سلمة بن دينار المدني

نسب سلمة بن دينار المدني ونشأته

التابعي سلمة ابن دينارهو سلمة بن دينار المدني الزاهد التمّار القاصّ مولى الأسود ابن سفيان المخزومي، اشتهر بأبي حازم الأعرج، ولد في أيام ابن الزبير، من عُباد أهل المدينة وزهادهم ممن كان يتقشف ويلزم الورع الخفي والتخلي بالعبادة ورفض الناس وما هم فيه، وأعده الذهبي من طبقة التابعين الرابعة.

من أخذ عنهم ومن سمعوا منه

أخذ من سهل بن سعد وعطاء بن أبي رباح والنعمان بن أبي عياش وسمع من زيد بن أسلم وكان يقول: لقد رأيتنا في حلقة زيد بن أسلم أربعين فقيها أدنى خصلة فينا التواسي بما في أيدينا.

وقال أبو زرعة: لَمْ يسمع من صحابيّ إلاّ من سهل بن سعد. وسمع منه مالك والثوري وابن عيينة.

البلد التي عاش فيها سلمة بن دينار

أصله من فارس، وعاش في المدينة وكان يقص بها، وزار والشام، وقدم على عمر بن عبد العزيز بخناصرة بالشام.

أهم ملامح شخصية سلمة بن دينار

الحكمة

قال أبو نعيم في حلية الأولياء عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: ما رأيت أحدا الحكمة أقرب إلى فيه من أبي حازم.

ومما يوحي إ‘لينا بحكمته ما جاء عنه لما سأله رجل قائلاً يا أبا حازم: ما شكر العينين؟ قال: إن رأيت بهما خيرًا أعلنته، وإن رأيت بهما شرًا سترته. قال: فما شكر الأذنين؟ قال: إن سمعت خيرًا وعيته، وإن سمعت بهما شرًا أخفيته. قال: فما شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لهما، ولا تمنع حقا لله هو فيهما. قال: فما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله طعامًا وأعلاه علمًا. قال: فما شكر الفرج؟ قال: كما قال الله U: "إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون". قال: ما شكر الرجلين؟ قال: إن رأيت خيرًا غبطته استعملت بهما عمله، وإن رأيت شرًا مقته كففتهما عن عمله وأنت شاكر لله U، فأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه فمثله كرجل له كساء يأخذ بطرفه ولم يلبسه فلم ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر.

الزهد في الدنيا

عن عون بن عبد الله يقول ما رأيت أحدًا يفرفر الدنيا فرفرة هذا الأعرج يعني أبا حازم.

قال أبو حازم قاتل هواك أشد ممن تقاتل عدوك.

قال رجل لأبي حازم إنك متشدد فقال أبو حازم وما لي لا أتشدد وقد ترصدني أربعة عشر عدوا أما أربعة فشيطان يفتنني ومؤمن يحسدني وكافر يقتلني ومنافق يبغضني وأما العشرة فمنها الجوع والعطش والحر والبرد والعري والهرم والمرض والفقر والموت والنار ولا أطيقهن إلا بسلاح تام ولا أجد لهن سلاحا أفضل من التقوى.

وكان يتقشف ويلزم الورع الخفي والتخلي بالعبادة.

الجرأة في الحق

ومما يدل على جرأته في قول الحق موقفه مع سليمان بن عبد الملك وقد دخل المدينة زائرًا بعد أن قضى مناسك حجه فسأل عمن أدرك أحدًا من أصحاب النبي r فقالوا: نعم أبو حازم؛ فأرسل إليه فلما أتاه قال: يا أبا حازم، ما هذا الجفاء؟ قال: وأي جفاء رأيت مني يا أمير المؤمنين؟ قال: وجوه الناس أتوني ولم تأتني قال: والله ما عرفتني قبل هذا ولا أنا رأيتك فأي جفاء رأيت مني؟ فالتفت سليمان إلى الزهري فقال: أصاب الشيخ وأخطأت أنا فقال: يا أبا حازم، مالنا نكره الموت؟ فقال: عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة؛ فتكرهون الخروج من العمران إلى الخراب قال: صدقت فقال: يا أبا حازم، ليت شعري مالنا عند الله تعالى غدًا؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله U قال: وأين أجده من كتاب الله تعالى؟ قال: قال الله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال أبو حازم: قريبٌ من المحسنين قال سليمان: ليت شعري كيف العرض على الله غدًا؟ قال أبو حازم: أما المحسن كالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء كالآبق يقدم به على مولاه؛ فبكى سليمان حتى علا نحيبه واشتد بكاؤه فقال: يا أبا حازم، كيف لنا أن نصلح؟ قال: تدعون عنكم الصلف، وتمسكوا بالمروءة، وتقسموا بالسوية، وتعدلوا في القضية، قال: يا أبا حازم، وكيف المأخذ من ذلك؟ قال: تأخذه بحقه وتضعه بحقه في أهله، قال: يا أبا حازم، مَنْ أفضل الخلائق؟ قال: أولوا المروءة والنهى، قال: فما أعدل العدل؟ قال: كلمة صدق عند من ترجوه وتخافه قال: فما أسرع الدعاء إجابة؟ قال: دعاء المحسن للمحسنين قال: فما أفضل الصدقة؟ قال: جهد المقل إلى يد البائس الفقير لا يتبعها مَنّ ولا أذى قال: يا أبا حازم، من أكيس الناس؟ قال: رجل ظفر بطاعة الله تعالى فعمل بها، ثم دل الناس عليها قال: فمن أحمق الخلق؟ قال: رجل اغتاظ في هوى أخيه وهو ظالم له فباع آخرته بدنياه قال: يا أبا حازم، هل لك أن تصحبنا وتصيب منا ونصيب منك؟ قال: كلا قال: ولم؟ قال: إني أخاف أن أركن إليكم شيئا قليلاً فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا يكون لي منه نصيرًا، قال: يا أبا حازم، ارفع إلي حاجتك قال: نعم تدخلن الجنة وتخرجني من النار قال: ليس ذاك إلي قال: فما لي حاجة سواها قال: يا أبا حازم، فادع الله لي قال: نعم اللهم إن كان سليمان من أوليائك فيسره لخير الدنيا والآخرة، وإن كان من أعدائك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى قال سليمان: قط! قال أبو حازم: قد أكثرت وأطنبت إن كنت أهله، وإن لم تكن أهله فما حاجتك أن ترمي عن قوس ليس لها وتر قال سليمان: يا أبا حازم، ما تقول فيما نحن فيه؟ قال: أوتعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: بل نصيحة تلقيها إلي قال: إن آباءك غصبوا الناس هذا الأمر فأخذوه عنوة بالسيف من غير مشورة ولا اجتماع من الناس، وقد قتلوا فيه مقتلة عظيمة وارتحلوا فلو شعرت ما قالوا وقيل لهم، فقال رجل من جلسائه: بئس ما قلت قال أبو حازم: كذبت إن الله تعالى أخذ على العلماء الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه قال: يا أبا حازم أوصني، قال: نعم سوف أوصيك وأوجز نزه الله تعالى وعظمه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك، ثم قام فلما ولي قال: يا أبا حازم، هذه مائة دينار أنفقها ولك عندي أمثالها كثير فرمى بها وقال: والله ما أرضاها لك فكيف أرضاه لنفسي؟ أني أعيذك بالله أن يكون سؤالك إياي هزلاً وردي عليك بذلاً، إن موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام لما ورد ماء مدين قال: {رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير} فسأل موسى u ربه U ولم يسأل الناس، ففطنت الجاريتان ولم تفطن الرعاة لما فطنتا إليه، فأتيا أباهما وهو شعيب u فأخبرتاه خبره قال شعيب: ينبغي أن يكون هذا جائعًا ثم قال لإحداهما: اذهبي ادعيه فلما أتته أعظمته وغطت وجهها ثم قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك فلما قالت: ليجزيك أجر ما سقيت لنا كره موسى u ذلك وأراد أن لا يتبعها ولم يجد بدًا من أن يتبعها لأنه كان في أرض مسبعة وخوف فخرج معها، فكانت الرياح تضرب ثوبها؛ فتصف لموسى u عجزها فيغض مرة ويعرض أخرى فقال: يا أمة الله كوني خلفي، فدخل موسى إلى شعيب عليهما السلام والعشاء مهيأ فقال: كل فقال موسى u: لا قال شعيب: ألست جائعًا؟ قال: بلى ولكني من أهل بيت لا يبيعون شيئًا من عمل الآخرة بملء الأرض ذهبًا، أخشى أن يكون هذا أجر ما سقيت لهما قال شعيب u: لا يا شاب، ولكن هذه عادتي وعادة آبائي قرى الضيف، وإطعام الطعام قال: فجلس موسى u فأكل، فإن كانت هذه المائة دينار عوضًا عما حدثتك فالميتة والدم ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحل منه، وإن كان من مال المسلمين فلي فيها شركاء ونظراء إن وازيتهم وإلا فلا حاجة لي فيها، إن بني إسرائيل لم يزالوا على الهدى والتقى حيث كانت أمراؤهم يأتون الى علمائهم رغبة في علمهم، فلما نكسوا ونفسوا وسقطوا من عين الله تعالى وآمنوا بالجبت والطاغوت كان علماؤهم يأتون إلى أمرائهم ويشاركونهم في دنياهم وشركوا معهم في قتلهم قال ابن شهاب: يا أبا حازم، إياي تعني أو بي تعرض؟ قال: ما إياك اعتمدت؛ ولكن هو ما تسمع؟ قال سليمان: يا ابن شهاب، تعرفه قال: نعم جاري منذ ثلاثين سنة ما كلمته كلمة قط قال أبو حازم: إنك نسيت الله فنسيتني، ولو أحببت الله تعالى لأحببتني قال ابن شهاب: يا أبا حازم، تشتمني قال سليمان: ما شتمك، ولكن شتمتك نفسك أما علمت أن للجار على الجار حقًا كحق القرابة، فلما ذهب أبو حازم قال رجل من جلساء سليمان: يا أمير المؤمنين تحب أن يكون الناس كلهم مثل أبي حازم قال: لا.

القناعة والرضا بما قسمه الله

جاء في حلية الأولياء لأبي نعيم أن سفيان بن عيينة قال: كتب أمير المؤمنين إلى أبي حازم ارفع إلي حاجتك، قال: هيهات، رفعت حاجتي إلى من لا يختزن الحوائج، فما أعطاني منها قنعت، وما أمسك عني منها رضيت.

وكان زاهدًا لا يأتي الأمراء ولا يغشاهم حتى لا يكون ذلك سببًا في الإقبال على دنياهم بل فضل الترفع والزهد في دنياهم، ولقد أرسل بعض الأمراء إلى أبي حازم فأتاه وعنده الإفريقي والزهري وغيرهما فقال له: تكلم يا أبا حازم فقال: أبو حازم: إن خير الأمراء من أحب العلماء وإن شر العلماء من أحب الأمراء، وكان فيما مضى إذا بعث الأمراء إلى العلماء لم يأتوهم وإذا أعطوهم لم يقبلوا منهم وإذا سألوهم لم يرخصوا لهم، وكان الأمراء يأتون العلماء في بيوتهم فيسألونهم وكان في ذلك صلاح للأمراء وصلاح للعلماء، فلما رأى ذلك ناس من الناس قالو: ما لنا لا نطلب العلم حتى يكون مثل هؤلاء فطلبوا العلم فأتوا الأمراء فحدثوهم فرخصوا لهم وأعطوهم فقبلوا منهم، فجرأت العلماء على الأمراء وجرأت الأمراء على العلماء".

اليقين التام في الله وحسن التوكل عليه

ولقد كان أبو حازم شديد اليقين بالله U وقد قال الله: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} فالرزق شيء تكفل الله به فلم يشغل أبو حازم به نفسه بل شغل نفسه بالعبادة والعلم، ولما شكا إليه الناس قائلين له: يا أبا حازم أما ترى قد غلا السعر؟ فقال: وما يغمكم من ذلك؟ إن الذي يرزقنا في الرخص هو الذي يرزقنا في الغلاء".

وجاء في حلية الأولياء لأبي نعيم "قيل لأبي حازم: يا أبا حازم ما مالك؟ قال ثقتي بالله تعالى وإياسي مما في أيدي الناس".

ومر أبو حازم بأبي جعفر المديني وهو مكتئب حزين "فقال: مالي أراك مكتئبا حزينًا وإن شئت أخبرتك قال: أخبرني ما وراءك؟ قال: ذكرت ولدك من بعدك قال: نعم قال: فلا تفعل فإن كانوا لله أولياء فلا تخف عليهم الضيعة، وإن كانوا لله أعداء فلا تبال ما لقوا بعدك".

احترام العلم والعلماء

ومما يدل علي احترامه للعلماء، قال الزهري لسليمان بن هشام: ألا تسأل أبا حازم ما قال في العلماء قال: وما عسيت أن أقول في العلماء إلا خيرًا، إني أدركت العلماء وقد استغنوا بعلمهم عن أهل الدنيا، ولم يستغن أهل الدنيا بدنياهم عن علمهم، فلما رأوا ذلك قدموا بعلمهم إلى أهل الدنيا، ولم ينلهم أهل الدنيا من دنياهم شيئًا إن هذا وأصحابه ليسوا علماء إنما هم رواة فقال الزهري: وإنه لجاري وما علمت أن هذا عنده قال: صدق أما أني لو كنت غنيًا عرفتني".

خوفه وخشيته

يروى أن أبا حازم شهد جنازة فوقف على شفير القبر فجعل ينظر إليه ثم رفع رأسه فقال لبعض أصحابه: ما ترى؟ قال: أرى حفرة يابسة وأرى جنادل قال أبو حازم: أما والله لتحمدنه إلى نفسك أو لتكونن معيشتك فيه معيشة ضنكًا فبكى بكاءًا شديد.

وكان يقول: لو نادى مناد من السماء بأمن أهل الأرض من دخول النار لحق عليهم الوجل من حضور ذلك الموقف ومعاينة ذلك اليوم ثم أنشد قائلاً:

الدهر أدبني والصبر رباني *** والقوت أقنعني واليأس أغناني

وأحكمتني من الأيام تجربة *** حتى نهيت الذي كان ينهاني

بذل النصيحة

نصيحة من الأعرج للإمام الزهري

كتب أبو حازم الأعرج إلى الزهري: عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك أصبحت شيخا كبيرا وقد أثقلتك نعم الله عليك فيما أصح من بدنك وأطال من عمرك وعلمت حجج الله تعالى مما علمك من كتابه وفقهك فيه من دينه وفهمك من سنة نبيه r فرمى بك في كل نعمة أنعمها عليك وكل حجة يحتج بها عليك الغرض الأقصى ابتلى في ذلك شكرك وابدأ فيه فضله عليك وقد قال U {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} فانظر أي رجل تكون، إذا وقفت بين يدي الله U فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها؟ وعن حججه عليك كيف قضيتها؟ فلا تحسبن الله U راضيًا منك بالتعذير، ولا قابلاً منك التقصير، هيهات ليس ذاك أخذ على العلماء في كتابه إذ قال: لتبيننه للناس ولا تكتمونه، إنك تقول إنك جدل ماهر عالم، قد جادلت الناس فجدلتهم وخاصمتهم فخصمتهم إدلالاً منك بفهمك واقتدارا منك برأيك فأين تذهب عن قول الله U: {هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} اعلم أن أدنى ما ارتكبت وأعظم ما احتقبت أن آنست الظالم، وسهلت له طريق الغي بدنوك حين أدنيت، وإجابتك حين دعيت، فما أخلقك أن ينوه غدًا باسمك مع الجرمة وأن تسأل عما أردت باغضائك عن ظلم الظلمة، إنك أخذت ما ليس لمن أعطاك جعلوك قطبًا تدور عليه رحى باطلهم، وجسرًا يعبرون بك إلى بلائهم وسلمًا إلى ضلالتهم، يدخلون بك الشك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم، فلم يبلغ أخص وزرائهم ولا أقوى أعوانهم لهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم، واختلاف الخاصة والعامة إليهم، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك، وما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك، فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك، وحاسبها حساب رجل مسئول، وانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرًا وكبيرًا؟ وانظر كيف إعظامك أمر من جعلك بدينه في الناس مبجلاً؟ وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته مستترًا؟ وكيف قربك وبعدك ممن أمرك أن تكون منه قريبًا؟ مالك لا تتنبه من نعستك، وتستقيل من عثرتك، فتقول: والله ما قمت لله U مقامًا واحدًا أحيي له فيه دينًا ولا أميت له فيه باطلاً، أين شكرك لمن استحملك كتابه واستودعك علمه؟ ما يؤمنك أن تكون من الذين قال الله U: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى} إنك لست في دار مقام قد أوذنت بالرحيل، فما بقاء المرء بعد أقرانه طوبى لمن كان في الدنيا على وجل ما يؤمن من أن يموت وتبقى ذنوبه من بعده، إنك لم تؤمر بالنظر لوارثك على نفسك، ليس أحد أهلاً أن ترد له على ظهرك، ذهبت اللذة وبقيت التبعة، ما أشقى من سعد بكسبه غيره، احذر فقد أتيت، وتخلص فقد وهلت، إنك تعامل من لا يجهل والذي يحفظ عليك لا يغفل، تجهز فقد دنا منك سفر بعيد، وداو دينك فقد دخله سقم شديد، ولا تحسبن أني أردت توبيخك وتعييرك وتعنيفك ولكني أردت أن تنعش ما فات من رأيك وترد عليك ما عزب عنك من حلمك، وذكرت قوله تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك وبقيت بعدهم كقرن أعضب، فانظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت به، أو دخلوا في مثل ما دخلت فيه؟ وهل تراه دخر لك خيرًا منعوه، أو علمك شيئًا جهلوه؟ فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا في كبر سنك ورسوخ علمك وحضور أجلك، فمن يلوم الحدث في سنه الجاهل في علمه المأفون في رأيه المدخول في عقله، ونحمد الذي عافانا مما ابتلاك به والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

من كلمات سلمة بن دينار

قال أبو حازم: نحن لا نريد أن نموت حتى نتوب، ونحن لا نتوب حتى نموت! واعلم: أنك إذا مت لم ترفع الأسواق بموتك إن شأنك صغير فاعرف نفسك.

وقال: ليس للملوك صديق ولا للحسود راحة والنظر في العواقب تلقيح للعقول.

وقال: لا تعادين رجلاً ولا تناصبنه حتى تنظر إلى سريرته بينه وبين الله، فإن لم تكن له سريرة حسنة فإن الله لم يكن ليخذله بعداوتك له، وإن كانت له سريرة رديئة فقد كفاك مساوئه، ولو أردت أن تعمل به أكثر من معاصي الله لم تقدر.

وقال أبو حازم: يسير الدنيا يشغل عن كثير الآخرة، فإنك تجد الرجل يشغل نفسه بهم غيره حتى لهو أشد اهتمامًا من صاحب الهم بهم نفسه.

قال أبو حازم: كل نعمة لا تقرب من الله U فهي بلية.

قال أبو حازم: ينبغي للمؤمن أن يكون أشد حفظًا للسانه منه لموضع قدميه.

موقف وفاة سلمة بن دينار

قال محمد بن مطرف: دخلنا على أبي حازم الأعرج لما حضره الموت فقلنا: يا أبا حازم، كيف تجدك؟ قال: أجدني بخير، أجدني راجيًا لله حسن الكلف به، ثم قال: إنه والله ما يستوي من غدا أو راح يعمر عقد الآخرة لنفسه فيقدمها أمامه قبل أن ينزل به الموت حتى يقدم عليها فيقوم لها وتقوم له، ومن غدا أو راح في عقد الدنيا يعمرها لغيره ويرجع إلى الآخرة لا حظ له فيها ولا نصيب.

وقال أبو حازم لما حضره الموت: ما آسي على شيء فاتني من الدنيا إلا على ذكر الله، وإن هذا الليل والنهار لا يأتيان على شيء إلا أخلفاه، وفي الموت راحة للمؤمنين ثم قرأ {وما عند الله خير للأبرار}.

وفاة سلمة بن دينار

مات –رحمه الله- سنة 135هـ.

المصادر

الوافي في الوفيات - الثقات لابن حبان - تاريخ الإسلام - مختصر تاريخ دمشق - حلية الأولياء - مشاهير علماء الأمصار - حلية الأولياء - أهوال القبور - صفة الصفوة - تاريخ دمشق - التاريخ الكبير - مشاهير علماء الأمصار - تهذيب الكمال.

Related Posts islamstory...

تعليقات القراء