محمد الفاتح وفتح القسطنطينية

السلطان الغازي محمد الفاتح (855- 886هـ)

يحتل السلطان محمد الفاتح (محمد الثاني) عند أغلب المسلمين الشهرة الأولى في الدولة العثمانية, وذلك لعكوف مؤرخي أوربا على تشويه تاريخ الدولة العثمانية، وللأسف الشديد تأثر كثير من المسلمين بهم حتى باتوا لا يعرفون عن إيجابياتها شيئًا غير فتح القسطنطينية، ولا يعرفون من حكامها إلا محمد الفاتح.

ومن الجدير بالذكر أنه برغم إيجابياته الكبيرة فهناك حكام آخرون بلغت في عهدهم الدولة العثمانية أوجهًا أكثر بكثير من عهد محمد الفاتح، كما سيرد ذكره عن سيرة الحكام القادمين، ولكن لا ينكر أحد أن عهد محمد الفاتح -الذي تولى الحكم وعمره 22 عامًا- من ألمع صفحات تاريخ العثمانيين بالكامل, ويكفيه شهادة رسول الله r عنه أنه قال: "لتفتحن القسطنطينية، ولنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش".

فتح القسطنطينية:

فتح القسطنطينية

حاول المسلمون فتح القسطنطينية قبل العهد العثماني عدة مرات يحدوهم في ذلك حديث rالرسول

عن أبى قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص، وسئل أي المدينتين تفتح أولاً: القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله r بكتب إذ سئل رسول الله r: أي المدينتين تفتح أولاً: أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله r: "مدينة هرقل تفتح أولاً"، يعني قسطنطينية.

لذلك أعد السلطان محمد الفاتح العدة لفتحها فبدأ ببناء قلعة على البر الأوربي تشرف على مضيق البوسفور، وتقابلها على البر الآسيوي القلعة التي بناها السلطان بايزيد الأول, وبذلك يتحكم في مضيق البوسفور ويمنع وصول الإمدادات إلى القسطنطينية.

وشعر إمبراطور القسطنطينية بعزم السلطان على فتحها فعرض عليه دفع الجزية فرفض السلطان, وقبل أن نتعرض لأحداث الفتح نلقى نظرة على تحصين مدينة القسطنطينية الذي جعل منها مدينة صعبة المنال.

أولاً: كما نرى المانع المائي المتمثل في بحر مرمرة، وحتى مدخل القرن الذهبي عليه سلسلة عظيمة لمنع أو السماح بدخول أي سفينة.

ثانيًا: الأسوار التي تحيط بالمدينة من جميع الجهات حتى من جهة البحر، ومن جهة البر توجد الأسوار العظمى التي يصعب اختراقها.

ثالثًا: الحصن الموجود عند مدخل القرن الذهبي لمقاومة أي عدو.

نعود مرة أخرى لسير الأحداث، فعندما رفض السلطان محمد الثاني أن يدفع له إمبراطور بيزنطة الجزية في مقابل عدم مهاجمة القسطنطينية, استنجد إمبراطور بيزنطة بنصارى أوربا, فأرسلت له جنوه (وهي إحدى الإمارات الأوربية في ذلك الوقت) 30 سفينة حربية وجاءت في الوقت الذي يحاصر فيه العثمانيون القسطنطينية من جميع الجهات, فاصطدمت السفن بالأسطول العثماني واستطاع الجنويون التسلل إلى القرن الذهبي, وحينما حاول العثمانيون اللحاق بهم أغلقت السلسلة في وجوههم بعد أن دخل الجنويون القرن الذهبي.

كان عدد الجنود العثمانيين الذين يحاصرون المدينة من الجهة البرية قرابة 250.000 جندي، أما من الناحية البحرية فكان هناك قرابة 180 سفينة بحرية.

وجمع محمد الفاتح قواده وقال لهم:

إذا تم لنا فتح القسطنطينية تحقق فينا حديث رسول الله r ومعجزة من معجزاته، وسيكون من حظنا ما أشاد به هذا الحديث من التقدير، فأبلغوا أبناءنا العساكر فردًا فردًا أن الظفر العظيم الذي سنحرزه سيزيد الإسلام قدرًا وشرفًا، ويجب على كل جندي أن يجعل تعاليم شريعتنا الغراء نصب عينيه، فلا يصدر عن أحد منهم ما يجافـي هذه التعاليم، وليجتنبوا الكنائس والمعابد، ولا يمسوها بأذى، ويدعوا القساوسة والضعفاء والعجزة الذين لا يقاتلون.

وأراد العثمانيون الدخول إلى القرن الذهبي حيث توجد بعض الأسوار الواهية فاتبعوا طريقة لم تخطر ببال أحد, وهي أنهم أعدوا ألواحًا خشبية تصل بين البحر في القرن الذهبي والبحر عند مدخل مضيق البوسفور، وألقوا على هذه الألواح الخشبية الدهون والشحوم, وأخذوا يزلقون السفن الحربية على الألواح الخشبية من مضيق البوسفور إلى القرن الذهبي, ثم أخذت المدافع العثمانية تدك أسوار القسطنطينية من جميع الجهات، فلم تستطع المدينة أن تصمد أمامهم، فدخلوها دخول الأبطال المنتصرين في فجر يوم 15 من جمادى الأولى عام 857هـ، وقتل إمبراطورها في المعركة، وسيطر العثمانيون على المدينة سيطرة كاملة، وأمر السلطان محمد الفاتح أن يؤذن في كنيسة آيا صوفيا إيذانًا بتحويلها إلى مسجد.

ومما هو جدير بالذكر أن كنسية آيا صوفيا هذه هي مقر الأرثوذكس العالمي، التي تضاهي الفاتيكان مقر الكاثوليك العالمي, كما أمر السلطان بتغيير اسم المدينة إلى إسلام بول (إستانبول) أي مدينة الإسلام, واتخذت عاصمة للدولة العثمانية وظلت العاصمة حتى إلغاء الخلافة, وبذلك سقطت تمامًا الدولة البيزنطية العدو الأول للمسلمين على مدى أكثر من 8 قرون, وأمّن أهل المدينة النصارى على حرية دينهم وممارسة شعائرهم، واشترى نصف كنائس المدينة وحولها إلى مساجد، وترك النصف الآخر من الكنائس للنصارى لممارسة شعائرهم.

وأثناء حصار المسلمين للقسطنطينية عثر على قبر الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري، الذي استشهد أثناء محاصرة القسطنطينية في عهد يزيد بن معاوية، فبعد فتح القسطنطينية بنى مسجدًا في هذا الموقع، وغدا تسلم السلاطين مقاليد الحكم في هذا المسجد عُرفًا متبعًا حيث يتسلم السلطان الجديد سيف عثمان أرطغرل مؤسس الدولة.

الفتوحات في أوربا:

بعد أن تم فتح القسطنطينية وترميم أسوارها التي هدمت أثناء الفتح، تقدم السلطان محمد الفاتح ليستكمل فتوحاته.

تحويل ولاية الصرب إلى ولاية عثمانية:

كما نعلم أن السلاطين السابقين كانوا يعطون الاستقلال لإمارة الصرب في مقابل جزية تدفع كل عام، ولكن كثيرًا ما كان الصرب يستغلون أي ظروف سيئة تمر بها الدولة العثمانية، ويمتنعون عن دفع الجزية, فأراد السلطان محمد الفاتح أن يعزز سيطرة الدولة العثمانية على بلاد الصرب، فسار إليها ودخلها عام 858هـ ولكنه لم يتمكن من فتح عاصمتها بلغراد، وذلك لأن ملك المجر هونياد استمات في الدفاع عنها، ولكن بهذا الفتح فقدت الصرب استقلالها وتحولت إلى ولاية عثمانية، ولم يبق خارج سيطرة العثمانيين إلا بلغراد التي تركها العثمانيون، ونجحوا في إصابة ملك المجر الذي مات متأثرًا بجراحه بعد مغادرة العثمانيين بعشرين يومًا.

فتح بلاد مورة (جنوب اليونان):

تمكن السلطان محمد الفاتح من فتح بلاد مورة عام 863هـ، وتمكن أيضًا من فتح معظم الجزر في بحر إيجه.

فتح بلاد الأفلاق (جزء من رومانيا الحالية):

وصل للسلطان محمد الفاتح تعدى أمير الأفلاق على بعض التجار العثمانيين النازلين ببلاده، فجهز السلطان محمد الفاتح جيشًا لمحاربته، فطلب الأمير الصلح مقابل جزية سنوية قدرها 10.000 درهم ولكن اتضح أن أمير الأفلاق لم يطلب ذلك إلا ليتحد مع أمير المجر لمحاربة العثمانيين، فبعث إليه السلطان برسولين ليستفسرا عن ذلك، فقتل الرسولين.

ولم يكتف بذلك بل أغار على بلاد البلغار التابعة للدولة العثمانية، فأعمل فيها القتل والسلب وعاد إلى بلاده ومعه 25.000 أسير، فأرسل له السلطان يدعوه إلى إعادة الأسرى والطاعة للدولة العثمانية, فأمر الرسل برفع عمائمهم لتعظيمه، فأبى رسل السلطان فأمر الأمير بتثبيت العمائم على رءوسهم بمسامير من حديد، وعلم السلطان بما حدث فجمع 150.000 مقاتل وسار قاصدًا بلاد الأفلاق، فهزم أميرها الذي فر إلى بلاد المجر بعد أن مثل بالأسرى المسلمين شر تمثيل، وامتلأت ضواحي بخارست عاصمة الأفلاق بجثثهم، وبذلك أصبحت الأفلاق ولاية عثمانية.

فتح بلاد البوسنة ودخول أهلها في دين الله أفواجًا:

امتنع أمير البوسنة عن دفع الجزية، فجهز السلطان محمد الفاتح جيشًا لفتح البوسنة، فسار إليها وفتحها عام 866هـ وحاول ملك المجر ماتياس نزع البوسنة من أيدي العثمانيين، ولكنه فشل وما إن تم فتح البوسنة وجعلها ولاية عثمانية إلا ودخل أهلها وأشرافها في دين الله أفواجًا، وانضم للجيش من أهلها 30.000 شاب.

إسكندر بك يعود إلى الظهور:

دعا البابا لحرب صليبية على العثمانيين بعد أن تمكنوا من فتح الكثير من بلاد أوربا وسقوط القسطنطينية، غير أن البابا قد مات ولم تقم الحرب الصليبية, وكان إسكندر بك ممن شجعهم البابا على حرب العثمانيين، فلم ينتظر قيام حرب صليبية وقام بشن هجوم على العثمانيين، وكانت الحروب بين الطرفين سجالاً حتى توفي إسكندر بك سنة 871هـ، واستطاع بعدها السلطان محمد الفاتح أن يُخضِع الأرناءوط (ألبانيا) لسلطة الدولة العثمانية.

سيطرة العثمانيين على القرم والفشل في فتح بلاد البغدان:

عرض السلطان في عام 878هـ على أمير البغدان أصطفان الرابع دفع الجزية، فرفض فسار إليه الجيش العثماني وانتصر عليه, لكنه لم يستطع فتح الإقليم، ففكر السلطان في دخول شبه جزيرة القرم والاستفادة من فرسانها في فتح البغدان، واستطاع السلطان أن يطرد الجنويين من مواقع كانوا يحتلونها في شبه جزيرة القرم، واتفق السلطان مع سكان شبه جزيرة القرم من التتر المسلمين على دفع خراج سنوي، ثم اتجه الأسطول العثماني من شبه جزيرة القرم إلى مصب نهر الدانوب, فدخل بلاد البغدان وفر من أمامه الجيش البغداني، ليستدرجوه إلى غابة كثيفة ثم انقضوا عليه وهزموه عام 881هـ؛ ولذلك اشتهر أصطفان الرابع بمحاربة العثمانيين وسماه البابا بشجاع النصرانية وحامي الديانة المسيحية.

محاربة البنادقة:

أغار السلطان على بلاد البنادقة عام 882هـ واستطاع فتح بلاد كرواتيا ودلماسيا (الجبل الأسود وجزء من ألبانيا وجزء من كرواتيا)، ثم فتح مدينة اشقودرة فلجأ البنادقة إلى إبرام الصلح معه عام 887هـ.

الفشل في فتح ترانسلفانيا (الجزء الغربي من رومانيا):

وجهت الجيوش لفتح إقليم ترانسلفانيا الذي كان يتبع المجر في ذلك الوقت، فانهزم الجيش العثماني وقتل الكثير من العثمانيين، وارتكب ملك المجر فيهم جرائم وحشية, وقتل جميع الأسرى ونصبت موائد الجيش على جثث المسلمين.

محاولة فتح إيطاليا:

لم يغب عن ذهن السلطان محمد فتح إيطاليا ورفع لواء الإسلام على رومية بعد أن فتح القسطنطينية، يحركه في ذلك يقينه بالله وبشارة الرسول r بفتح رومية، حتى إنه أقسم بأن يربط حصانه في كنيسة القديس بطرس (الفاتيكان).

ورأى أن يمهد لذلك بأن يفتح جزيرة رودس التي يسيطر عليها فرسان القديس يوحنا، ولكن الأسطول العثماني فشل في فتحها وأبرم صلحًا معهم عام 885هـ، ثم عاد فاتجه لفتح إيطاليا، فنزل الجيش العثماني بسواحل إيطاليا واستطاع فتح مدينة أوترانت عام 885هـ، وفي العام الذي تلاه اشتغل بإعداد حمله عظيمة لإتمام فتح إيطاليا، ولكن وافته المنية وعندما توفي انصرف العثمانيون عن هذه الجهة، وأخلى خَلَفه بايزيد الذي اشتهر بميله إلى السلم مدينة أوترانت من الجيش العثماني.

الدولة العثمانية بعد توسعات محمد الفاتح

الفتوحات والتوسع في الأناضول:

فتح السلطان إمارة طرابزون آخر إمارة صليبية في الأناضول, وبذلك طهر الأناضول تمامًا من الصليبيين، وضم إليه إمارة القرمان نهائيًّا.

هاجم أوزون جيش من حلفاء تيمورلنك شرقي الأناضول، فأرسل السلطان إليهم جيشًا هزمهم عام 874هـ.

وتوفي السلطان محمد في يوم 4 من ربيع الأول عام 886هـ، الذي استحق لقب الفاتح لجهاده الكبير في سبيل الله وفتحه الكثير من البلاد, وهو يُعِدُّ جيشًا كبيرًا لفتح إيطاليا، فجزاه الله خيرًا عن المسلمين جميعًا.

Related Posts islamstory...

تعليقات القراء