غزوة خيبر (1-2)

الرسول يعطي الراية لعلي بن أبي طالب

غزوة خيبرقام الرسول r وخطب في الناس، وقال لهم: "لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلاً يُحِبُّ اللَّهَ، وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ". إن الرجل الذي يفتح الله على يديه البلاد، ويمكَّن له في الأرض، وينصره على أعدائه، لا بد لهذه الشخصية أن تكون مُحبِّة لله U، ولرسوله r، وهذا لا يأتي إلا بموافقة تامَّة للشرع، وبصدق كامل؛ لأن الله U مُطَّلِع على القلوب، ولا يعطي نصره إلا لمن أحب، وهذا يحدث في كل مراحل التمكين في حياه الأمة الإسلامية، وفي كل انتصارات الأمة الإسلامية؛ فإذا رأيت أن الله U نصر خالد بن الوليد t، أو نصر عمرو بن العاص، أو نصر صلاح الدين الأيوبي، أو نصر سيف الدين قطز، أو يوسف بن تاشفين، أو أي إنسان مُكِّن له في الأرض، فاعْلَمْ أن هذه علامة من علامات حب الله U لهذا العبد، وأن الله سيفتح على يديه، وإذا أراد الله U بعبدٍ خيرًا فلا رادَّ لفضله. وحين قال الرسول r هذه الكلمات، وأصبح في اليوم الثاني حتى يُعطِي الراية لمن وعد، قام كل الصحابة y متشوِّقين لحمل هذه الراية، فقال r: "أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟".

فقال الناس: يا رسول الله، هو يشتكي عينيه.

فأرسل رسول الله r إلى علي بن أبي طالب، وكان عنده رمدٌ في عينيه، وكان لا يرى إلا بصعوبة، وقال الناس: يا رسول الله، إنه مريض في عينيه. وأصرَّ الرسول r مع ذلك على الإتيان بعليٍّ t، ووضع الرسول r على عينيه من ريقه، وسبحان الله! بَرِئ علي بن أبي طالب t، وأصبح يرى كأن لم يكن به أي مرض، وأعطاه r الراية. وكان الجميع يرون أن ظروف علي بن أبي طالب لا تسمح له بالقيادة، ولكن الله U يسَّر له ذلك الأمر، فلو كان الإنسان صادقًا فسوف يفتح الله له أبواب العمل، وإن كان الظاهر هو وجود المعوِّقات الكثيرة، يقول تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].

الرسول يأمر علي بن أبي طالب بدعوة اليهود إلى الإسلام

مع كل الجرائم التي فعلها اليهود، وذلك التاريخ الأسود لهم مع المسلمين، إلا أن الرسول r كان حريصًا على هدايتهم، ودخولهم في نور الإسلام. قال علي بن أبي طالب t: "يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا".

ولننظر إلى عظمة الإسلام، ورحمة الإسلام، وحرصه على هداية كل البشر، فقال رسول الله r لعلي بن أبي طالب موضِّحًا الغاية من الحرب في الإسلام، قال r: "انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ"[1].

وهنا الرسول r يعلمنا أن إسلام هؤلاء اليهود أحب إلينا من أموالهم ومن ديارهم، وأحب إلينا من سلطانهم، وأحب إلينا من كل شيء؛ فمع كل التاريخ الأسود لليهود، ومع كل المحاولات المضنية التي بذلوها لاستئصال المدينة المنورة، إلا أن الرسول r كان حريصًا أكبر الحرص على إسلامهم وعلى هدايتهم إلى ربِّ العالمين I. واقترب الجيش الإسلامي من لحظة البداية، وصلى المسلمون الصبح، وبدأ بعدها الجيش الإسلامي في التحرك في اتجاه خيبر، وكان اليهود حول حصون خيبر يزرعون في المزارع، فرأوا رسول الله r والجيش معه، فقالوا: "محمد والله، محمد والخميس[2]". ورجعوا هاربين إلى مدينتهم، وأغلقوا الأبواب عليهم.

وصاح الرسول r صيحةً عالية سمعها الجيش بكامله، وسمعها كذلك اليهود، فقال: "اللَّهُ أَكْبَرُ! اللَّهُ أَكْبَرُ! خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ، فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ"[3].

وهذه الكلمات كانت تلقي بظلال مهمَّة على الجيشيْنِ الإسلامي واليهودي؛ لأنها تُذَكِّر المسلمين بأن النصر من عند الله U، وتذكِّرهم بالله U قبل أن يبدءوا القتال. ثم إنه يقول لهم: إن الله U هو الناصر، وهو أكبر من أيِّ عدو، وإن كنتم ترون حصون خيبر وسلاح خيبر وأعداد خيبر أكثر بكثير من المسلمين، فإن الله U معنا، وهو ناصرنا عليهم إن شاء الله. وهذا الأمر قد رفع الروح المعنوية عند المسلمين، وذكرهم بأيام الله U، وبانتصارهم في بدر والأحزاب، أما اليهود فقد ألقت هذه الكلمات الرعب في قلوبهم.

المسلمون يضربون الحصار على خيبر

وصل الصحابة -رضوان الله عليهم- إلى خيبر، وبدأ الرسول r يدرس الموقف، فمن أيِّ الحصون يدخل خيبر؟ فخيبر عبارة عن منطقة ذات حصون كثيرة، وفيها الحصون الكبيرة والحصون الصغيرة، والحصون الكبيرة ثمانية حصون رئيسية؛ فخمسة من هذه الحصون في منطقة، وثلاثة في منطقة أخرى، والخمسة حصون الأولى هي خط الدفاع الاستراتيجي الأول لليهود، وتنقسم إلى: ثلاثة في منطقة تسمى النَّطَاة، واثنين في منطقة تسمى الشَّق، أما حصون النطاة فكانوا بالترتيب الآتي: ناعم، ثم الصعب بن معاذ، ثم قلعة الزبير. وكان حصن ناعم من الحصون القوية في خيبر، واقترب الرسول r من هذا الحصن، وأرسل علي بن أبي طالب ليدعوهم إلى الإسلام.

وهنا لا يجب أن يقول قائل: إنه لا إكراه في الدين، فلماذا يدعوهم إلى الإسلام ثم إذا رفضوا حاربهم؟ إن الحرب هنا ليست عقابًا لليهود على تركهم للإسلام، وليست عقابًا لهم على رفض الدعوة الإسلامية، ولكن الرسول r جاء من المدينة المنورة إلى خيبر ليعاقب اليهود على جرائمهم المتعددة السابقة، وعلى تحزيبهم الأحزاب وحصارهم للمدينة المنورة، وعلى تخابرهم مع المنافقين في داخل المدينة المنورة، وعلى محاولتهم اغتيال الرسول r، وعلى تحفيزهم لغطفان أكثر من مرة على حرب المسلمين؛ فلذلك قرر أن يقاتلهم وأن يعاقبهم، ولكنه r يريد أن يعطيهم فرصة أخيرة ليرفعوا عن أنفسهم العقاب الذي يستحقونه، فقال: إن أسلمتم رفعنا عنكم العقاب، ونسينا كل ما سبق. وهذه سعة صدر ورحمة من رسول الله r، ولكن اليهود رفضوا هذه الدعوة، ورفضوا دعوة علي بن أبي طالب t لدخولهم في الإسلام، وقرروا الحرب، واغتروا بقوتهم وأعدادهم وحصونهم.

المبارزة بين عامر بن الأكوع ومَرْحَب اليهودي

لم يستجب اليهود لدعوة المسلمين لهم بالدخول في الإسلام، وأصروا على القتال، بل أخرجوا أحد قادتهم الكبار ليحارب المسلمين، وكانت عادة الحروب القديمة أن يبدأ القتال بمبارزة بين فارسين من كلا الجيشين، والمنتصر في هذه المبارزة يُعطي دفعة معنوية كبيرة لفريقه إن انتصر في هذه اللحظات الأولى من القتال؛ أخرج اليهود أحد أبطالهم، وكان من أشد الفرسان في تاريخ العرب بصفة عامَّة، وهذا الرجل كان اسمه مَرْحَبًا، وكان رجلاً عملاقًا ضخم الجثة، وخرج للقتال وطلب المبارزة، فخرج له عامر بن الأكوع t، وسَرْعان ما دارت المبارزة بين الاثنين، وضرب عامر بن الأكوع t مَرْحبًا اليهوديّ ضربة كبيرة، ولكن الضربة طاشت ولم تصل إلى مَرْحَب، وأكملت الطريق إلى رُكبة عامر فَقُتل بسيفه، فاستشهد t، فقال الصحابة: قد قتل نفسه. وتأثر الصحابة y بهذا الموقف، بل وصل الأمر إلى أن بعض الصحابة قالوا: حبط عمله. وكأنه قتل نفسه بإرادته.

ولكن الرسول r علق بعد ذلك على هذه الحادثة، وأثنى على عامر بن الأكوع t، وقال r: "إِنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ"، وجمع بين إصبعيه r، ثم قال: "إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ[4]، قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثْلُهُ"[5]؛ يعني نادرًا من العرب الذي مشى في أرض المعركة مثل عامر بن الأكوع t.

ولكن ما حدث كان في الحقيقة أزمة، وحدث نوع من الهزَّة عند المسلمين، وارتفعت الروح المعنوية عند اليهود، ووقف مَرْحَب القائد اليهودي يطلب القتال من جديد بعد أن ارتفعت معنوياته في هذه اللحظات الأولى من القتال، فخرج له البطل الإسلامي علي بن أبي طالب t حامل راية المسلمين في غزوة خيبر، ودار بينهما قتال شديد عنيف، ثم مَنَّ الله U على علي بن أبي طالب بالنصر، كما تنبأ بذلك الرسول r، وقتل علي بن أبي طالب مَرْحبًا، وكان قتله إشارة كبيرة إلى أن النصر سيكون للمسلمين إن شاء الله؛ لأن هذا الرجل كان أقوى رجلٍ في اليهود، وكان اليهود لا يتخيلون أبدًا أن يقتله أحدٌ من المسلمين. وخرج أخو مرحب -وكان اسمه ياسرًا وكان يريد الثأر لأخيه، وكان من عمالقة اليهود أيضًا- يطلب القتال، فخرج له الزبير بن العوام t، واستطاع الزبير بن العوام t أن يقتل ياسرًا أخا مَرْحب، وكان ذلك بداية الانتصار للمسلمين.

احتدام القتال وسقوط حصن ناعم في يد المسلمين

احتدم اللقاء بين الصحابة y وبين اليهود، فهذا اللقاء لم يكن ساعة أو ساعتين، ولكنه استمر عِدَّةَ أيام متصلة، وهذا غريب في عُرْف القتال؛ فكما رأينا قبل ذلك في بدر وفي أُحد وفي غيرها كان اللقاء يومًا واحدًا، ولكن في هذا اللقاء الشديد دارت المعركة أكثر من يوم حتى تسلل اليهود من حصن ناعم وتركوه فارغًا للمسلمين، وكان هذا التسلل ليلاً، وانتقلوا إلى الحصن الذي وراءه، وتحصنوا في حصن الصعب بن معاذ، واحتل المسلمون حصن ناعم، وكان هذا إضافةً كبيرة للجيش الإسلامي في غزوة خيبر، فهل اكتفى r بهذا النصر في هذه المعركة؟

لا؛ لأن الرؤية عند الرسول r واضحة تمامًا، فقد جاء لينتقم من أفعال اليهود وخياناتهم المتكررة للمسلمين، وليخرج اليهود من خيبر كما أخرج قبل ذلك يهود بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة من المدينة المنورة. وتوجه الرسول r إلى حصن الصعب، وحاصر الحصن حصارًا شديدًا، وكان حصن الصعب بن معاذ أشد خطورةً وصعوبة من حصن ناعم، وأحكم المسلمون الحصار على حصن الصعب بن معاذ.

تحريم الحُمُر الأهلية في خيبر

ومع أن الحصار كان شديدًا، ومع أن فتنة الحرب كانت كبيرة، إلا أن الله U أراد أن يبتلي المؤمنين، فأوقعهم في أمر صعب إلى جوار صعوبة الحرب، وهو أمر الجوع؛ إذْ دخل المسلمون في جوع شديد جدًّا لدرجة أن الصحابة y قالوا: لقد جهدنا وما بأيدينا من شيء. فالموقف أصبح حرجًا للغاية.

وعندما ازداد الجوع على المسلمين، قام بعض رجال الجيش الإسلامي بذبح بعض الحمير للأكل. والحقيقة أن العرب كانت تأكل الحمير في ظروف معينة، ولم يكن الأمر محرمًا على المسلمين في ذلك الوقت، ونصبوا القدور، ولم يكن هذا بعلم الرسول r، ولما رأى الرسول r النيران مشتعلة قال: "عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟".

فهو r يعلم أنه ليس مع الجيش لحم يطبخ، ولا شيء يوقد عليه نار، فقالوا: يا رسول الله، نوقد هذه النيران على لحم. فقال: "أَيُّ لَحْمٍ؟" فقالوا: لحوم الحُمُر. يعني لحوم الحمر التي تُستخدم في النقل، وهذه الحمير لم تكن محرَّمة على المسلمين حتى هذه اللحظة، ولكن الرسول r في هذا الموقف الصعب قام ونَهَى عن أكل لحوم الحُمُر الأهليَّة، وقال: "لاَ تَأْكُلُوا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ شَيْئًا وَأَهْرِقُوهَا"[6].

وإنه لموقف صعب حقًّا، فالصحابة y في ضائقةٍ وجوع شديد، وبدأت اللحوم تنضج ورائحة اللحوم بدأت تظهر، والصحابة متشوِّقون للأكل، ثم أتى النهي من عند رسول الله r. وهذا النهي لا ينصاع له إلا مؤمن كامل الإيمان، وبفضل الله فإن جميع الجيش -بلا استثناء- قد نجح في هذا الاختبار، ولم يأكل أحد من هذه اللحوم، بل إن الرسول r لم يكتفِ بتحريم الأكل من لحوم الحُمُر الإنسيَّة، وإنما قال: "أَهْرِيقُوهَا[7] واكْسِرُوهَا"؛ ليختفي كل أثر لهذه اللحوم، فسأل بعض الصحابة: أَوْ نُهَرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ يعني بدل الكسر نغسل القدور، فقال r: "أَوْ ذَاكَ"[8].

وقَبِل r بغسل القدور. إن هذا التحريم جاء في وقت يحتاج فيه الجيش إلى هذا الأكل، ومن الواضح أن الرسول r كان يرى أن موقف الصحابة لم يصل بعد إلى موقف الاضطرار، أي ما زالت هناك فرصة أن يعيشوا بدون طعام فترة من الزمان، وإلا اضطر المسلمون لأكل أيِّ شيء حتى الميتة، وهذا مباح في أوقات الضرورة فقط. إنها التربية الإيمانية العالية! وهذا من أعظم أسباب النصر.

السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع

إن هذا التحريم الذي جاء على لسان الرسول r، لم يأتِ في القرآن الكريم؛ فالله U ذكر في القرآن الكريم أنواعًا كثيرة من المحرمات على المسلمين، قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ} [المائدة: 3].

وغير ذلك من المحرمات التي ذكرها الله U في القرآن الكريم. وتحريم الحمر الأهلية لم يأتِ في كتاب الله U، وجاء في السنة النبوية فقط، وفي ذلك قال الرسول r حديثًا، من الواضح أنه قاله بعد أحداث غزوة خيبر، قال في خُطبةٍ ذات يوم للصحابة، ومن الواضح أيضًا أن بعض المنافقين كان قد ادَّعى أنه يُكتفى بالقرآن الكريم فقط، أو أن الرسول r قد تنبَّأ بأنه سيأتي زمان على المسلمين يدَّعِي فيه بعضهم أن القرآن الكريم يكفيهم دون سُنَّة النبي r؛ يقول r فيما روى أبو داود عن المقدام بن معد يكرب t قال: قال رسول الله r: "أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ. أَلاَ لاَ يَحِلُّ لَكُمُ الْحِمَارُ الأَهْليُّ، وَلاَ كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ..."[9].

وذكر أنواعًا أخرى من المحرمات، والذي يجمع كل هذه المحرمات يجد أنها لم تأتِ في كتاب الله I، ومع ذلك فهي محرمة على المسلمين بتحريم الرسول r لها، فثبت الحكم عند المسلمين، وهذا من أبلغ الأدلة لكون السنة النبوية مصدرًا مهمًّا من مصادر التشريع الإسلامي.

الرسول يتوجه بالدعاء إلى الله

في هذه الأزمة الكبيرة وبعد استجابة الصحابة رضوان الله عليهم لأمر الرسول r، لجأ المسلمون لجوءًا كاملاً إلى الله U، وهذا من أبلغ الفوائد في الأزمات، لجوء المسلمين الصادقين إلى الله U؛ ليفتح لهم أبواب الرحمة. ووقف المسلمون يدعون مع الرسول r، هو يدعو وهم يؤمِّنون، فقال r: "اللَّهُمَّ إِنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ حَالَهُمْ وَأَنْ لَيْسَتْ بِهِمْ قُوَّةٌ، وَأَنْ لَيْسَ بِيَدِي شَيْءٌ أُعْطِيهِمْ إِيَّاهُ، فَافْتَحْ عَلَيْهِمْ أَعْظَمَ حُصُونِهَا عَنْهُمْ غَنَاءً، وَأَكْثَرَهَا طَعَامًا وَوَدَكًا[10]"[11]. وانتهى r من دعائه.

سقوط حصن الصعب وقلعة الزبير في يد المسلمين

وبفضل لجوء المسلمين إلى الله U، جاء النصر من السماء؛ ففي اليوم التالي فتح الله عليهم حصن الصعب بن معاذ، وهذا من أغنى حصون خيبر بالطعام والشراب، وما لذَّ من ألوان الطعام المختلفة، ووجدوا فيه الطعام والوَدَك كما دعا رسول الله r، وأكل الناس وشبعوا واستكملوا الحرب، ثم انتقلوا بعد ذلك إلى حصن قلعة الزبير، وهو الحصن الثالث في المنطقة؛ وحصن قلعة الزبير من أمنع الحصون أيضًا في هذه المنطقة، وكما يقول الرواة: لا تقدر عليه الخيل والرجال؛ لأنه فوق قمة جبل ومن الصعب الوصول إليه.

وفرض الرسول r عليه الحصار، وظل الحصار ثلاثة أيام، ثم ألقى الله U الرعب في قلب رجل من اليهود فأتى وتسلل من الحصن، وجاء إلى الرسول r وطلب الأمان، وقال له: يا أبا القاسم، إنك لو أقمت شهرًا تحاصرهم ما بالوا بك، إن لهم شرابًا وعيونًا تحت الأرض، يخرجون بالليل ويشربون منها، ثم يرجعون إلى قلعتهم دون أن يشعر المسلمون بهم. وقال اليهودي: فإن قطعت مشربهم عليهم خرجوا لك؛ لأنهم لا يستطيعون أن يعيشوا من غير ماء. فوصل الرسول r إلى هذه المياه وقطعها عن اليهود، فخرجوا إليه وقاتلوا قتالاً شديدًا، واستمر القتال حتى انتصر المسلمون وافتتحت قلعة الزبير، وكان القتال في منتهى الضراوة[12].

وكما نرى فإن كل حصن عليه حصار عدة أيام ثم هربٌ من حصن إلى الحصن الذي بعده. والحقيقة أن هذه الحصون كانت مبنية بمهارة عجيبة، فكل حصن يسلم إلى الحصن التالي، وبذلك فتح الرسول r الحصون الثلاثة الأولى، وهي حصن ناعم والصعب بن معاذ والزبير، وكانوا في منطقة تسمى النطاة. وبهذا نرى أن نصر الله U يأتي بعد أن يستنفد المسلمون كل أسباب العمل، وقد لا تؤدي هذه الأسباب إلى النصر بذاتها، بل كثيرًا ما يحدث ذلك الأمر عندما يعجز المسلمون تمامًا، كما فعل الله U في بدر والأحزاب، وجنود الله U كثيرة، كما قال سبحانه: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} [المدثر: 31].

وكان أحد جنود الرحمن في غزوة خيبر ذلك اليهودي، وهو ما زال يهوديًّا، ولا نعلم أنه قد أسلم ولكنه على يهوديته، أتى رسولَ الله r وكشف سر قلعة الزبير، {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 126].

د. راغب السرجاني


[1] البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبي الحسن t (3498)، ترقيم مصطفى البغا. مسلم: كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل علي بن أبي طالب t (2406)، ترقيم فؤاد عبد الباقي.
[2]
الخميس: الجيش.
[3]
البخاري: كتاب الأذان، باب ما يحقن بالأذان من الدماء (585).
[4]
أي أنه مجتهد في العلم والعبادة والعمل.
[5]
البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة خيبر (3960). مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب غزوة خيبر (1802).
[6]
البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة خيبر (3983).
[7]
يعني: صبوا كل القدور، وكل ما فيها من مرق اللحوم على الأرض.
[8]
البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة خيبر (3960). مسلم: كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب تحريم أكل لحم الحمر الإنسية (1802).
[9]
أبو داود: كتاب السنة، باب في لزوم السنة (4604)، ترقيم محيي الدين عبد الحميد.
[10]
الوَدَك: دسم اللحم.
[11]
ابن هشام: السيرة النبوية، القسم الثاني (الجزء الثالث والرابع) ص332.
[12]
المباركفوري: الرحيق المختوم، دار الوفاء، مصر، الطبعة السابعة عشرة، 1426هـ- 2005م، ص321.

Related Posts islamstory...

تعليقات القراء