شجرة الدر .. ملكة مصر

المماليك والحكم في مصر

حدث فراغ سياسي كبير جداً بقتل توران شاه، فليس هناك أيوبي في مصر مؤهل لقيادة الدولة، ومن ناحية أخرى فإن الأيوبيين في الشام مازالوا يطمعون في مصر، وحتماً سيجهزون أنفسهم للقدوم إليها لضمها إلى الشام، ولا شك أنه قد داخل الأيوبيين في الشام حنق كبير على المماليك لأنهم تجرءوا وقتلوا أيوبياً.. ولا شك أيضاً أن المماليك كانوا يدركون أن الأيوبيين سيحرصون على الثأر منهم، كما أنهم كانوا يدركون أن قيمتهم في الجيش المصري كبيرة جداً، وأن القوة الفعلية في مصر ليست لأيوبي أو غيره إنما هي لهم، وأنهم قد ظُلموا بعد موقعة المنصورة وفارسكور، لأنهم كانوا السبب في الانتصار ومع ذلك هُمّش دورهم..

كل هذا الخلفيات جعلت المماليك -ولأول مرة في تاريخ مصر- يفكرون في أن يمسكوا هم بمقاليد الأمور مباشرة!.. وما دام الحكم لمن غلب، وهم القادرون على أن يغلبوا، فلماذا لا يكون الحكم لهم؟!..

لقد استُخدم المماليك في مصر من أيام الدولة الطولونية، والذين حكموا من سنة 254هـ إلى سنة 292هـ، يعني قبل هذه الأحداث بحوالي أربعة قرون كاملة، وكذلك استُخدموا في أيام الدولة الأخشيدية من سنة 323هـ إلى سنة 358هـ، و استُخدموا أيضاً في أيام الفاطميين الشيعة الذين حكموا من سنة 358هـ إلى زمان صلاح الدين الأيوبي، حيث انتهت خلافتهم في سنة 567هـ (أي ما يزيد على قرنين كاملين).. واستُخدِموا أيضًا وبكثرة في عهد الأيوبيين كما رأينا..

وفي كل هذه الفترات كان الجيش يعتمد تقريباً على المماليك، ومع ذلك لم يفكروا مطلقاً في حكم ولا سيادة، بل كانوا دائماً أعوان الملوك، وما كانت تخطر على أذهانهم فكرة الملك أبداً لكونهم من المماليك الذين يباعون ويشترون، ولم تكن لهم عائلات معروفة ينتمون إليها، ولا شك أن هذا كان يشعرهم بالغربة في البلاد الجديدة التي يعيشون فيها، كما أن الخطر لم يكن يمسهم شخصياً؛ فهم تبع للسلطة الجديدة، ولا يُستهدفون لذواتهم، أما الآن فالمؤامرات تدبر لهم، والدائرة ستدور عليهم، والملوك ضعفاء، والقوة كلها بأيدي المماليك.. فلماذا لا يجربون حظهم في الحكم؟!

لكن صعود المماليك مباشرة إلى الحكم سيكون مستهجناً جداً في مصر، فالناس لا تنسى أن المماليك -في الأساس- عبيد، يباعون ويشترون، وشرط الحرية من الشروط الأساسية للحاكم المسلم.. وحتى لو أُعتقوا فإن تقبُّل الناس لهم (كحُكَّام) سيكون صعبًا.. وحتى لو كثرت في أيديهم الأموال، وتعددت الكفاءات، وحكموا الأقاليم والإقطاعات، فهم في النهاية مماليك.. وصعودهم إلى الحكم يحتاج إلى حجة مقنعة للشعب الذي لم يألفهم في كراسي السلاطين..

كل هذا دفع المماليك البحرية الصالحية إلى أن يرغبوا بعد مقتل توران شاه في "فترة انتقالية" تمهد الطريق لحكم المماليك الأقوياء، وفي ذات الوقت لا تقلب عليهم الدنيا في مصر أو في العالم الإسلامي..

كانت هذه هي حسابات المماليك الصالحية البحرية..

فماذا كانت حسابات شجرة الدر؟!..

شجر الدر والتطلع إلى الحكم

شجر الدرّ امرأة ذات طابع خاص جداً.. لا تتكرر كثيراً في التاريخ.. فهي امرأة قوية جداً.. شجاعة.. جريئة.. لها عقل مدبر، وتتمتع بحكمة شديدة.. كما أن لها القدرة على القيادة والإدارة.. وكانت شجر الدرّ ترى في نفسها كل هذه القدرات.. وكانت شديدة الإعجاب بإمكانيتها وبنفسها (وكان هذا من أكبر مشاكلها).. مما دفعها إلى تفكير جديد تماماً على الفكر الإسلامي، وخاصة في هذه الفترة من تاريخ الأمة..

لقد فكرت شجر الدر في الصعود إلى كرسي الحكم في مصر!!.. وهذا أمر هائل فعلاً، وهذه سباحة عنيفة جداً ضد التيار.. لكنها وجدت في نفسها الملكات التي تسمح بتطبيق هذه الفكرة الجريئة!.. فقالت لنفسها: لقد حكمت البلاد سرًا أيام معركة المنصورة، فلماذا لا أحكمها جهرًا الآن؟

في ذات الوقت وجد المماليك البحرية في شجرة الدرّ الفترة الانتقالية التي يريدون.. إنها زوجة "الأستاذ".. زوجة الصالح نجم الدين أيوب الذي يكنّون له ويكنُّ له الشعب كله كامل الوفاء والاحترام والحب، وهي في نفس الوقت تعتبر من المماليك لأن أصلها جارية وأعتقت، كما أنها في النهاية امرأة، ويستطيع المماليك من خلالها أن يحكموا مصر، وأن يوفروا الأمان لأرواحهم..

شجر الدر سلطانة مصر

لكل ما سبق توافقت رغبات المماليك مع رغبة شجر الدر.. وقرروا جميعاً إعلان شجر الدرّ حاكمة لمصر بعد مقتل توران شاه بأيام، وذلك في أوائل صفر سنة 648هـ!..

وقامت الدنيا ولم تقعد!!

تفجرت ثورات الغضب في كل مكان.. وعمّ الرفض لهذه الفكرة في أطراف العالم الإسلامي.. وحاولت شجرة الدرّ أن تُجمل الصورة قدر استطاعتها، فنسبت نفسها إلى زوجها المحبوب عند الشعب الملك الصالح نجم الدين أيوب، فقالت عن نفسها إنها ملكة المسلمين الصالحية.. ثم وجدت أن ذلك غير كافٍ فنسبت نفسها إلى ابنها الصغير ابن الصالح أيوب، والمعروف باسم "الخليل"، فلقبت نفسها "ملكة المسلمين الصالحية والدة السلطان خليل أمير المؤمنين"، ثم وجدت ذلك أيضاً غير كاف فأضافت نفسها إلى الخليفة العباسي الذي كان يحكم بغداد في ذلك الوقت وهو المستعصم بالله، والذي سقطت في عهده بغداد في يد التتار كما فصلنا قبل ذلك، فقالت شجرة الدرّ عن نفسها: "ملكة المسلمين المستعصمية (نسبة إلى المستعصم) الصالحية (نسبة إلى الصالح أيوب) والدة السلطان خليل أمير المؤمنين"!!..

ومع كل هذه المحاولات للتزلف إلى العامة وإلى العلماء ليقبلوا الفكرة إلا أن الغضب لم يتوقف، وظهر على كافة المستويات.. وخاصةً أن البلاد في أزمة خطيرة، والوضع حرج للغاية؛ فالحملات الصليبية الشرسة لا تتوقف، والإمارات الصليبية منتشرة في فلسطين، وهي قريبة جداً من مصر، وأمراء الشام الأيوبيون يطمعون في مصر، والصراع كان محتدماً بينهم وبين السلطان الراحل نجم الدين أيوب، كما أن التتار يجتاحون الأمة الإسلامية من شرقها إلى غربها، وأنهار دماء المسلمين لا تتوقف، والتتار الآن يطرقون باب الخلافة العباسية بعنف.. ومصر في هذا الوقت الحرج على فوهة بركان خطير.. ولا يدري أحد متى ينفجر البركان!!..

وقامت المظاهرات العارمة على المستوى الشعبي في القاهرة في كل أنحائها، وشرع المتظاهرون في الخروج بمظاهراتهم إلى خارج حدود المدينة، مما اضطر السلطات الحكومية إلى غلق أبواب القاهرة لمنع انتشار المظاهرات إلى المناطق الريفية..

وقام العلماء والخطباء ينددون بذلك على منابرهم، وفي دروسهم، وفي المحافل العامة والخاصة، وكان من أشد العلماء غضباً وإنكاراً الشيخ الجليل العز بن عبد السلام رحمه الله أبرز العلماء في ذلك الوقت..

كما أظهر الأمراء الأيوبيون في الشام حنقهم الشديد، واعتراضهم المغلظ على صعود النساء إلى كرسي الحكم في مصر..

وجاء رد الخليفة العباسي المستعصم بالله قاسياً جداً، وشديداً جداً، بل وساخراً جداً من الشعب المصري كله، فقد قال في رسالته: "إن كانت الرجال قد عدمت عندكم أعلمونا، حتى نسير إليكم رجلاً!"..

وهكذا لم تتوقف الاعتراضات على الملكة الجديدة.. ولم تنعم بيوم واحد فيه راحة، وخافت الملكة الطموحة على نفسها، وخاصة في هذه الأيام التي يكون فيها التغيير عادة بالسيف والذبح لا بالخلع والإبعاد.. ومن هنا قررت الملكة شجرة الدرّ بسرعة أن تتنازل عن الحكم.... لرجل!!.. أي رجل!!..

لكن لمن تتنازل؟!

إنها ما زالت ترغب في الحكم، وتتشوق إليه، وما زالت تعتقد في إمكانياتها العقلية والإدارية والقيادية.. وهي إمكانيات هائلة فعلاً.. فماذا تفعل؟!

تنازل شجرة الدر عن الحكم

قررت الملكة السلطانة شجرة الدرّ أن تمسك العصا -كما يقولون -من منتصفها، فتحكم باطناً وتتنحى ظاهراً، ففكرت في لعبة سياسية خطيرة وهي أن تتزوج من أحد الرجال.. ثم تتنازل له عن الحكم ليكون هو في الصورة.. ثم تحكم هي البلاد بعد ذلك من خلاله.. أو من خلف الستار كما يحدث كثيراً في أوساط السياسة، فكم من الحكام ليس لهم من الحكم إلا الاسم، وكم من السلاطين ليس لهم من السلطة نصيب، وما أكثر الرجال الذين سيقبلون بهذا الوضع في نظير أن يبقى أطول فترة ممكنة في الكرسي الوثير: كرسي الحكم!!!..

فمن يكون ذاك الرجل؟ وكيف انتهى المطاف بالملكة السلطانة؟

هذا ما سنتعرف عليه في المقال القادم إن شاء الله.

Related Posts islamstory...

تعليقات القراء