل من حولهم، لكن هل يسمع من به صمم؟!

وما أصدق عمرو بن معدي كرب رضي الله عنه حين قال:

لقد أَسمعتَ لوناديتَ حيّـاً ولكن لا حياةَ لمن تُنادي

ولو نارٌ نفحتَ بها أضاءت ولكن أنتَ تنفُخُ في رَمَادِ

فالمغرب الآن مشغول بالثورات الداخلية، وبنو مارين يصارعون الموحدين في داخل المغرب، والمدينة الوحيدة المسلمة في الأندلس غرناطة هي التي تحاصر إشبيلية، ولا حول ولاقوة إلا بالله...

وفي السابع والعشرين من شهر مضان لسنة 646 هـ= 1248 م وبعد سبعة عشر شهرا كاملا من الحصار الشديد، تسقط إشبيلية بأيدي المسلمين ومعاونتهم للنصارى، تسقط إشبيلية ثاني أكبر مدينة في الأندلس، تلك المدينة صاحبة التاريخ المجيد والعمران العظيم، تسقط إشبيلية أعظم ثغور الجنوب ومن أقوى حصون الأندلس، تسقط إشبيلية ويغادر أهلها البلاد، ويهجّر ويشرّد منها أربعمائة ألف مسلم، وواحسرتاه على المسلمين، تفتح حصونهم وتدمر قوتهم بأيديهم

وَمَا فَتِئَ الزَّمَانُ يَدُورُ حَتَّـى مَضَى بِالْمَجْدِ قَـوْمٌ آخَرُونَ

وَأَصْبَحَ لَا يُرَى فِي الرَّكْبِ قَوْمِي وَقَدْ عَاشُـوا أَئِمَّتُهُ سِنِـينًا

وَآلَمَنِـي وَآلَـمَ كـُلّ َ حُـرٍّ سُؤَالُ الدَّهْرِ: أَيْنَ الْمُسْلِمُونَ؟

أين المسلمون؟! إنهم يحاصرون المسلمين! المسلمون يقتلون المسلمين! المسلمون يشرّدون المسلمين!!!

وعلى هذا تكون إشبيلية قد اختفت وإلى الأبد من الخارطة الإسلامية، وما زال إلى الآن مسجدها الكبير الذي أسسّه يعقوب المنصور الموحدي بعد انتصار الأرك الخالد، والذي أسسّه بغنائم الأرك، مازال إلى اليوم كنيسة يعلّق فيها الصليب، ويُعبد فيها المسيح بعد أن كانت من أعظم ثغور الإسلام، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.

غرناطة ولماذا يعاهدها ملك قشتالة؟

لم يتبق في الأندلس في سنة 646 هـ= 1248 م بلادا إسلامية غير غرناطة وما حولها فقط من القرى والمدن، والتي لا تمثل كما ذكرنا أكثر من 15 % وهي تضم ثلاث ولايات متحدة هي: ولاية غرناطة، وولاية ملقة، وولاية ألمرية، ثلاث ولايات تقع تحت حكم ابن الأحمر، وإن كان هناك شيء من الاستقلال داخل كل ولاية.

ولنا أولا أن نتساءل ونتعجب: لماذا يعقد فرناندو الثالث اتفاقية ومعاهدة مع هذه القوة التي أصبح القضاء عليها أمرا ميسورا خاصة بعد هذا الانهيار المروّع لدولة المسلمين؟! لماذا يعقد معاهدة مع ابن الأحمر؟! ولماذا لم يأكل غرناطة كما أكل غيرها من بلاد المسلمين ودون عهود أو اتفاقيات؟!

والواقع أن ذلك كان للأمور التالية:

أولا: كان بغرناطة كثافة سكانية عالية؛ الأمر الذي يجعل من دخول جيوش النصارى إليها من الصعوبة بمكان، وقد كان من أسباب هذه الكثافة العالية أنه لما كانت تسقط مدينة من مدن المسلمين في أيدي النصارى فكان النصارى كما ذكرنا ينتهجون نهجا واحدا، وهو إما القتل أو التشريد والطرد من البلاد.

فكان كلما طُرد رجل من بلاده عمق واتجه ناحية الجنوب، فتجمع كل المسلمون الذين سقطت مدنهم في أيدي النصارى في منطقة غرناطة في الجنوب الشرقي من البلاد، فأصبحت ذات كثافة سكانية ضخمة، الأمر يصعب معه دخول قوات النصارى إليها.

ثانيا: كانت غرناطة ذات حصون كثيرة ومنيعة جدا، وكانت هذه الحصون تحيط بغرناطة وألمرية وملقة.

ثالثا: أنها كانت تقع في الجنوب الشرقي وعلى البحر المتوسط، أي أنها قريبة من بلاد المغرب العربي، وكانت قد قامت في بلاد المغرب العربي كما ذكرنا نواة دولة إسلامية جديدة هي دولة بني مارين، وكانت دولة سنية تقوم على التقوى، فكانت بين الحين والآخر تساعد بلاد غرناطة؛ ومن جراء ذلك استطاعت غرناطة أن تصمد بعض الشيء وتقف على أقدامها ولو قليلا أمام فرناندو الثالث ومن معه من النصارى في مملكة قشتالة.

ومن هنا وافق فرناندو الثالث على عقد مثل هذه المعاهدة، وإن كانت كما رأينا معاهدة جائرة ومخزية، يدفع فيها ابن الأحمر الجزية، ويحارب بمقتضاها مع ملك قشتالة، ويتعهد فيها بألا يحاربه في يوم ما.

غرناطة وموعد مع الأجل المحتوم

كعادتهم ولطبيعة متأصلة في كينونتهم، ومع كون المعاهدة السابقة بين ابن الأحمر وملك قشتالة تقوم على أساس التعاون والتصالح والنصرة بين الفريقين، إلا أنه بين الحين والآخر كان النصارى القشتاليون بقيادة فرناندو الثالث ومن تبعه من ملوك النصارى يخونون العهد مع ابن الأحمر، فكانوا يتهجمون على بعض المدن ويحتلونها، وقد يحاول هو (ابن الأحمر) أن يسترد هذه البلاد فلا يفلح، فلا يجد إلا أن يعاهدهم من جديد على أن يترك لهم حصنا أو حصنين أو مدينة أو مدينتين مقابل أن يتركوه حاكما على بلاد غرناطة باسمهم، ولاحول ولا قوة إلا بالله.

فلم تؤسَّس غرناطة على التقوى، بل أسسها ابن الأحمر على شفا جرف هارٍ، معتمدا على صليبيٍّ لا عهد له ولا أمان [أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ] {البقرة:100}.

وقد ظل ابن الأحمر طيلة الفترة من سنة 643 هـ= 1245 م ومنذ أول معاهدة عقدها مع ملك قشتالة، وحتى سنة 671 هـ= 1273 م ظل طيلة هذه الفترة في اتفاقيات ومعاهدات.

وفي سنة 671 هـ= 1273 م بدأ ملك قشتالة وكان في ذلك الوقت "ألفونسو العاشر" بالمخالفة الصريحة لبنود المعاهدة المبرمة بينهما، وبدأ في تجييش الجيوش لدخول غرناطة، ومن ثم إنهاء الوجود الإسلامي تماما من أرض الأندلس.

هنا وجد ابن الأحمر نفسه في مأزق، وحينها فقط علم أنه عاهد من لا عهد له، فماذا يفعل؟ ما كان منه إلا أن يمّم وجه شطر بلاد المغرب حيث بنو مارين، وحيث الدولة التي قامت على أنقاض دولة الموحدين، والتي كان عليها رجل يُسمّى يعقوب بن منصور الماريني، الماريني تمييزا بينه ويعقوب بن منصور الموحدي في دولة الموحدين، وكلاهما كانا على شاكلة واحدة، وكلاهما من عظماء المسلمين، وكلاهما من أكبر القواد في تاريخ المسلمين.

يعقوب بن منصور الماريني رجل الشدائد

في وصف بليغ ليعقوب بن منصور الماريني يحدث المؤرخون المعاصرون له أنه كان: صوّاما قوّاما، دائم الذكر، كثير الفكر، لا يزال في أكثر نهاره ذاكرا، وفي أكثر ليله قائما يصلي، مكرما للصلحاء، كثير الرأفة والحنين على المساكين، متواضعا في ذات الله تعالى لأهل الدين، متوقفا في سفك الدماء، كريما جوّادا، وكان مظفرا، منصور الراية، ميمون النقيبة، لم تهزم له راية قط، ولم يكسر له جيش، ولم يغزو عدوا إلا قهره، ولا لقي جيشا إلا هزمه ودمّره، ولا قصد بلدا إلا فتحه، وكان خطيبا مفوها، يؤثّر في نفوس جنوده، شجاعا مقداما يبدأ الحرب بنفسه.

وإنها والله لصفات عظيمة لهؤلاء القادة المجاهدين الفاتحين، يجب أن يقف أمامها المسلمون كثيرا، ويتمثلونها في قرارة أنفسهم، ويجعلون منها نبراسًا يضيء حياتهم.

وفي تطبيق عملي لإحدى هذه الصفات وحين استعان محمد بن الأحمر الأول بيعقوب بن منصور الماريني ممثلا في دولة بني مارين، ما كان منه إلا أن أعد العدة وأتى بالفعل، وقام بصد هجوم النصارى على غرناطة.

بلاد الأندلس واستيراد النصر وقفة عابرة

لقد تعوّدت بلاد الأندلس استيراد النصر من خارجه كانت هذه مقولة ملموسة طيلة العهود السابقة لبلاد الأندلس، فلقد ظلت لأكثر من مائتي عام تستورد النصر من خارج أراضيها، فمرة من المرابطين، وأخرى من الموحدين، وثالثة كانت من بني مارين وهكذا، فلا تكاد تقوم للمسلمين قائمة في بلاد الأندلس إلا على أكتاف غيرهم من بلاد المغرب العربي وما حولها.

ومن الطبيعي ألا يستقيم الأمر لتلك البلاد التي تقوم على أكتاف غيرها أبدا، وأبدا لا تستكمل النصر، وأبدا لا تستحق الحياة، لا يستقيم أبدا أن تنفق الأموال الضخمة في بناء القصور في غرناطة مثل قصر الحمراء الذي يعد من أعظم قصور الأندلس ليحكم منها ابن الأحمر أوغيره وهو في هذه المحاصرة من جيوش النصارى، ثم يأتي غيره ومن خارج الأندلس ليدافع عن هذه البلاد وتلك القصور.

ولا يستقيم أبدا لابن الأحمر أن يُنشئ الجنان الكثيرة (أكثر من ثلاثمائة حديقة ضخمة في غرناطة، وكان يطلق على كل حديقة منها اسم (جنّة) لسعتها وكثرة الثمار والأشجار فيها) وينفق كل هذا الإنفاق والبلاد في حالة حرب مع النصارى، ثم حين يأتي وقت الجهاد يذهب ويستعين بالمجاهدين من البلاد المجاورة.

وعلى كلٍ فقد أتى بنو مارين كما ذكرنا واستطاعوا أن يردوا الهجوم عن غرناطة، وحفظها الله من السقوط المدوّي

وفاة محمد الأول وولاية محمد الفقيه

في ذات العام الذي رُدّ فيه جيش النصارى، وفي سنة 671 هـ= 1273 م يموت محمد بن الأحمر الأول وقد قارب الثمانين من عمره، وقد استخلف على الحكم ابنه، ومثل اسمه واسم معظم أمراء بني الأحمر كان اسم ابنه هذا محمد، فكان هو محمد بن محمد بن يوسف بن الأحمر، وكانوا يلقبونه بالفقيه؛ لأنه كان صاحب علم غزير وفقه عميق.

لما تولّى محمد الفقيه الأمور في غرناطة نظر إلى حال البلاد فوجد أن قوة المسلمين في بلاد الأندلس لن تستطيع أن تبقى صامدة في مواجهة قوة النصارى، هذا بالإضافة إلى أن "ألفونسو العاشر" حين مات ابن الأحمر الأول ظن أن البلاد قد تهاوت، فما كان منه إلا أن أسرع بالمخالفة من جديد وبالهجوم على أطراف غرناطة، ما كان أيضا من محمد الفقيه إلا أن استعان بيعقوب المنصور الماريني رحمه الله.

وفي سنة 673 هـ= يجهّز المنصور جيشًا قوامه خمسة آلاف رجل فقط، ويضع نفسه على رأسه، ويعبر به إلى بلاد الأندلس حتى يساعد محمد الفقيه في حربه ضد النصارى.

وهناك وفي مكان خارج غرناطة وبالقرب من قرطبة يلتقي المسلمون مع النصارى، المسلمون تعدادهم عشرة آلاف مقاتل فقط، خمسة آلاف من جيش بني مارين، ومثلهم من جيش غرناطة، وفي مقابلتهم تسعون ألفا من النصارى، وعلى رأسهم واحد من أكبر قواد مملكة قشتالة يدعى دون نونيو دي لارى ( تعمدنا ذكر اسمه لأن الموقعة التي دارت بين المسلمين والنصارى في هذا المكان عُرفت بموقعة الدونونيّة؛ نسبة إلى اسمه).

موقعة الدونونية ونصر مؤزّر

في سنة 674 هـ= 1276 م تقع موقعة الدونونية، وكان على رأس جيوش المسلمين المنصور الماريني رحمه الله، وقد أخذ يحفز الناس بنفسه على القتال، وكان مما قاله في خطبته الشهيره في تحفيز جنده في هذه الموقعة:

، ألا وإن الجنة قد فتحت لكم أبوابها، وزينت حورها وأترابها، فبادروا إليها وجِدُّوا في طلبها، وابذلوا النفوس في أثمانها، ألا وإنّ الجنّة تحت ظلال السيوف {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ[التوبة:111]. فاغتنموا هذه التجارة الرابحة، وسارعوا إلى الجنة بالأعمال الصالحة؛ فمن مات منكم مات شهيدا، ومن عاش رجع إلى أهله سالما غانما مأجورا حميدا، فـ {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[آل عمران:200].

كان من جراء هذا أن عانق الناس بعضهم بعضا للوداع، وبكوا جميعا،

وبهؤلاء الرجال الذين أتوا من بلاد المغرب، وبهذه القيادة الربانية، وبهذا العدد الذي لم يتجاوز العشرة آلاف مقاتل حقق المسلمون انتصارا باهرا وعظيما، وقتل من النصارى ستة آلاف مقاتل، وتم أسر ثمانية آلاف آخرين، وقتل دون نونيو قائد قشتاله في هذه الموقعة، وقد غنم المسلمون غنائم لا تحصى، وما انتصر المسلمون منذ موقعة الأرك في سنة 591 هـ= 1195 إلا في هذه الموقعة، موقعة الدونونية في سنة 674 هـ= 1276 م من الهجرة.

الفتوحات بعد الدونونية، وسنن تتكرر

بعد موقعة الدونونية انقسم جيش المسلمين إلى نصفين، توجه النصف الأول إلى جيّان وكان على رأسه ابن الأحمر، ففتح جيّان وانتصر عليهم، وتوجّه النصف الآخر وعلى رأسه المنصور الماريني إلى إشبيلية، فإذا به يحرر إشبيلية ويصالح أهلها على الجزية.

وإنه والله لأمر عجيب هذا، أمر هؤلاء الخمسة آلاف رجل، والذين يذهب بهم المنصور الماريني ويحاصر إشبيلية، فيحررها ويصالح أهلها على الجزية، تماما كما قال صلى الله عليه وسلم: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ». فكان هذا مثال حي على صلاح الرجال وصلاح الجيوش.

وبعد ثلاث سنوات من هذه الموقعة، وفي سنة 677 هـ= 1279 م ينتقض أهل إشبيلية فيذهب إليهم من جديد يعقوب الماريني رحمه الله، ومن جديد وبعد حصار فترة من الزمن يصالحونه على الجزية، ثم يتجه بعد ذلك إلى قرطبة ويحاصرها، فترضخ له أيضا على الجزية.

أمر والله في غاية الغرابة والعجب، يحرر قرطبة وجيّان وإشبيلية وقوام جيشه لا يتعدى الخمسة آلاف مقاتل! وإنه ليستحق وقفات ووقفات، وإن كان هذا ليس بغريب في التاريخ الاسلامي، بل إنه قد تحقق أن الغريب هو أن يحدث عكس ذلك كما ذكرنا من قبل.

الغريب هو أن يُهزم جيش مثل جيش المنصور الماريني بهذا العدد القليل الذي يعتمد فيه على الله ويأمل فيه الشهادة، والغريب هو أن ينتصر جيش مثل جيش الناصر لدين الله في موقعة العقاب حين كان قوامه خمسمائة ألف مقاتل وهم يعتقدون في عدتهم وقوتهم، وهي سنن الله الثوابت التي تتكرر في تاريخنا الإسلامي، ولنا فيها العبرة والعظة.

ومثل تلك السنن التي تتكرر كثيرا، فما أن يحقق المنصور الماريني كل هذه الانتصارات ويجمع مثل هذه الغنائم التي لا حصر لها، حتى يعطي وفي غاية الورع ومنتهى الزهد يعطي كل الغنائم لأهل الأندلس من غرناطة ويعود إلى بلاد المغرب ولا يأخذ معه شيئا، تماما كما فعل يوسف بن تاشفين رحمه الله بعد موقعة الزلاقة، وبحق كان هؤلاء هم الرجال المنصورون.

ابن حاكم ألمرية وصورة سامية ومحمد بن الأحمر الفقيه والخيانة العظمى

في أثناء رجوع يعقوب الماريني رحمه الله يموت حاكم ألمرية (من ضمن الولايات الثلاث في منطقة غرناطة، والأخريان هما ولاية ملقة وولاية غرناطة)، ومن بعده يتولى عليها ابنه وكان شابا فتيا، وقد أُعجب بأفعال ابن يعقوب الماريني وانتصاراته المتعددة إعجابا كبيرا، فعرض عليه حكم ألمرية بدلا منه، استجاب المنصور الماريني رحمه الله لطلبه، فخلّف عليها قوة صغيرة من المسلمين يبلغ قوامها ثلاثة آلاف رجل، ثم استجلب ثلاثة آلاف آخرين من بلاد المغرب، ووضعهم في جزيرة طريف حتى يكونوا مددا قريبا لبلاد الأندلس إذا احتاجوا إليهم في حربهم ضد النصارى، ثم عاد هو إلى بلاد المغرب.

هنا نظر محمد بن الأحمر الفقيه إلى ما فعله حاكم ألمرية فأوجس في نفسه خيفة ابن الأحمر، وقال: إن في التاريخ لعبرة، وهو يقصد بهذا أنه حينما استعان المعتمد على الله ابن عبّاد من ملوك الطوائف بيوسف بن تاشفين أمير دولة المرابطين في المغرب، فما كان من الأخير إلا أن أخذ البلاد وضمها كلها إلى دولة المرابطين، وها هو الآن يعقوب المنصور الماريني يبدأ بمدينتي طريف وألمريّة، إن في التاريخ لعبرة، ففكر عازما على أن يقف حائلا وسدا منيعا حتى لا تُضم بلاد الأندلس إلى دولة بني مارين.

ويا لهول هذا الفكر الذي كان عليه ذلك الرجل الذي لُقب بالفقيه الذي ما هو بفقيه، فماذا يفعل إذن لكي يمنع ما تكرر في الماضي ويمنع ما جال بخاطره؟ بنظرة واقعية وجد أنه ليست له طاقة بيعقوب بن منصور الماريني، ليست له ولا لشعبه ولا لجيشه ولا لحصونه طاقة به، فماذا يفعل؟!

ما كان من محمد ابن الأحمر الفقيه إلا أن أقدم على عمل لم يتخيله أحد من المسلمين، ما كان منه إلا أن ذهب إلى ملك قشتالة واستعان به في طرد يعقوب بن منصور الماريني من جزيرة طريف، يذهب إلى ملك قشتالة بعد أن كان قد انتصر عليه هو والمنصور الماريني في موقعة الدومونية وما تلاها في سنة 677 هـ= من فتح إشبيلية وجيّان وقرطبة، يذهب إلى الذي هو عدوٌّ لهما (لابن الأحمر والمنصور الماريني) ويستعين به على طرد الماريني من جزيرة طريف.

وعلى موعد مع الزمن يأتي ملك قشتالة بجيشه وأساطيله ويحاصر طريف من ناحيتين، فناحية يقف عليها ابن الأحمر الفقيه، والأخرى يقف عليها ملك قشتالة.

وما إن يسمع بذلك يعقوب المنصور الماريني رحمه الله حتى يعود من جديد إلى جزيرة طريف، وعلى الفور يجهز الجيوش ويعد العدة، ثم يدخل في معركة كبيرة مع النصارى هناك في سنة 677 هـ= 1279 م فينتصر يعقوب المنصور الماريني رحمه الله على النصارى، ويفرون من أمامه فرّا إلى الشمال، ويجد ابن الأحمر نفسه في مواجهة مع يعقوب المنصور الماريني.

المنصور الماريني وعلو المقاصد والهمم وابن الأحمر الفقيه والخسة والدناءة

ما كان من محمد بن الأحمر الفقيه حين وجد نفسه في مواجهة مع الماريني إلا أن أظهر الندم والاعتذار، وتعلل وأبدى الأسباب (الغير مقبولة بالطبع)، وبأمر من حكيم وبصورة لا تتكرر إلا من رجل ملَكَ قَلْبَه، يعفو عنه يعقوب بن منصور الماريني، بل ويعيده إلى حكمه.

وإن ما فعله محمد بن الأحمر الفقيه ليفسر لنا لماذا سقطت بلاد الأندلس بعد ذلك؟ ولماذا لا تستحقّ هذه البلاد النصر والحياة؟ وإن ما فعله ابن الأحمر هذا لم يقم به بمفرده، بل كان معه أمته وشعبه وجيشه، يحاربون الرجل الذي ساعدهم في حرب النصارى وتخليصهم من أيديهم، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.

وفي سنة 684 هـ= 1285 م يأتي من جديد يعقوب بن منصور الماريني ليساعد ابن الأحمر في حرب جديده ضد النصارى، وهكذا كان يعقوب بن منصور الماريني قد وهب حياته للجهاد في سبيل الله، والدفاع عن دين الله، وفي هذه السنة ينتصر المسلمون على النصارى، ويعقدون معهم عهدا كانت له شروط أملاها وفرضها عليهم يعقوب بن منصور الماريني رحمه الله.

في هذه المعاهدة لم يطلب يعقوب بن منصور الماريني مالا ولا قصورا ولا جاها، إنما طلب منهم أن يأتوا له بكتب المسلمين، والتي هي في قرطبة وإشبيلية وطليطلة، وغيرها من البلاد التي سقطت في أيدي النصارى، هذا هو الذي طلبه واشترطه في معاهدته.

وبالفعل أتوا إليه بكميات ضخمه من كتب المسلمين، الأمر الذي حفظ تراث الأندلس إلى الآن من الضياع، وما زالت وإلى الآن الكتب التي أخذها يعقوب بن منصور الماريني في الموقعة التي تمت في 684 هـ= 1285 م ما زالت في مكتبة فاس في المغرب وإلى هذه اللحظة، وهكذا كانت علو المقاصد وعلو الهمم عند يعقوب بن منصور الماريني، وكانت الخسة والدناءة عند ابن الأحمر وأولاد ابن الأحمر.

تكرار الخيانة من ابن الأحمر الفقيه وسقوط طريف

بعد الموقعة السابقة بعام واحد وفي سنة 685 هـ= 1286 م يموت المنصور الماريني رحمه الله ويخلفه على إمارة بني مارين ابنه يوسف بن المنصور، ومن حينها يذهب ابن الأحمر الفقيه إليه ويعرض عليه الولاء والطاعة وما شاء من أرض الأندلس ويقدم له ما يريد، فطلب منه يوسف بن المنصور رحمه الله أن يأخذ الجزيرة الخضراء وجزيرة طريف؛ حتى تكون قاعدة له في حربه مع النصارى، وقد هدأت الأمور نسبيا هناك في غرناطة.

لكن حين أخذ يوسف بن المنصور الجزيرة الخضراء وطريف، كانت قد اعتملت الوساوس من جديد في قلب ابن الأحمر، ومن جديد يذهب ابن الأحمر الفقيه إلى النصارى ويستعين بهم في حرب يوسف بن المنصور وطرده وطرد بني مارين من طريف.

وكسابقه وعلى موعد أيضا مع الزمن يأتي بالفعل جيش النصارى ويحاصر طريف كما فعل في السابق، لكن في هذه المرة يستطيعون أن يسقطوا طريف.

وقد كان الاتفاق بين ابن الأحمر الفقيه وبين النصارى أنهم إذا استولوا على جزيرة طريف من بني مارين أن يعطوها إلى ابن الأحمر الفقيه، لكن النصارى بعد أن استولوا عليها لم يعيدوها إليه، وإنما أخذوها لأنفسهم، وبذلك يكونون قد خانوا العهد معه، وتكون قد حدثت الجريمة الكبرى والخيانة العظمى وسقطت طريف.

وكان موقع طريف هذه في غاية الخطورة، فهي تطل على مضيق جبل طارق، ومعنى ذلك أن سقوطها يعني انقطاع بلاد المغرب عن بلاد الأندلس، وانقطاع العون والمدد من بلاد المغرب إلى الأندلس تماما.

قال المقري في نفح الطيب: وواقعة طريف هذه استشهد فيها جماعة من الأكابر وغيرهم، وكان سببها أن سلطان فاس أمير المسلمين أبا الحسن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق المريني أجاز البحر إلى جزيرة الأندلس برسم الجهاد ونصرة أهلها على عدوهم، حسبما جرت بذلك عادة سلفه وغيرهم من ملوك العدوة، وشمر عن ساعد الاجتهاد، وجر من الجيوش الإسلامية نحو ستين ألفاً، وجاء إليه أهل الأندلس بقصد الإمداد، وسلطانهم ابن الأحمر ومن معه من الأجناد، فقضى الله الذي لا مرد لما قدره، أن صارت تلك الجموع مكسرة، ورجع السلطان أبو الحسن مفلولاً، وأضحى حسام الهزيمة عليه وعلى من معه مسلولاً، ونجا برأس طمرة ولجام، ولا تسل كيف، وقتل جمع من أهل الإسلام، ولمة وافرة من الأعلام، وأمضى فيهم حكمه السيف، وأسر ابن السلطان وحريمه وخدمه، ونهبت ذخائره، واستولت على الجميع أيدي الكفر والحيف، واشرأب العدو الكافر لأخذ ما بقي من الجزيرة ذات الظل الوريف، وثبتت قدمه إذ ذاك في بلد طريف، وبالجملة فهذه الواقعة من الدواهي المعضلة الداء، والأرزاء التي تضعضع لها ركن الدين بالمغرب، وقرت بذلك عيون الأعداء، ولولا خشية الخروج عن المقصود لأوردت قصتها الطويلة، وسردت منها ما يحق لسامعه أن يكثر بكاءه وعويله...

أبو عبد الله بن الحكيم وأمور يندى لها الجبين

في سنة 701 هـ= 1302 م يموت ابن الأحمر الفقيه ويتولى من بعده محمد الثالث، والذي كان يلقب بالأعمش، وكان هذا رجلا ضعيفا جدا، وقد تولى الأمور في عهده الوزير أبو عبد الله بن الحكيم الذي ما هو بحكيم، حيث كانت له السيطرة على الأمور في بلاد غرناطة، وكان على شاكلة من سبقه في مراسلة ملك قشتالة والتحالف معه.

لم يكتف أبو عبد الله بن الحكيم بذلك، لكنه زاد على السابقين له في هذه المحالفات وغيرها بأن فعل أفعالا يندى لها الجبين، كان منها أنه جهّز جيشا وذهب ليقاتل، تُرى يقاتل من؟ أيقاتل النصارى الذين هم على حدود ولايته وقد فعلوا الأعاجيب، أم من يقاتل؟

كانت الإجابة المخزية أنه ذهب بجيشه واحتلّ سبتة في بلاد المغرب، ذهب إلى دولة بني مارين واحتلّ مدينة سبته حتى يقوي شأنه في مضيق جبل طارق.

وفي سبيل لزعزعة الحكم في بني مارين، وبعد اعتماده في حكمه تماما على ملك قشتالة، فقد فعل ما هو أشدّ من ذلك، حيث راسل رجلا من بني مارين وأمدّه بالسلاح ليقوم بانقلاب على يوسف بن المنصور، وقامت فتنة في بني مارين.

وإنه ولا شك غباء منقطع النظير، أمر لا يقره عقل ولا دين، لكن هذا ما حدث، فكانت النتيجة أنه بعد ذلك بأعوام قليلة سقوط جبل طارق في أيدي النصارى، وذلك709 هـ= 1309 م وعُزلت بالكلية بلاد الأندلس عن بلاد المغرب، وتركت غرناطة لمصيرها المحتوم.

انقطع الآن النصر الذي كان يأتي ويستورد ويعتمد عليه سنوات طويلة على بلاد المغرب، انقطع عن شعب وحكام غرناطة الذين كثيرا ما ألفوه بينهم، وتُركوا لحالهم ولشأنهم.

وطيلة ما يقرب من مائتي عام، ومنذ سنة 709 هـ= 1309 م وحتى سنة 897 هـ= 1492 م من الهجرة ظل الحال كما هو عليه في بلاد غرناطة، معاهدات متتالية من أبناء الأحمر وملوك غرناطة مع ملك قشتالة، تسليم وجزية، وخزي وعار، سنوات طويلة لكنها وسبحان الله لم تسقط.

وكان السر في ذلك والسبب الرئيسي والذي من أجله حفظت هذه البلاد (وهي من غير مدد ولا عون من قبل بلاد المغرب)، هو وجود خلاف كبير وصراع طويل كان قد دار بين مملكة قشتالة ومملكة أراجون (المملكتان النصرانيّتان في الشمال)؛ حيث تصارعا سويا بعد أن صارت كل مملكة منهم ضخمة قوية، وكانتا قد قامتا على أنقاض الدولة الإسلامية في بلاد الأندلس...

وقفة مع غرناطة وعوامل ثباتها طيلة هذه الفترة: "التاريخ الأندلسي"

(كانت غرناطة تتردد بين القوة والضعف وبين الهزيمة والثبات وبين الأمن والقلق وبين الهدوء والاضطراب، رغم ذلك في الداخل كانت - خلال عمرها البالغ حوالي قرنين ونصف - تمتليء بالإنتاج، كما تطفح بالخير والرفاه، توفرت لها ايام مشهودة في الانتصار والغلبة، مع قلة الإمكانيات وقسوة الظروف وكثافة الأعداء.

في هذه الظروف - وحتى مع الأيام العصيبة والانشغال - استطاعت أن تسير في الموكب الحضاري، على قدر ما أوتيت من إمكانيات، وأن تقدم ألوانًا عديدة من الانجاز، مما يدل على حيوية هذه الأمة المسلمة واستعدادها للعمل والإنتاج، بقدر ما لديها من معاني الإسلام وما تمتلك من رسوخ عقيدته.

إن الذي أصاب المسلمين بتقصيرهم وتخاذلهم حين الهبوط عن المستوى الكريم الذي أراده الإسلام كان أكثر مما أصابهم من عدوهم. مع اعتبار أهمية هذا الأخير في الإشغال والاستنزاف والإطباق من كل جهة، ينتقص من أطرافها ويأكل وجودها ويطحن حضارتها، ترابًا تذروه رياحها العاصفة.

أول إنجاز هو الاستعداد - في تلك الظروف - للمحافظة على ما تبقى للأندلس من ارض، تأوي إليها البقية الباقية، والسير في الوجهة القويمة على قدر. بعض هذه الانجازات كانت موجودة واستمرت، وبعضها الآخر وجد أيام غرناطة. وجدت أيامها "مشيخة الغزاة"، التي خلّفت تلك البطولات، بجانب الانتصارات الأخرى.

أمكن الحفاظ على التكوين والبناء الاجتماعي في عدد من الجوانب، ولو بحدود تضيق أو تتسع. وهو الذي ساعد على الوقوف في هذا الخضم الصعب لعدة أجيال. كما أن الآفاق والقيم التي رعاها وحافظ عليها انتجت بناءًا حضاريًا كبيرًا في مختلف الميادين، قد تغور أحيانًا بعد ان كانت تفور.

في العلوم المتعددة الحقول، قدمت التآليف الكثيرة والإنتاج الضخم، كما حافظت على ما خطته يد العلماء الذي سبقوا وانتفعت بهم.

نجد ثبتًا طويلًا من أسماء اللامعين بعضها في الإحاطة لابن الخطيب (773) وفي نفح الطيب للمقري (1041) كما أنشئت المدارس ومعاهد العلم الأخرى في كل ناحية، وتوفرت الاختراعات، من مثل: المدافع التي ترمي نوعًا من المحروقات، وتحويل البارود إلى طاقة قاذفة، عنهم انتقلت إلى أوربا. لم يزل متحف مدريد الحربي يحفظ حاليًا البنادق التي استعلمها المسلمون في دفاعهم عن غرناطة.

وفي الصناعات ازدهرت أنواع كثيرة فقد كانت هناك صناعة السفن ثم الأنسجة وصناعة الورق والفخار المذهب العجيب، وأنتجت الكثير في ميدان الأصباغ والدباغة والجلود وصناعة الحلي، والصناعات الفنية الدقيقة.

كذلك برزت بالزراعة ووسائل الري والعناية بها وأنواع المزروعات.

ثم الجانب العمراني المتمثل في المباني المختلفة كالمساجد والقصور والدور والقناطر. وقصر الحمراء الذي ما زال باقيًا، مزينًا بالنقوش التي تدل على فنية ماهرة رائعة. كذلك المباني الحربية المتعددة...

للتنظيمات المختلفة في المجتمع والدولة أهميتها، فقد غدت مدينة غرناطة في وقتها من أجمل مدن العالم بشوارعها وميادينها وحدائقها ومبانيها ومرافقها المتنوعة، وكانت تضم حوالي مليون نفس، وتصدر كثيرًا من الصناعات إلى عدة بلدان، منها الأوربية.

وظهرت آثارها على هذه البلدان الأوربية في بعض المسائل الأخرى المعنوية، فانتفعت - إلى حد - بالفروسية التي كانت لها الحفلات الرائعة المتفننة، بما تحتويه من ضروب البراعة والرشاقة والأعراف.}} "التاريخ الأندلسي - عبد الرحمن الحجي"

 

غرناطة قبيل السقوط

في دراسة للوضع في آخر الخمس والعشرين سنة المتبقية من المائتي عام قبل السقوط النهائي لغرناطة وللدولة الإسلامية بصفة عامة في الأندلس، والذي كان يُعد (خلال المائتي عام) عهد خمول ودعة، وركون إلى معاهدات مخزية مع النصارى، تبدلت الأحوال (في الخمس والعشرين سنة الأخيرة من السقوط)، والتفت النصارى إلى غرناطة بعد أن كانوا قد شُغلوا عنها بحروبهم، الأمر الذي أدى في النهاية إلى سقوط الأندلس بالكلية.

مملكة غرناطة وممالك النصارى نحو الفرقة ونحو الوحدة

قبل السقوط بست وعشرين سنة تقريبا، وفي سنة 871 هـ= 1467 م كان يحكم غرناطة في ذلك الوقت رجل يدعى محمد بن سعد بن إسماعيل بن الأحمر، والذي كان يلقب بالغالب بالله، وكان له أحد الإخوة واسمه أيضا محمد، ويعرف بأبي عبد الله محمد الملقب بالزغل (الزغل يعني الشجاع)، فكان الأول غالب بالله، وكان الثاني زغلا أو شجاعا.

وكما حدث في عهد ملوك الطوائف اختلف هذان الأخَوان على الحكم، وبدآ يتصارعان على مملكة غرناطة الهزيلة الضعيفة والمحاطة في الشمال بمملكتي قشتالة وأراجون النصرانيتين.

وكالعادة أيضا استعان أبو عبد الله محمد الزغل بملك قشتالة في حرب أخيه الغالب بالله، وقامت على إثر ذلك حرب بينهما، إلا أنها قد انتهت بالصلح، لكنهما وللأسف قد اصطلحا على تقسيم غرناطة البلد الضعيف جدا والمحاط بالنصارى إلى جزء شمالي على رأسه الغالب بالله وهي الولاية الرئيسة، وجزء جنوبي وهي ملقة، وعلى رأسها أبو عبد الله محمد الزغل، وبعد هذا التقسيم بثلاثة أعوام، وفي سنة 874 هـ= 1469 م يحدث أمر غاية في الخطورة في بلاد الأندلس، فقد تزوج فرناندو الثالث ملك أراجون من إيزابيلا وريثة عرش قشتالة؛ وبذلك تكون الدولتان قد اصطلحتا معا وأنهتا صراعا كان قد طال أمده، وبعد خمس سنوات من هذا الزواج كانت المملكتان قد توحدتا معا في مملكة واحدة هي مملكة أسبانيا، وكان ذلك في سنة 879 هـ= 1474 م وكانت هذه بداية النهاية لغرناطة.

غرناطة وصراع أُسَري في ولاية الغالب بالله

بعد زواج فرناندو الثالث ملك أراجون من وريثة عرش قشتالة إيزابيلا كانا قد أقسما على ألا يعقدا عرسا إلا في قصر الحمراء، قصر الرئاسة الذي هو في غرناطة.

على الجانب الآخر كانت غرناطة في ذلك الوقت وفي سنة 879 هـ= 1474 م كانت منقسمة إلى شطرين، شطر مع الزغل والآخر مع الغالب بالله، ومن ناحية أخرى فكان الشعب يعيش حالة من الترف والخمول والدعة، وقد انتشرت الخمور والغناء بصورة لافتة في هذه الآونة، وفوق ذلك أيضا كان هناك الأشدّ والأشنع.

كان الغالب بالله الذي يحكم غرناطة متزوجا من امرأة تُدعى عائشة، وقد عرفت في التاريخ بعائشة الحرة، وكانت له جارية نصرانية تُسمى ثريّا قد فُتن بها وغرق في عشقها، وكانت قد أنجبت له ولدا اسمه يحيى، وقد أثرت عليه حتى تجعل يحيى هذا وريث عرش غرناطة من بعده.

كان المؤهل للحكم رسميا هو ابن عائشة الحرة، والذي يدعى محمد أبو عبد الله محمد، وللتفرقة بين اسم العم واسم ابن الأخ، سمّوا الأخير بالصغير، حيث هو أصغر من عمه، وقد كان وسبحان الله اسما على مسمى، فكان بالفعل صغيرا في سنه وصغيرا في مقامه.

وحتى يضمن ولاية العهد لابنه يحيى الذي هو من الجارية النصرانية، قام الغالب بالله بحبس ابنه الآخر أبو عبد الله محمد الصغير هو وأمه عائشة في قصر كبير، وقد قيد حركتهما تماما، ولأن هناك أناس كثيرون من الشعب كانوا يأبون أن يحكمهم رجل أمه جارية نصرانية، وكان هناك أيضا من يرى أحقية أبي عبد الله محمد الصغير في الحكم بعد أبيه، انطلق هؤلاء الناس حيث الابن وأمه، واستطاعوا تخليصهما، بعد فكاكه من السجن قام أبو عبد الله محمد الصغير بثورة على أبيه، وقد أحدث انقلابا في غرناطة ثم تولى الحكم وقام بطرد أبيه إلى الجنوب حيث أخيه الزغل (أخو الغالب بالله) في ملقة، وهكذا آلت البلاد إلى قسمين، قسم عليه الصغير في غرناطة، وقسم عليه الزغل في مالقة، ومعه وتحت حمايته أخوه الغالب بالله.

فرناندو الثالث واستغلال النزاع والفرقة

حيال هذا الوضع الذي آل إليه حال المسلمين في الأندلس استغل فرناندو الثالث هذا الموقف جيدا لصالحه، وبدأ يهاجم حصون غرناطة؛ حيث كان يعلم أن هناك خلافا وشقاقا كبيرا داخل البلد، وعلى غير عادة الغالب بالله الذي كان بينه وبين ملك أسبانيا معاهدات، قامت الحروب بين الصغير وبين ملك أسبانيا، لكنه (الصغير) لم يكن له طاقة بحرب ملك أسبانيا، فأُسر من قِبل الأخير وصار في يده.

وبعد أسْر الصغير استطاع الزغل أن يضم غرناطة إلى أملاكه، فأصبحت غرناطة من جديد إمارة واحدة تحت حكم الزغل.

وبعد ذلك بعام واحد مات هما وكمدا الغالب بالله، وذلك من جراء الذي حدث في البلاد، ولقد كان هذا هو ما جنته عليه نفسه وما اقترفته يداه، وما جناه عليه أحد.

وفي محاولة لفك أسر الصغير عرض الزغل على ملك أسبانيا أموالا كثيرة، ولأنه (ملك أسبانيا) كان يفكر في أمر غاية في الخطورة قابل طلبه بالرفض، فقد اتفق ملك أسبانيا مع الصغير (الذي هو في الأسر، وكان يبلغ من العمر آنذاك خمسة وعشرين عاما) على أن يُمكّنه من حكم بلاد غرناطة ويطرد منها الزغل بالكليّة.

الصغير وملك أسبانيا وخطة السراب الخادع

أشار ملك أسبانيا على الصغير بأن يدخل البلاد من جهة الشمال (شمال غرناطة)، فيثور فيها، أما هو (ملك أسبانيا) فسيأخذ جيشه ويحاصر ملقة من الجنوب، وبذلك تنحصر غرناطة بين فكي الكمّاشة.

وكان الهدف من وراء ذلك كما أراد ملك أسبانيا أنه حينما يقوم الزغل بصد ومحاربة ملك أسبانيا في ملقة في الجنوب، هو أن يدخل الصغير غرناطة في غياب الزغل عنها ويسيطر تماما عليها، ثم بعد أن يأخذ ملك أسبانيا ملقة فيعطيها بعد ذلك للصغير، ليصبح هو حاكما على غرناطة باسم ملك أسبانيا.

وافق الصغير على هذه الخطة، فثار في شمال غرناطة، واتجه فرناندو الثالث بجيوشه إلى ملقة، وعلى الفور توجه الزغل إلى ملقه لحرب النصارى هناك، لكنه لم يستطع أن يصمد، واستطاع النصارى أن يأخذوا ملقة منه، وهنا عاد سريعا إلى غرناطة فوجدها وقد صارت في يد ابن الأحمر الصغير.

انطلق الزغل إلى شرق غرناطة حيث منطقة تسمى وادي آش، واستقل بها وأقام فيها جزءا من مملكة، وبذلك تقلصت غرناطة في انقساماتها المتكررة إلى نصفين، والنصف بدوره إلى نصفين، فكان الوضع هو جزء في شرق غرناطة هو وادي آش وعلى رأسه الزغل، ثم جزء آخر في غرناطة على رأسه الصغير، وجزء أخير هو ملقة وقد أصبحت في يد ملك أسبانيا، ومن المفترض أن يعيدها إلى ابن الأحمر الصغير.

طلب ابن الأحمر الصغير من ملك أسبانيا أن يعيد إليه ملقة كما كان العهد والاتفاق، إلا أن ملك أسبانيا أجابه بأنه إن هو سحب جيشه منها (من ملقة) فسيطمع الزغل فيها ويأخذها منه (من الصغير)، فالحل إذن هو أن أُبقي جيوشي فيها لحمايتك.

ثم ما مرت إلا شهور حتى استرقّ ملك أسبانيا أهل ملقة جميعا (أخذهم رقيقا، وكانوا مسلمين)، ولم يرعى المعاهده التي تمت بينه وبين الصغير، وإن هذا وأيم الله لديدنهم وطبيعتهم [لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ] {التوبة:10}.

ملك أسبانيا والتداعي على باقي القصعة

كان على الساحة الآن "الصغير" ومعه ولاية غرناطة، والزغل ومعه وادي آش، ثم ملك أسبانيا وتحت قبضته ملقة، واستكمالا لآمال كان قد عقدها قديما، وفي سنة 895 هـ= 1490 م انطلق ملك أسبانيا من ملقة إلى ألمرية على ساحل البحر المتوسط فاحتلها، ثم منها توجه إلى وادي آش (التي هي في يد الزغل) فاستولى عليها، وهرب الزغل منها إلى تونس، وقد ترك البلاد بما فيها من المسلمين، تماما كما هو حال ملوك هذا الزمان.

كان الوضع الآن أن حوصرت مدينة غرناطة وكل قراها ومزارعها من كل مكان بجيوش النصارى، أحاطوها من الشرق ومن الغرب ومن الشمال ومن الجنوب، وكان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، قَالُوا: أَوَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ (ما يحمله السيل من وسخ) كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ مِنْ قُلُوبِ أَعْدَائِكُمْ، وَلَيُلْقِيَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ، قَالُو: وَمَا الْوَهْنُ يَا رَسَولَ اللَّهِ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةِ الْمَوْتِ».

فقد تداعت ملوك النصارى حول مملكة غرناطة الصغيرة والضعيفة جدا في ذلك الوقت، وقد حاصروها وأحرقوا القرى والمزارع حول حصونها، وطلبوا من الصغير أن يسلم مفاتيح المدينة، وكان ذلك في سنة سنة 895 هـ= 1490 م وقبل السقوط بعامين.

حينها فقط شعر الصغير أن ما حدث من ملك أسبانيا هو خلاف ما كان يعتقده؛ فقد كان يعتقد أن بينه وبين النصارى ولاء، وبينه وبين ملك أسبانيا تحالفات وعهود، لكن الذي حدث هو أنهم لم يتركوه على كرسيّه كما وعدوه، بل طالبوه بأن يترك غرناطة ويرحل ليتولوا هم أمرها، وذلك بعد إعطائه مهلة للتفكير في ذلك.

وفي هذا الأمر فكر كثيرا محمد بن الأحمر الصغير، إلا أنه لم يجد حلا سوى أن يحاربهم، فلو أطاع أمرهم واستجاب لمطلبهم ترك البلاد وترك الحكم، وهذا لا يريده ولا يقدر أن يتحمله، فاقتنع وبعد تفكير وجدال طويل مع وزرائه بأنه يجب أن يدافع عن البلد، يجب أن يدافع عن غرناطة.

دور الشعب وانتفاضة إسلامية قوية

كان المتوقع والطبيعي بعد أن أعلن الصغير الدفاع عن غرناطة هو أنه لن تكون له قدرة ولا طاقة هو ومن معه من جيشه ووزرائه وهيئته الحاكمة على الحرب أو الدفاع، فقامت في غرناطة في ذلك الوقت انتفاضة إسلامية قوية، وعلى رأسها رجل يُسمى موسى بن أبي غسّان، فكان أن حرّك الجهاد في قلوب الناس، وبدأ يحمسهم على الموت في سبيل الله وعلى الدفاع عن بلدهم وهويتهم، فاستجاب له الشعب وتحرك للدفاع عن غرناطة.

وطيلة سبعة أشهر كاملة ظل أصحاب الانتفاضة في دفاعهم عن حصون غرناطة ضد الهجمات النصرانية الشرسة، وفي ذات الوقت كان محمد بن الأحمر الصغير ينظر إلى الأمور ويستطلعها من بعيد حال الواقف المتفرج، ولم يستطع أن يفعل شيئا، يريد ويتمنى أن يجد حلا أو مخرجا يستر به ماء وجهه لكنه لا يجد.

وبعد سبعة أشهر يجد الصغير بريق أمل كان قد تمنى مثله، حيث أرسل فرناندو الثالث وإيزابيلا رسالة إليه يطلبان فيها أن يسلم غرناطة لهما على أن يضمنوا له ولقومه ولجيشه الأمان، وفي مقابل أكثر من سبعين شرطا يضمن له فيها البقاء.

كان من بين هذه الضمانات وتلك الشروط أن تُترك المساجد، ولا تُدخل الديار، ويُطلق الأسرى، وتُؤمّن الأعراض والأموال، ويوضع عبد الله بن الصغير كأحد الوزراء المعاونين لملك أسبانيا.

الصغير وكبح الانتفاضة

كان قد فهم مغزى الرسالة السابقة موسى بن أبي غسّان الرجل الذي قاد الانتفاضة في بلاد غرناطة وعلم أنها محاولة لوقف الانتفاضة، ووقف الدفاع عن البلاد، ووقف الحميّة للجهاد، ووقف حميّة الناس للموت في سبيل الله، لكن محمد الصغير لم يفهم هذا المغزى، فوافق على هذه الشروط، وذلك بعد أن وجد فيها حلا مناسبا للخروج من المأزق الذي هو فيه؛ إذ كان يرفض الجهاد، ويرفض الحرب، ويريد أن يبقى حيا حتى وإن ظل ذليلا...

من هنا وافق الصغير على هذه المعاهدة، إلا أنه وخوفا من الخيانة المعهودة، وحرصا على حياة أبدية وسرمدية، ونجاة بنفسه من نهاية لا يحمد عقباها، اشترط لنفسه شرطين هما:

أولا: أن يقوم فرناندو وإيزابيلا بالقسم على هذه العهود، فاستُجيب له، وأقسما الملكان له.

ثانيا: أن تحكم في هذه المعاهدة هيئة معينة، تضمن تطبيقها بالصورة السليمة، وبعد أن نظر في دول العالم لم يجد من يحترم ملك أسبانيا رأيه إلا البابا في إيطاليا، فألزم أن يوقّع البابا على هذه المعاهدة، ولا ضير، فوقّع البابا عليها.

وبعدها اتجه الصغير ليسلم مفاتيح مدينة غرناطة، ويوقف حركة الجهاد في البلد في مقابل أن يعطوه الأمان كما ذكروا، وذلك بعد أن وقّع له بابا روما، وأقسم على هذه العهود فرناندو وإيزابيلا.

موسى بن أبي غسّان وعملية استشهاديّة

في رد فعل طبيعي وصريح له حيال ما حدث وقف موسى بن أبي غسّان رحمه الله في قصر الحمراء ثم خطب خطبة مهيبة قال فيها:

، لا تخدعوا أنفسكم ولا تظنوا أن النصارى سيوفون بعهدهم، ولا تركنوا إلى شهامة مَلِكِهم؛ إن الموت أقل ما نخشى (يريد أن هناك ما هو أصعب من الموت)؛ فأمامنا نهب مدننا وتدميرها، وتدنيس مساجدنا، وتخريب بيوتنا، وهتك نسائنا وبناتنا، وأمامنا الجور الفاحش والتعصب الوحشي، والسياط والأغلال، وأمامنا السجون والأنطاق والمحارق، أما أنا فوالله لن أراه.

يريد موسى بن أبي غسّان أنه لن يرى كل هذا الذُلّ الذي سيحل بالبلاد جراء هذا التخاذل والتقاعس، أما أنا فسأموت الموت الشريف.

ثم غادر المجلس وذهب إلى بيته ولبس سلاحه وامتطى جواده، وانطلق يقابل سريّة من سرايا النصارى.

وبمفرده يقابل موسى بن أبي غسّان خمس عشرة رجلا من النصارى، فيقتل معظمهم ثم يُقتل هو في سبيل الله رحمه الله.

انتهاء عصر الدولة الإسلامية في الأندلس

كان مقتل موسى بن أبي غسّان وتسليم ابن الأحمر الصغير غرناطة إيذانا بانتهاء عصر الدولة الإسلامية في مملكة غرناطة.

أعطى أبو عبد الله محمد الصغير الموافقة بالتسليم للملكين فرناندو الثالث وإيزابيلا، ولم ينس أن يرسل إليهما بعضا من الهدايا الخاصة، وفي خيلاء يدخل الملكان قصر الحمراء الكبير ومعهما الرهبان، وفي أول عمل رسمي يقومون بتعليق صليب فضي كبير فوق برج القصر الأعلى، ويُعلن من فوق هذا البرج أن غرناطة أصبحت تابعة للملكين الكاثوليكيين، وأن حكم المسلمين قد انتهى من بلاد الأندلس.

وفي نكسة كبيرة وفي ظل الذل والصغار يخرج أبو عبد الله بن محمد بن الأحمر الصغير من القصر الملكي، ويسير بعيدا في اتجاه المغرب، حتى وصل إلى ربوة عالية تُطل على قصر الحمراء يتطلع منها إليه وإلى ذاك المجد الذي قد ولّى، وبحزن وأسى قد تبدّى عليه لم يستطع فيه الصغير أن يتمالك نفسه، انطلق يبكي حتى بللت دموعه لحيته، حتى قالت له أمه "عائشة الحرة": أجل، فلتبك كالنساء مُلْكا لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال.

وإلى هذه اللحظة ما زال هذا التل الذي وقف عليه أبو عبد الله بن محمد الصغير ما زال موجودًا في أسبانيا، وما زال الناس يذهبون إليه، يتأملون موضع هذا المَلِك الذي أضاع مُلكا عظيما كان قد أسسه الأجداد، ويعرف (هذا التل) بـ زفرة العربي الأخيرة، وهو بكاء أبي عبد الله محمد الصغير حين ترك ملكه.

وقد تم ذلك في الثاني من شهر ربيع الأول، لسنة 897 هـ= 2 من يناير سنة 1492 م.

وقد هاجر بعدها أبو عبد الله بن محمد الصغير إلى بلاد المغرب، وهناك اعتقله ملكها بتهمة الخيانة لبلاد المسلمين، ثم وضعه في سجنه، وكما يقول المؤرخون فقد شوهد أولاده (أولاد أبي عبد الله بن محمد الصغير) بعد ذلك بسنوات وسنوات يشحذون في شوارع المغرب.

فلعنة الله على هذا الذُلّ، ولعنة الله على هذا التَرْك للجهاد اللذَيْن يوصلان إلى هذا المثوى وتلك المنزلة.

وما كان من أمر، فقد اندثرت حضارة ما عرفت أوروبا مثلها من قبل، إنها حضارة الدنيا والدين، وقد انطوت صفحة عريضة خسر العالم أجمع بسببها الكثير والكثير، وقد ارتفع علم النصرانية فوق صرح الإسلام المغلوب، وأفل وإلى الآن نجم دولة الإسلام في بلاد الأندلس.

وليت شعري، أين موسى بن نصير؟

أين طارق بن زياد؟

أين يوسف بن تاشفين؟

أين عبد الرحمن الداخل وعبد الرحمن الناصر؟

أين أبو بكر بن عمر اللمتوني؟

أين يعقوب المنصور المُوَحدي؟

أين يعقوب المنصور الماريني؟

أين كل هؤلاء؟

غابوا وانقطعت آثارهم وإمداداتهم، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله...

النصارى في غرناطة.. لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة

كالعادة ولطبيعة جُبلت نفوسهم عليها، وبعد أن ترك أبو عبد الله بن محمد الصغير البلاد، لم يوف النصارى بعهودهم مع المسلمين، بل تنكّروا لكلامهم، وأغفلوا شروطهم السبعين، وقد أهانوا المسلمين بشدة، وصادروا أموالهم، وكان ذلك مصداق قوله تعالى: [كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ] {التوبة:8}.

وبعد تسع سنوات من سقوط غرناطة، وفي سنة إحدى وخمسمائة وألف من الميلاد أصدر الملكان فرناندو الثالث وإيزابيلا أمرا كان خلاصته أن الله قد اختارهما لتخليص الأندلس من الكفرة (يقصدان المسلمين)، ولذلك يحظر وجود المسلمين في بلاد الأندلس، ويعاقب من يخالف ذلك بالقتل.

ومن هذا المنطلق قام النصارى بعدة أمور، كان منها:

أولا: التهجير

هجر المسلمون بلاد الأندلس بالكلية، هجروها إلى بلاد المغرب والجزائر، وإلى تونس وغيرها من بلاد المسلمين.

ثانيا: التنصير

ولكي يعيش آخرون في بلاد الأندلس في ظل حكم النصارى الأسبان، تَنَصّر من المسلمين آخرون، وهؤلاء لم يرتض لهم النصارى الأسبان حتى بالنصرانية، فلم يتركوهم دون إهانة، وقد سمّوهم بالمُورِسْكِيين احتقارا لهم وتصغيرا من شأنهم، فلم يكن المُورِسْكِي نصرانيا من الدرجة الأولى، لكنه كان تصغيرا لهذا النصراني الأصيل.

"نقل "الدوني روني" مؤرّخ ديوان التفتيش الإسباني وثيقة من أغرب الوثائق القضائية تضمنت طائفة من القواعد والأصول التي رأى الديوان المقدس أن يأخذ بها المسلمون المتنصرون في تهمة الكفر والمروق، وإليك ما ورد في تلك الوثيقة الغريبة

"يعتبر الموريسكي - وهو لقب يطلق على المسلم الذي أكره على الدخول في النصرانية - أو العربي المتنصر قد عاد إلى الإسلام: إذا امتدح دين محمد أو قال إن يسوع المسيح ليس إلهًا وليس إلا رسولًا. أو أن صفات العذراء أو اسمها لا تناسب أمه، ويجب على كل نصراني أن يبلغ عن ذلك. ويجب عليه أيضًا أن يبلغ عما إذا كان قد رأى أو سمع أن أحدًا من الموريسكسين يباشر بعض العادات الإسلامية، ومنها أن يأكل اللحم في الجمعة وهو يعتقد أن ذلك مباح، وأن يحتفل يوم الجمعة بأن يرتدي ثيابًا أنظف من ثيابه العادية، أو يستقبل المشرق قائلًا باسم الله، أو يوثق أرجل الماشية قبل ذبحها، أو يرفض أكل تلك التي لم تذبح، أو ذبحتها امرأة، أو يختن اولاده أو يسميهم بأسماء عربية، أو يعرب عن رغبته في اتباع هذه العادة، أو يقول: إن يجب ألا يعتقد إلا بالله وبرسوله محمد أو يقسم بإيمان القرآن أو يصوم رمضان ويتصدق خلاله، ولا يأكل ولا يشرب إلا عند الغروب، أو يتناول الطعام قبل الفجر - السحور - أو يمتنع عن أكل لحم الخنزير وشرب الخمر، أو يقوم بالوضوء والصلاة بأن يوجه وحهه نحو الشرق ويركع ويسجد ويتلو سورًا من القرآن أو أن يتزوج طبقًا لرسوم الشريعة الإسلامية أو ينشد الأغاني العربية، أو يقيم حفلات الرقص والموسيقى العربية، أو أن يستعمل النساء الخضاب - الحناء - في أيديهن أو شعورهن، أو يتبع قواعد محمد الخمس، أو يلمس بيده على رؤوس أولاده أو غيرهم تنفيذًا لهذه القواعد، أو يغسل الموتى ويكفنهم في أثواب جديدة أو يدفنهم في أرض بكر أو يغطي قبورهم بالأغصان الخضراء أو أن يستغيث بمحمد وقت الحاجة منعتًا إياه بالنبي ورسول الله أو يقول: إن الكعبة أول معابد الله أو يقول: إن لم ينصّر إيمانًا بالدين المقدس، أو أن آباءه وأجداده قد غنموا رحمة الله لأنهم ماتوا مسلمين..." (الموسوعة العامة لتاريخ المغرب - و دولة الموحدين - الصلابي)

Related Posts islamstory...

تعليقات القراء