صلح الحديبية

صلح الحديبيةصلح الحديبية هو امتحان.. لكنه امتحان مغاير لامتحان الغزوات.. هو امتحان القلوب المؤمنة التي جاشت بالحميّة الإيمانية والغيرة لله ورسوله ودينه، واستقرَّ في أعماقها صدق رسولها في وعده، وصدق وعد الله له، وإن كان هذا الوعد رؤيا في المنام -فرؤيا الأنبياء حق- وهي قلوب مفعمة باستعلاء الإيمان وعزِّ الطاعة، تأبى أن يستضيمها عدو الله، أو تنصاع لضغوطه، في أي ميدان. ومع ذلك ترى في يومها ذاك أمورًا تبدو مناقضة لهذا كله، فكانت أهوالاً وكروبًا لا يسكن أمامها إلا قلب بلغ الغاية القصوى من الانقياد والتسليم لله ورسوله، والتجرُّد مما يخالف ذلك حتى وإن كان دافعه الغضب لله، والحمية لدينه، والاعتزاز بالإيمان به. ولم يكن حينئذ قد بلغ هذه الغاية إلا قلب واحد هو قلب الصديق t[1].

دروس من صلح الحديبية

1- تربية النفس وحملها على التسليم لأمر الله ورسوله

إذ لا يمكن للمرء الإحاطة بجميع الأسباب والنتائج. لقد صُدمت هذه الجماعة الراشدة الزاحفة أبدًا إلى الأمام وهي تواجه منعطفًا خطيرًا يشتهي فيه الكافرون من الشروط ما يشتهون ويحملونها عليها، ثم ترى قائدها يقبلها بدون تحفظ؛ مما أثارَ حميتها وغيرتها الإيمانية، رافضة هذه الشروط التي تبدو في نظرها مجحفة.

2- تعلم الانضباط وتهذيب الحماس

ولعل ما حدث من موقف المؤمنين بالنسبة للصلح كان بسبب الاندفاع الجهادي الذي كانت نتيجة للتربية في الفترة السابقة، فاقتضى الأمر "مرحلة عليا من التربية؛ مرحلة تتعدّى مراحل الحضِّ والإيقاد ورفع الهمم والعزائم إلى مرحلة تهذيب الحماس وتسكين الحمية الإيمانية لتوافق الوحي في كل أمر وتنضبط عليه في كل حركة، وإن رأت موافقته شاقّة على حظِّ النفس"[2]: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الفتح: 26].

وفي إطار هذه الموازنة بين التوثب والانضباط -وهي مرحلة دقيقة من التربية حتى تؤتي التربية الجهادية ثمارها- يقارن سيد قطب -رحمه الله- بين سورتي القتال والفتح لتوضيح هذه المعاني، فيقول: "وبالموازنة بينها -سورة الفتح- وبين إيحاءات سورة محمد التي قبلها في ترتيب المصحف، يتبيَّن مدى ما طرأ على الجماعة المسلمة في موقفها كله من تغيرات عميقة في مدى السنوات الثلاثة التي نرجِّح أنها تفرِّق بين السورتين في زمن النزول، وتبيِّن مدى فعل القرآن الكريم، وأثر التربية النبوية الرشيدة لهذه الجماعة التي سعدت بالنشوء والنمو في ظلال القرآن وفي رعاية النبوة.

وَضَحَ في جوِّ سورة الفتح وإيحاءاتها أننا أمام جماعة نضج إدراكها للعقيدة وتجانست مستوياتها الإيمانية، واطمأنت نفوسها لتكاليف هذا الدين، ولم تعد محتاجة إلى حوافز عنيفة الواقع كي تنهض بهذه التكاليف في النفس والمال، بل عادت محتاجة إلى من يخفض حميتها... وفق حكمة القيادة العليا للدعوة"[3].

3- اتهام العقل أمام النصوص الصريحة

فقد كره بعض الصحابة الصلح مع قريش[4] لما رأوا في شروطها من الظلم والإجحاف في حقهم، لكنهم ندموا بعد ذلك على صنيعهم ورأوا أنهم قد اخطئوا؛ إذ كيف يكرهون شيئًا رضيه الله ورسوله!!

وظلت تلك الحادثة درسًا لهم فيما استقبلوا من حياتهم، وكانوا يُحذِّرون غيرهم من الوقوع فيما وقعوا فيه من الانسياق خلف الرأي؛ فكان عمر بن الخطاب t يقول: "أيها الناس، اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتني أردُّ أمر رسول الله r برأيي اجتهادًا، فوالله ما آلو عن الحق، وذلك يوم أبي جندل، حتى قال لي رسول الله r: تراني أرضى وتأبى؟!"[5].

وكان سهل بن حنيف t يقول: "أيها الناس، اتهموا رأيكم على دينكم؛ لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله لرددته"[6].

فوائد صلح الحديبية

وقد توالت الأحداث مؤكدة الحكمة البالغة والنتائج الباهرة لهذا الصلح، الذي سماه الله تعالى: {فَتْحًا مُّبِينًا} [الفتح: 1][7].

1- إذ اعترفت قريش بكيان المسلمين لأول مرة، فعاملتهم معاملة الند للند[8] عندما قبلت إبرام الصلح معهم، بعد أن كانت تصوِّرهم أمام الناس بأبشع الصور، وتنعتهم بأسوأ النعوت، مما كان له الصدى العميق في أرجاء الجزيرة العربية[9].

2- إن هذا الصلح مكَّن قبيلة خزاعة من إعلان تحالفها الصريح مع المسلمين[10]، حيث كانت قبل الصلح تخفي تعاطفها معهم؛ "إذ كانت عَيْبَة[11] نصحٍ رسول الله r مسلمها ومشركها لا يخفون عنه شيئًا كان بمكة"[12].

3- أتاح السلام المبرم الفرصة للمسلمين للتفرغ لآخر معاقل يهود في خيبر[13]، والتي صارت مصدر خطر كبير على المسلمين؛ إذ كان لزعمائها دور كبير في تأليب الأحزاب ضد المسلمين في غزوة الخندق[14].

4- أتاحت هذه الهدنة الفرصة لنشر الإسلام؛ يقول ابن شهاب الزهري في هذا الشأن: "فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضًا، والتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يُكَلَّم أحد بالإسلام يَعْقِل شيئًا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك"[15].

والدليل على ذلك: أن النبي r خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة[16]، ثم خرج في عام الفتح بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف[17].

الخلاصة

وهكذا يُستشف من هذه النتائج عدم الركون إلى الرأي فيما فيه نص؛ فطاعة الرسول r واجبة، والانقياد لأمره فريضة، وإن خالف ظاهر ذلك مقتضى القياس وحدّ الفهم، فيجب على كل مؤمن أن يتيقَّن أن الخير فيما أمر به، وأنه جار على أتمِّ الوجوه وأكملها، وإن قصرت العقول عن إدراك غايته وعاقبة أمره[18].

ثم كانت نهاية هذا الامتحان العصيب بعد هدأة القلوب وسكون العاصفة، أن أنزل الله تعالى على رسوله وهو قافل إلى المدينة: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا * هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الفتح: 1-4].

إن نزول السكينة وزيادة الإيمان بها ثمرة للإيمان السابق المتمثل في الثقة في الله، والاستسلام لأمره مهما كان هول الموقف. وهكذا يرقى الإيمان ويسمو، وترسخ قاعدة عظمى من قواعد فقه التزكية الإيمانية وهي: أن من ثواب الإيمان: حصول إيمان أعلى منه، ومن جزاء المعصية: نقص الإيمان بمعصية أخرى، وهي قاعدة لم تثبت من خلال موعظة في مسجد، ولا محاضرة في جامعة، وإنما في موقف مهول كهذا الموقف[19].

المصدر: موقع حيران. إنفو.


[1] انظر: سفر عبد الرحمن: ظاهرة الإرجاء في الفكر المعاصر ص40.

[2] المصدر السابق ص41.

[3] سيد قطب: في ظلال القرآن 6/3314، 3315.

[4] انظر: البخاري: الجامع الصحيح، كتاب الجزية، باب حدثنا عبدان 4/70، وكتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب 3/182. ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية 12/141.

[5] قال الحافظ في الفتح: رواه الطبراني في المعجم، والبيهقي في المدخل 13/289، وقال الهيثمي في المجمع: رواه أبو يعلى ورجاله موثوقون، وإن كان فيه مبارك بن فضالة. 1/179.

[6] أخرجه البخاري في الجامع الصحيح، كتاب الاعتصام، باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس 8/148.

[7] انظر: البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية 5/66، وذكره الهيثمي في موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان رقم 436.

[8] انظر: البخاري في كتاب الصلح، باب الصلح مع المشركين 3/168، ومسلم (بشرح النووي)، كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية 12/138.

[9] انظر: أكرم العمري: السيرة الصحيحة 2/450.

[10] انظر: الإمام أحمد: المسند 4/325.

[11] العيبة: موضع السر والخاصة.

[12] أخرجه البخاري في الجامع الصحيح، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد 3/178. وموسى بن عقبة: المغازي ص236.

[13] لقد أشارت سورة الفتح التي نزلت بعد صلح الحديبية -على قول بعض المفسرين- إلى وعد الله تعالى للمسلمين بفتح خيبر وحيازة غنائمها، في قوله تعالى: "وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ" الآية. انظر: ابن كثير: التفسير 4/191.

[14] انظر موسى بن عقبة: المغازي ص214، 215، والبيهقي: الدلائل 3/398.

[15]

[16] ابن هشام: السيرة 3/322.

[17] انظر: البخاري الجامع الصحيح، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية 5/63.

[18] انظر: ابن الديبع الشيباني: حدائق الأنوار ومطالع الأسرار، نقلاً عن حافظ الحكمي: مرويات غزوة الحديبية ص302.

[19] انظر: سفر بن عبد الرحمن: ظاهرة الإرجاء في الفكر المعاصر ص42.

Related Posts islamstory...

تعليقات القراء