عهدي سليم الثاني ومراد الثالث

الخليفة سليم الثاني (974- 982هـ)

الخليفة العثماني سليم الثانيومما يميز عصره أن أصبحت وظيفة الصدر الأعظم تشكل لمن يتقلدها الحاكم الفعلي وقائد الجيوش، وكان من أسباب اللجوء إلى هذه الوظيفة كبر رقعة الدولة واتساعها، وتدفق الأموال على خزائنها، مما جعل الحكام بعد ذلك يلجئون للترف والراحة تاركين للصدر الأعظم تحمل المسئولية.

وسليم هو ابن روكسلان الروسية، والذي تولى السلطة بعد أن نجحت الدسائس التي وضعتها روكسلان في قتل أبناء الخليفة سليمان، واشترك سليم الثاني في بعضها.

وهذا الخليفة لم يكن قويًّا كالخلفاء والسلاطين السابقين، ولكن وجود الوزير محمد الصقلي قد حفظ للدولة مكانتها.

أعمال العثمانيين في الأمصار الإسلامية

قمع الثورات في اليمن

قامت ثورة في اليمن، وكان قائدها المطهر بن شرف الدين فأرسل إليه جيش بقيادة عثمان باشا يسانده سنان باشا والي مصر، وتمكن الجيش من إخماد الثورة عام 976هـ.

تحرير تونس من الأسبان وجعلها ولاية عثمانية

استطاعت إسبانيا احتلال تونس عام 980هـ وإعادة عميلها مولاي حسن الحفصي، ولكن سرعان ما استطاع العثمانيون طرد الأسبان من تونس وجعلها ولاية عثمانية عام 981هـ، وكان قائد التحرير فيها هو سنان باشا والي مصر.

الأعمال في أوربا

مع النمسا

في عام 976هـ أبرمت الدولة صلحًا مع النمسا ينص على اعتراف الدولة بحماية النمسا على بعض الأجزاء في المجر، وتدفع النمسا مقابل ذلك جزية سنوية، وتعترف في نفس الوقت بتبعية ترانسلفانيا والأفلاق والبغدان للعثمانيين.

مع فرنسا

أكد الخليفة تأييده للمعاهدات والامتيازات المبرمة مع فرنسا، وهذا ما ساعد على تدفق الإرساليات الكاثوليكية في أنحاء الدولة العثمانية وبالذات في بلاد الشام وبدأ العمل ضد الدولة العثمانية بضربها داخليًّا عن طريق زرع الانتماء إلى فرنسا والنصارى بصفة عامة.

مع لهستان أو بولونيا (بولندا الحالية):

فرضت الدولة تعيين أخي ملك فرنسا ملكًا على لهستان، متحدية كلاًّ من النمسا وروسيا, وبذلك أصبحت لهستان (بولندا) تحت حماية العثمانيين.

فتح قبرص

استطاعت الدولة العثمانية انتزاع قبرص من أيدي البنادقة الذين كانوا يحتلونها، وذلك في عام 978هـ.

موقعة ليبانت البحرية

بعد ازدياد الخطر العثماني في البحر المتوسط على أوربا، وخاصة بعد فتح جزيرة قبرص، وبعض المواقع على بحر الأدرياتيك، وغزو جزيرة كريت، تحالف نصارى أوربا لمحاربة العثمانيين، فاتحدت أساطيل البندقية مع إسبانيا مع رهبان جزيرة مالطة تحت مباركة البابا، واصطدمت هذه الأساطيل بالأسطول العثماني عام 979هـ، وانهزم الأسطول العثماني وفقد في هذه المعركة 130 سفينة و300 مدفعًا و30 ألف أسير، أخذتها الأساطيل النصرانية.

وكان لهذا الانتصار رنينه الشديد في أوربا، فخطب البابا في كنيسة القديس بطرس بروما (الفاتيكان) يشكر دون جوان قائد الأساطيل المظفرة، وما إن وصلت أخبار الهزيمة إلى إستانبول إلا وثار السكان المسلمون، يريدون أن يفتكوا بالنصارى لولا أن منعهم الوزير محمد الصقلي، وأخذت الدولة تعد أسطولاً جديدًا للأخذ بالثأر, فخافت البندقية فعرضت الصلح على العثمانيين مقابل اعترافها بسيادة العثمانيين على قبرص، ودفع غرامة حربية كبيرة وتم ذلك عام 980هـ.

في البغدان

قضى العثمانيون على تمرد ببلاد البغدان عام 981هـ, وتوفي الخليفة سليم الثاني عام 982هـ، وتولى الحكم ابنه مراد الثالث.

الخليفة مراد الثالث (982- 1003هـ)

الشئون الداخلية:

بمجرد توليه الحكم أمر بقتل إخوته الخمسة حتى لا ينازعه أحد في الحكم.

حاول السلطان منع شرب الخمر، والذي استفحل أيام أبيه، فأصدر قرارًا بمنعه فثارت الإنكشارية وأجبروه على إلغاء هذا القرار.

جدد الامتيازات لدول أوربا (فرنسا والبندقية) وأعطى سفير فرنسا مكانة خاصة، حيث يتقدم باقي السفراء في المحافل الرسمية، وأجبرت السفن الأوربية التي تدخل الموانئ العثمانية أن ترفع علم فرنسا، باستثناء البندقية، ثم استثنيت إنجلترا أيضًا في عهده.

الأعمال في الأمصار الإسلامية

في مراكش:

استنجد سلطان مراكش بالعثمانيين لإخماد ثورة اندلعت في بلاده، واستعان قائدها بالبرتغاليين، فلبى العثمانيون النداء، واصطدموا مع البرتغاليين في موقعة القصر الكبير عام 985هـ، وتحقق النصر للعثمانيين فأعادوا السلطان إلى الحكم.

مع الدولة الصفوية:

استغل العثمانيون الاختلاف على تولية حاكم للدولة الصفوية بعد موت طهماسب عام 984هـ، فضموا إليهم من أملاكها بلاد الكرج (جورجيا) عام 985هـ، ثم أذربيجان الشمالية (شروان عام 986هـ)، ثم بلاد داغستان عام 991هـ، وفي هذه السنة سار القائد عثمان باشا إلى بلاد القرم ليؤدب خانها الذي لم يمد العثمانيين في حربهم مع الصفويين، برغم أنهم طلبوا منه المدد، وتمكن عثمان باشا من إغراء أخي خان القرم بتوليته بدلاً من أخيه فقتل أخاه، واستطاع عثمان باشا أن يدخل عاصمة القرم كافا، وتولى منصب الصدر الأعظم بعد موت محمد باشا الصقلي، هذا الرجل الذي حفظ للدولة مكانتها طوال توليه منصب الصدر الأعظم[1].

وأجبر عثمان باشا الصفويين على الاعتراف بما ضمه من أملاكهم، فدخل عاصمتهم تبريز عام 993هـ، فأجبروا على التنازل عما تم ضمه، إضافةً إلى جنوب أذربيجان بما فيها العاصمة تبريز.

الأعمال في أوربا

بولندا تحت الحماية الفعلية للعثمانيين:

فرضت الدولة تعيين أمير ترانسلفانيا ملكًا على بولونيا بعد مغادرة ملكها السابق هنري إلى فرنسا، وبذا اعترفت النمسا بحماية الدولة على بولونيا عام 984هـ في معاهدة الصلح التي تمت بينهما، والتي كانت مدتها 8 سنوات، وبذلك تحولت الحماية العثمانية على بولندا من حماية اسمية إلى حماية فعلية.

مشاكل الإنكشارية التي لا تنتهي:

نظرًا لتوقف الحروب سواء مع النمسا أو مع الصفويين لم تجد الإنكشارية عملاً لها إلا السلب والنهب في المدن العثمانية، فأراد الصدر الأعظم أن يشغلهم بالحروب مع النمسا في المجر، ونظرًا لما وصل إليه الإنكشارية من فوضى توالت عليهم الهزائم، وفقدوا بعض القلاع، واستطاع سنان باشا أن يستردها عام 1003هـ.

واستغل أمراء الأفلاق والبغدان وترانسلفانيا الموقف, وانضموا إلى النمسا في حروبها ضد العثمانيين، فدخل سنان باشا عاصمة الأفلاق بخارست، إلا أن أميرها استطاع أن يجعل الجيوش العثمانية تتقهقر إلى ما بعد نهر الدانوب، وانتزع منهم عدة مدن.

وتوفي الخليفة مراد الثالث في العام نفسه 1003هـ، وتولى ابنه محمد الثالث.


[1] من مواقف هذا الرجل: طلب نائب البندقية الصليبية في إستانبول -في معركة ليبانت السابق ذكرها وكان الأسطول العثماني قد تحطم في هذه المعركة- مقابلة الصدر الأعظم (محمد باشا الصقلي) ليسبر غوره، ويقف على اتجاهات السياسة العليا للدولة العثمانية تجاه البندقية، وقد بادره الصدر الأعظم قائلاً: إنك جئت بلا شك تتحسس شجاعتنا وترى أين هي، ولكن هناك فرق كبير بين خسارتنا وخسارتكم؛ إذ إن استيلاءنا على جزيرة قبرص كان بمنزلة ذراع قمنا ببتره وكسره، وبإيقاعكم الهزيمة بأسطولنا لم تفعلوا شيئًا أكثر من حلق لحانا، وإن اللحية لتنمو بسرعة وبكثافة تفوقان السرعة والكثافة اللتين تنبت بهما في الوجه لأول مرة.

Related Posts islamstory...

تعليقات القراء