قصة العلوم في الإسلام

العلم حتى النصف الأول من القرن الثاني الهجري

بلغت مكانة العلوم الحياتية والتطبيقية في ظلِّ الإسلام مبلغًا عظيمًا، حتى أصبح المسلمون فيها سادة، وقد ملكوا ناصيتها كما ملكوا ناصية العالم، فغدت جامعاتهم مفتوحة للطلبة الأوروبيين الذين نزحوا من بلادهم لطلب تلك العلوم، وطفق ملوك أوروبا وأمراؤها يفدون على بلاد المسلمين ليُعَالَجوا فيها، وهو ما دعا العلامة الفرنسي غوستاف لوبون أن يتمنَّى لو أن العرب المسلمين استولوا على فرنسا؛ لتغدو باريس مثل قرطبة في إسبانيا المسلمة[1]! فقال تعبيرًا عن عظمة الحضارة العلمية في الإسلام: "إن أوروبا مدينة للعرب (المسلمين) بحضارتها"[2].

وقد كان ذلك لمَّا فَقِه المسلمون حقيقة دينهم، وعلموا كيف أنه يُشجِّع على العلم النافع بكُلِّ أشكاله، ويُعلي من شأن العلماء ومكانتهم، فطفقوا يجُوبون في تحصيله، شعارهم أنهم أحقُّ الناس به أنَّى وجدوه، وفي ذلك فإنهم لم يُفرِّقوا بين علوم شرع أو علوم حياة؛ فإذا كان بعلوم الشرع يُقام الدين، فإن علوم الحياة هي أيضًا تلك العلوم النافعة التي يحتاج إليها الإنسان ليُصْلِح بها حياته، ويعمِّر بها أرضه، ويستكشف بها كونه وبيئته، فتتحقَّق بذلك أهليَّته كخليفة لله في الأرض[3].

الإسلام دين العلم

والحقيقة التاريخية تؤكِّد أن العلوم الحياتية نشأت أوَّل ما نشأت عند المسلمين في أحضان الدين وفي ظلِّ تعاليم القرآن، فعندما نزل الوحي بأول كلمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي {اقْرَأْ}[العلق: 1]؛ كان ذلك إيذانًا ببزوغ فجر عصر العلم، فالقراءة هي مِفتاح العلوم[4] بـ "القلم" في السورة التي تلت آيات سورة العلق في النزول[5]{ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم: 1]؛ مما رسَّخ في أذهان المسلمين عظمة طلب العلم وتحقيق السبق والتفوُّق فيه.، فقال: ، وأكَّد ذلك وزاد من أهميته قسمُه
وإيمانًا من النبي صلى الله عليه وسلم بقيمة العلم جعل فداء المشرك الأسير لنفسه في غزوة بدر تعليمه عشرة من الصحابة الكتابة والخطَّ، وهذا إعلان من النبي صلى الله عليه وسلم بأهمية العلم وعظمة تعلُّمه.

الطب النبوي من أعظم العلوم

وقد تعدَّدت الأحاديث النبوية الكثيرة التي تحث المسلمين على التعلم، وتدفعهم دفعًا إلى طلب العلم وتحصيله، ومما جاء في ذلك، وبالأخص في مجال العلوم الحياتية، قوله صلى الله عليه وسلم في قصة تأبير النخل في المدينة: "أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ"[6].

كما كانت أحاديثه في الطبِّ، والصحَّة، والمرض، والوقاية من العدوى، والتي بلغت ثلاثمائة حديث[7] ثم في عهد الخلفاء الراشدين، وقد كان يُؤخَذ بالدُّربة والتجرِبة والممارسة؛ يؤيِّد ذلك ما رواه ابن الجوزي عن هشام، قال: كان عروة يقول لعائشة: لا أعجب من فقهك، أقول: زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت أبي بكر... ولكن أعجب من علمك بالطب!! فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان سقيمًا في آخر عمره، فكانت تقدَم عليه وفود العرب من كل وجه، فتنعت الأنعات، فكنت أعالجها له، فمن ثَمَّ[8] - وقد سمِّيت فيما بعد بالطب النبوي - مُلْهِمًا لكل مَن يَعْمَل بالطبِّ أن يبحث عن الدواء وسبب الداء، فكان الطبُّ من أهمِّ العلوم التي ظهرت وزاد الاهتمام بها في عهد الرسول فمن كثرة ما كانت ترى من وصفهم الدواء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعالجتها له أصبحت عائشة رضي الله عنها خبيرة بالطبِّ.

هذا وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة مِن أَسْلَم يُقال لها: رُفَيْدَة في مسجده، كانت تداوي الجرحى، وتحتسب بنفسها على خدمة مَن كانت به ضيعة من المسلمين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق: "اجْعَلُوهُ فِي خَيْمَةِ رُفَيْدَةَ حَتَّى أَعُودُهُ مِنْ قَرِيبٍ"[9]. والمؤرِّخون المسلمون يعتبرون هذه الخيمة نواة البيمارستانات (المستشفيات) في الإسلام [10].

وكان ممن اشتهر من الأطباء في تلك الفترة وذاع صيتهم -غير رُفَيْدة- كُعَيْبَة[11]، وأُمُّ عطية الأنصارية[12] الصحابيتان، والحارث بن كلدة الثقفي الذي تعلَّم الطب في اليمن وفي مدرسة جُندَيسابور بفارس[13].

أما عصر الخلافة الراشدة فكان بصورة عامَّة عصر إعداد للدولة الإسلامية وتثبيت لأركانها، وكان جُلُّ اهتمام الصحابة تثبيت العقيدة وتعاليم الدين؛ لذلك لم يظهر في ذلك العصر تطوُّر ملموس في العلوم الحياتية والتطبيقية، اللهم إلا ما كان امتدادًا للعهد النبوي.

النقلة الحضارية والعلمية

عند الحديث عن قصة العلوم بصفة عامَّة وإنجازات العلماء المسلمين فيها فإنه يجب ألا يغيبَ عن بَالِنَا أن تاريخ العرب قبل الإسلام لم يكن يحمل أي اهتمام بهذا المجال، وقد جاء الإسلام وأحدث نقلة حضارية وعلمية هائلة؛ نتبيَّن مراحلها فيما يلي.

نشاط حركة الترجمة

وبإمكاننا هنا أن نؤرِّخ لقصة العلوم بعد عصر النبوة وعصر الخلافة الراشدة بشخصيات علمية رائدة، نبغت وأثَّرت في عصرها فكانت علامة بارزة فيه، والحقيقة أن أغلب هؤلاء العلماء كانوا موسوعيون، لهم في أكثر من علم باعٌ عريض وشهرة فائقة.

وعلى هذا فإنَّ أوَّل ظهور حقيقي لقصَّة العلوم في الإسلام يُعَدُّ مع ظهور حكيم بني أمية الأمير خالد بن يزيد بن معاوية (ت 85هـ - 704م)، الذي كان على يديه أوَّل نقل في الإسلام من اللغات المختلفة إلى اللغة العربية[14]، فيما عُرف ببداية حركة الترجمة، تلك التي نشطت في بداية عصر الخلافة الأموية، أواخر القرن الأول الهجري، الثامن الميلادي.

فما أن استقرَّت الخلافة الأموية وازدهرت سياسيًّا واقتصاديًّا، وورثت علوم الأعاجم من الفرس والروم وغيرهم بعد انهيار دُولهم، حتى كان الاتجاه إلى الحركة الفكرية؛ فتُرجمت كثير من كتب الحضارات السابقة من إغريقية وفارسية وغيرها، ونُقلت ذخائرها في العلوم إلى العربية؛ لِتُعْتَبر حدثًا مُهِمًّا من الناحية الحضارية؛ لأنها فتحت نافذةً أَشْرَفَ منها العلماء العرب والمسلمون لأوَّل مرَّة على ما لدى غيرهم من معارف وعلوم.

ازدهار علم الطب

وقد نالت العلوم التجريبية نصيبًا مُهِمًّا من بين هذه العلوم المترجَمة، وكان على رأسها جميعًا الطبُّ؛ فقد كان الطبُّ الإسلامي في أوَّل هذه الفترة معتمِدًا على إرشادات الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى الأعشاب والنباتات الطبِّيَّة، والكيِّ، والفصد، والحجامة، والختانة، وبعض العمليات الجراحية البسيطة، ولمَّا بدأ الأطباء المسلمون والعرب يتَعَرَّفون على الطبِّ اليوناني عَبْر مدرسة الإسكندرية ومدرسة جُندَيسابور[15] كان اتِّجاههم إلى ترجمة الكتب الطبية إلى اللغة العربية[16]. وفي هذا فقد ترجم ماسرجويه، الطبيب اليهودي الذي يُعدُّ من أبرز المترجِمِين في ذلك العصر، للخليفة مروان بن الحكم (64 - 65هـ) موسوعة طبية يونانية تُسَمَّى "الكُناش"[17].

وقد ازدهر الطبُّ على ذلك، وبُنيت المستشفيات، واعْتَبَر بعضُ المؤرِّخين للعلوم العلمية أن الخليفة الأُموي الوليد بن عبد الملك (ت 96هـ) هو أوَّل من بنى مستشفًى نموذجيًّا في الإسلام، وذلك سنة 88 هجرية، وقد زوَّده بالطعام والأدوية والملابس، وعَمَّره بالأطباء والصيادلة، وألحق به صيدلية تحتوي على مختلف أنواع الأدوية من الشراب والمعاجين[18].

كما اشْتَهرت أسماء لامعة في الطبِّ في هذه الفترة، وتأتي عائلة أبي الحكم الدمشقي في المقدِّمة، وكان في مقدِّمتهم أبو الحكم الدمشقي (ت 210هـ)، الذي استطبَّه الخليفة الأُموي معاوية بن أبي سفيان رضى الله عنه [19]، وكان قد عُمِّر أكثر من مائة سنة، وتياذوق (ت نحو 90هـ) الذي كان مُقَرَّبًا من الحجاج بن يوسف الثقفي[20].

ويمثِّل ظهور خالد بن يزيد أيضًا بَدْء ظهور علم الكيمياء، وقد تتلمذ خالد في ذلك للراهب الرومي مريانوس وتعلَّم منه صنعة الطب والكيمياء، ثم كان له في صنعة (الكيمياء) ثلاث رسائل هي: (السر البديع في فك الرمز المنيع)، و(فردوس الحكمة في علم الكيمياء)، و(مقالتا مريانوس الراهب)، ذكر فيه ما كان بينه وبين مريانوس، وكيف تعلم منه الرموز التي أشار إليها[21].

النصف الثاني من القرن الثاني الهجري

جابر بن حيان صاحب المنهج التجريبي

يمكن التأريخ للفترة الثانية من تاريخ قصة العلم، وهي النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، والنصف الثاني من القرن الثامن الميلادي، بالعالم الكيميائي "جابر بن حيان" (ت 200هـ / 815م)؛ فقد كان علامة بارزة وفارقة ظهرت في هذه الفترة، وعلى يديه كان بَدْء ظهور المنهج العلمي التجريبي، والذي يعتمد على التجرِبة والملاحظة، اللَّتان اعْتُبِرَتا حجر الزاوية لدراسة العلوم الطبيعية، كما أنه يُعَدُّ شيخ علماء الكيمياء المسلمين، والذين كانت لهم إسهاماتهم البارزة في ذلك العلم.

فترى جابر بن حيان يدعو إلى الاهتمام بالتجربة، ودقَّة الملاحظة، تلك التي يقوم عليها المنهج التجريبي، فيقول: "ومِلاكُ كمال هذه الصنعة العملُ والتجرِبة؛ فمَن لم يعمل ولم يُجَرِّب لم يظفر بشيء أبدًا"[22].

وقد كانت الكيمياء قبل جابر خرافية تستند على الأساطير البالية، حيث سيطرت فكرة تحويل المعادن الرخيصة إلى معادن نفيسة؛ وذلك لأن العلماء في الحضارات ما قبل الحضارة الإسلامية كانوا يعتقدون أن المعادن المنطرقة مثل: الذهب، والفضة، والنُّحاس، والحديد، والرصاص، والقصدير من نوعٍ واحد، وأن تباينها نابع من الحرارة والبرودة، والجفاف والرطوبة الكامنة فيها، وهي أعراض متغيِّرة، (نسبة إلى نظرية العناصر الأربعة: النار، والهواء، والماء، والتراب)، لذا يمكن تحويل هذه المعادن من بعضها البعض بواسطة مادة ثالثة وهي الإكسير، ومن هذا المنطلق تخيَّل بعض علماء الحضارات السابقة للحضارة الإسلامية أنه بالإمكان ابتكار إكسير الحياة أو حجر الحكمة الذي يُزيل عِلَل الحياة ويُطيل العمر[23].

وقد تأثَّر بعض العلماء العرب والمسلمين الأوائل، كجابر بن حيان وأبي بكر الرازي، بنظرية العناصر الأربعة التي ورثها علماء العرب والمسلمين من اليونان، لكنهما قاما بدراسة علمية دقيقة لها؛ أدَّت هذه الدراسة إلى وضعِ وتطبيق المنهج العلمي التجريبي في حقل العلوم التجريبية.

وعليه يكون جابر قد قطع خطوة أبعد مما قطع اليونان في وضع التجرِبة أساس العمل، ولذلك يُعَدُّ أوَّل من أدخل التجرِبة العلمية المخبرية في منهج البحث العلمي الذي أرسى قواعده؛ يقول هولميارد Holmyard، وهو الذي اهتم بأعمال جابر ومؤلَّفاته ومنهجه العلمي، حتى عكف على إبراز القيمة العلمية لعمله: "إن الصنعة الخاصَّة عند جابر هي أنه على الرغم من توجُّهِهِ نحو التصوُّف والوهم، فقد عَرَف وأكَّد على أهمية التجريب بشكل أوضح من كل مَن سبقه من الكيميائيين"[24].

صنعة جابر

وقد سُمِّيَ علم الكيمياء باسم جابر بن حيان؛ فقيل: "صنعة جابر"، ومن أبرز إسهامات جابر فيه أنه يُعَدُّ أوَّل من استخرج حامض الكبريتيك، وسمَّاه زيت الزاج، وأول من اكتشف الصود الكاوي، وأوَّل مَن استحضر ماء الذهب، ودرس خصائص مركبات الزئبق واستحضرها، وقد بلغت تصانيفه 232 كتابًا[25].

يقول غوستاف لوبون: "تتألَّف من كتب جابر موسوعة علمية تحتوي على خلاصة ما وصل إليه علم الكيمياء عند العرب في عصره، وتشتمل هذه الكتب على وصف كثير من المركَّبات الكيميائية التي لم تُذْكَر قبله، كماء الفضة (الحامض النتري) الذي لا نتصور علم الكيمياء بغيره"[26].

ولقد تُرجمت كتب جابر إلى اللاتينية، وظلَّت المرجع الأوفى للكيمياء زُهاء ألف عام، وكانت مؤلَّفاته موضع دراسة مشاهير علماء الغرب، أمثال: كوب، وبرثولية، وكراوس، وهولميارد الذي أنصفه ووضعه في القمَّة، وبدَّد الشكوك التي أثارها حوله العلماء المغرضون. وسارتون الذي أرَّخ به هذه الحِقبة من الزمن في تاريخ الحضارة الإسلامية، فيقول عنه مندهشًا: "ما قدر جابر أن الكتب التي ألَّفها لا يمكن أن تكون من وضع رجل عاش في القرن الثاني للهجرة؛ لكثرتها ووفرة ما بها من معلومات"[27].

وفي عصر جابر زاد الاهتمام بحركة الترجمة بصورة ملحوظة، ويَرْجِع السبب الرئيسي في ذلك إلى تشجيع الخلفاء - وهم العباسيُّون - ورعايتِهم للعلماء والمترجِمِين، وإجزالِ العطاء لهم، بصرف النظر عن مِلَلِهم وعقائدهم، لتَخْرُج تلك الحركة من حيِّز المحاولات الفردية إلى أن تكون لها سياسة منهجية متَّبَعَة، تُشرف عليها الدولة نفسها، وهو ما أدَّى إلى أن يتَّسع نطاق العلوم المترجَمة، ليشمل الفلسفة والمنطق والكتب الأدبية، بجانب الطب وسائر العلوم التجريبية كلها[28].

الاهتمام بالعلوم في عهد الخلافة العباسية

فهذا أبو جعفر المنصور ثاني الخلفاء العباسيين (135 - 158هـ) قد كان مولعًا بالطبِّ والفلك والهندسة، يُكاتِب ملوك الروم فيطلب منهم ما لديهم في هذا الشأن، فبعثوا إليه كليات إقليدس في الهندسة، وفي الطبيعيات[29]. وهذا هارون الرشيد (170 - 194ﻫ) حين افْتَتَح عَمُّورِية وأنقرة انتخب من أبنائها فريقًا من العلماء والتراجمة وجعلهم في حاشيته، وطلب إليهم أن يختاروا عيون الكتب التي وُجدت في مكتبات هاتين البلدتين، فاختاروا الكتب النادرة التي لا توجد عند غيرهم، في ميدان الطبِّ والفلك وغيرهما، ونقلوها إلى بغداد، وأمر الرشيد آنذاك أبا زكريا يوحنا بن ماسويه (ت 244هـ) - أكبر أطباء عصره - أن يرعى هذه النُّقُولات[30].

بيت الحكمة

وقد وصل الاهتمام بالعلم والترجمة الذُّروة في عصر الخليفة المأمون (198 - 218ﻫ)، الذي يُعَدُّ من أزهى العصور في تاريخ الحركات العلمية والثقافية؛ فقد عمَّر بيت الحكمة، ووسَّع من نشاطه، وأمدَّه بمكتبة ضمَّت آلاف المخطوطات في شتى العلوم والفنون؛ ليكون بمثابة أكاديمية علمية عالمية يجتمع في رحابها المعلِّمون والمتعلِّمون، وقد قام بإرسال البعوث إلى القسطنطينية لاستحضار ما يمكن الحصول عليه من مؤلَّفات يونانية في شتى ألوان المعرفة[31]، وقد ذكر ابن النديم أنه كان بين المأمون وإمبراطور القسطنطينية مراسلات بهذا الشأن[32].

بل إن المأمون لم يكتفِ بإرسال العلماء إلى بلاد الروم والأعاجم كي يبحثوا له عن أمهات الكتب الأجنبية وجلبها، وإنما كان إذا عقد معاهدة أو أبرم حلفًا مع ملوك الروم أو غيرهم، فإنه يجعل من بين شروط المعاهدة شرطًا؛ بأن يُتْحِفَه الطرف الآخر بما لديه من نفائس كتب الحكمة، وذخائر الفلسفة والعلوم في بلادهم، ومن ذلك أنه جعل أحد شروط معاهدة الصلح بينه وبين إمبراطور الروم ميخائيل الثالث أن يتنازل الثاني للأوَّل عن إحدى المكتبات الشهيرة في القسطنطينية، وكان من بين ذخائرها الثمينة كتاب بطليموس في الفلك، فأمر بنقله إلى العربية وسمَّاه: (المجسطي)[33].

قياس الكرة الأرضيَّة

وليس أعجب بعد ذلك من أن يُنسَب إلى المأمون أنه أوَّل مَن قام بمحاولة قياس أبعاد الكرة الأرضية، وذلك بمساعدة فريقين من علماء الفلك والجغرافيا، والذي قال عنه المستشرق نللينو في كتابه (علم الفلك وتاريخه عند العرب في القرون الوسطى): إن قياس العرب للكُرة الأرضيَّة هو أوَّل قياس حقيقي، أُجْرِيَ كله مباشرة مع كل ما تقتضيه تلك المسافة الطويلة وهذا الفريق الكبير من العلماء والمساحين العرب؛ فهو يُعَدُّ من أعمال العرب المأثورة وأمجادهم العلمية. وقال عنه الأستاذ كراتشوكوفسكي في كتابه (تاريخ الأدب الجغرافي العربي): إن الخطأ في مقاس العرب يقلُّ عن كيلو متر واحد[34]!

النصف الأوَّل من القرن الثالث الهجري

الخوارزمي: مؤسس علم الجبر

أما النصف الأوَّل من القرن الثالث الهجري والنصف الأوَّل من القرن التاسع الميلادي فيمثِّله بلا مُنازع الخوارزمي (ت 232هـ / 846م) الذي إذا ذُكر اسمه تطاير إلى الآفاق علم الجبر والرياضيات.

فهو الرياضي والجغرافي والفلكي، والذي يُعَدُّ مؤسِّس ومبتدع علم الجبر كعلم مستقلٍّ عن الحساب، وقد أخذه الأوروبيون عنه، كما أنه أوَّل مَن استعمل كلمة "جبر" للعلم المعروف الآن بهذا الاسم، فحتَّى الآن ما زال الجبر يُعرف باسمه العربي في جميع اللغات الأوروبية، وتَرجِع كل الكلمات التي تنتهي في اللغات الأوروبية بـ "algorism/algorithme" إلى اسم الخوارزمي، كما يرجع إليه الفضل في تعريف الناس بالأرقام العربية؛ ولهذا كان الخوارزمي أهلاً لتسميته بأبي الجبر[35].

ويُعَدُّ كتابه (الجبر والمقابلة) الكتاب الرئيسي ذا الأثر الحاسم الذي درس فيه تحويل المعادلات وحلِّها، وفي مقدمته بيَّن الخوارزمي أن الخليفة المأمون هو الذي طلب منه تأليفه، وقد ترجمه إلى اللاتينية "جيررْدودي كريمونا" ونشر النصَّ العربي روزن مع ترجمة إنجليزية في لندن سنة 1851م.

وترجم له أيضًا "يوحنا الأسباني" الذي تَرْجَم من العربية إلى اللاتينية عِدَّة مؤلَّفات في الفلك والنجوم من بينها كتب للخوارزمي، بفضلها انتقل الحساب الهندي والنظام العشري في الحساب إلى أوروبا؛ حتى عُرِفَت العمليات الحسابية باسم Alguarismo، والغريب أنها تُرجمت إلى العربية باسم "اللوغاريتمات" وهي في الأصل منسوبة إلى الخوارزمي!! والصحيح أن تُترجَم "الخوارزميات" أو "الجداول الخوارزمية".

وقد أصبح الكتاب مصدرًا أساسيًّا في الرياضيات في الجامعات الأوروبية حتى القرن السادس عشر، وكان معظم ما ألَّفه مَن خلفه في علم الجبر مستنِدًا عليه، وقد نقله من اللغة العربية إلى اللاتينية روبرت أوف شستر ( Robert of chester) فاستنارت به أوروبا، وحديثًا حقَّق الدكتوران علي مصطفى مشرفة ومحمد مرسي هذا الكتاب، وذلك في سنة 1968م[36].

أبو يوسف الكندي

وقد عاصر الخوارزمي عالم آخر مشهور هو الفيلسوف أبو يوسف الكندي (185- 256 هـ / 805 - 873م) الذي يُعَدُّ من أوائل العلماء المسلمين الذين طرقوا ميدان علم البصريات، فتناول الظواهر الضوئية وعالجها في كتابه الشهير "علم المناظر"، وكان ذلك أوَّل كتاب عربي يعني بعلم البصريات، وفيه أخذ الكندي بنظرية الانبعاث الإغريقية، إلا أنه أضاف كذلك وصفًا دقيقًا لمبدأ الإشعاع، وصاغ من خلال ذلك أساس نظام تصوُّريٍّ جديد يحُلُّ في نهاية الأمر محلَّ نظرية الانبعاث، وكان لهذا الكتاب صدًى في المحافل العلمية العربية، ثم الأوروبية خلال العصور الوسطى[37].

النصف الثاني من القرن الثالث الهجري

أبو بكر الرازي

ويمثِّل النصف الثاني من القرن الثالث الهجري والنصف الثاني من القرن التاسع الميلادي أبو بكر الرازي (ت 311هـ / 923م) الذي يُعَدُّ عَلَمًا من أعلام الطبِّ في الحضارة الإسلامية, ويُعتبر من أعظم معلِّمي الطبِّ الإكلينيكي، وقد تولَّى تدبير مارستان الرَّيِّ، ثم رياسة أطباء المارستان المقتدري في بغداد، وهو أوَّل مَن أدخل المركَّبات الكيماوية في العلاجات الطبية، وأوَّل مَن صنف مقالات خاصَّة في أمراض الأطفال، وأوَّل مَن استعمل أمعاء الحيوان كخيوط في العمليات الجراحية[38].

كما يعُتَبَر أوَّل مَن دوَّن ملاحظاته على مَرْضاه، ومراتبَ تطوُّر المرض، وأَثَر العلاج فيه، وأوَّل من وصف الجدري والحصبة، وقال بالعدوى الوراثية، واستخدم الحيوان في تجارِب الأدوية، ومن مؤلَّفاته غير الكتاب المذكور: الحاوي، ورسالة في الجدري والحصبة، والكتاب المنصوري، وكتاب الأسرار، والكتاب الجامع[39].

ولتَمَكُّنه ونتيجة كثرةِ تجارِبه فقد أطاح بنظريات جالينوس التي ادَّعى فيها أن في الحاجز الذي بين الجانب الأيمن والجانب الأيسر في القلب ثقوبًا غيرَ منظورة، يتسرَّب فيها الدم من الجانب الواحد إلى الجانب الآخر، وما وظيفة الرئتين إلا أن تُرفرفا فوق القلب فتبرد حرارته وحرارة الدم، ويتسرَّب شيء من الهواء فيها بواسطة المنافذ التي بينهما وبين القلب فيُغذِّي ذلك القلب والدم.

فانتقد الرازي هذه الآراء، حتى إنه ألَّف كتابًا خصِّيصًا للردِّ على جالينوس أعظم أطباء اليونان، وسمَّاه "الشكوك على جالينوس", وذكر فيه الأخطاء التي وقع فيها جالينوس، والتصويب الذي قام هو به لهذه الأخطاء، وكيف وصل إلى هذه النتائج[40].

ولطالما ورد ذكر البيمارستانات أو المستشفيات العامَّة المجانية، فقدت انتشرت في العصر العباسي بصورة ملحوظة، وكانت بمثابة مدارس عالية للطبِّ، وقد فاقت في تجهيزاتها وتخصُّصاتها كل وصف، حتى لقد أبدعت في وصفها زيغريد هونكه فقالت: "إن كل مستشفى مع ما فيه من ترتيبات ومختبرات، وكل صيدلية ومستودع أدوية في أيامنا هذه، إنما هي في حقيقة الأمر نُصُب تذكارية للعبقرية العربية، كما أن كل حبَّة من حبوب الدواء، مُذَهَّبة أو مسكَّرة، إنما هي – كذلك - تذكار صغير ظاهر، يُذكِّرنا باثنين من أعظم أطباء العرب[41]، ومُعلِّمي بلاد الغرب"[42].

بنو موسى بن شاكر

ويُضارع الرازيَّ في الشهرة في تلك الفترة بنو موسى بن شاكر، وهم الإخوة الثلاثة: محمد وأحمد والحسن (عاشوا في القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي، وتُوُفِّيَ محمد، وهو أعلمهم، سنة 873م)، وقد لمعوا في علوم الرياضيات والفلك والعلوم التطبيقية والتقنية، واشتهروا بكتابهم القيِّم المعروف باسم "حيل بني موسى"، والذي يقول عنه ابن خلِّكان: "ولهم في الحيل كتاب عجيب نادر يشتمل على كل غريبة، ولقد وقفت عليه فوجدته من أحسن الكتب وأمتعها"[43]. ويحتوي هذا الكتاب على مائة تركيب ميكانيكي مع شروح تفصيلية ورسوم توضيحية لطرائق التركيب والتشغيل.

والعلم الذي برع فيه بنو موسى هو علم "الحيل النافعة"، أو الهندسة الميكانيكية - بِلُغَةِ العلم المعاصرة - وهو يمثِّل الجانب التقني المتقدِّم في علوم الحضارة الإسلامية؛ حيث كان المهندسون والتقنيون يقومون بتطبيق معارفهم النظرية للإفادة منها في كل ما يخدم الدين، ويُحَقِّق مظاهر المدنية والإعمار، وقد جعلوا الغاية من هذا العلم هي: "الحصول على الفعل الكبير من الجهد اليسير"، ويُقصد به استعمال الحيلة مكان القوَّة, والعقل مكان العضلات, والآلة بدل البدن، وذلك بعد أن كانت غاية السابقين من علم الحيل لا تتعدى استعماله في التأثير الديني والرُّوحي على أتباع مذاهبهم، مثل استعمال التماثيل المتحرِّكة أو الناطقة بواسطة الكُهَّان، واستعمال الأرغن الموسيقى وغيره من الآلات المصوّتة في المعابد[44]!!

ومن أمثلة تركيبات بني موسى الميكانيكية هذه عَمَلُ سراج إذا وُضِع في الريح العاصف لا ينطفئ، وعملُ سراج يُخرِج الفتيلة لنفسه، ويصبُّ الزيت لنفسه، وكل مَن يراه يظنُّ أن النار لا تأكل من الزيت ولا من الفتيلة شيئًا ألبتة، وعملُ نافورة يَفُور منها الماء مدَّة من الزمان كهيئة التُّرس، ومدَّة متماثلة كهيئة القناة، وكذلك لا تزال دهرها تتبدَّل.

وكان استخدام بني موسى للصمامات المخروطية ولأعمدة المرافق التي تعمل بصورة آليَّة، وغير ذلك من مبادئ وأفكار التحكُّم الآلي استخدامًا غير مسبوق، وسبقوا به أوَّل صَفٍّ لآليَّة عمود المَرَافِق الحديث في أوروبا بخمسمائة عام، ويُعَدُّ أيضًا مِن أهمِّ الإنجازات في تاريخ العلم والتقنية بشكل عامٍّ. وقد استحدثوا كذلك آلات لخدمة الزراعة والفلاحة، مثل المعالف الخاصة لحيوانات ذات أحجام مُعَيَّنة تتَمَكَّن أن تُصِيب مأكلها ومشربها، فلا تُنازِعها غيرها الطعام والشراب، وعمل خزانات للحمَّامات، وآلات لتعيين كثافة السوائل، وآلات تُثَبَّتُ في الحقول كيلا تضيع كَمِّيَّات الماء هدرًا، ويمكن بواسطتها السيطرة على عملية رَيِّ المزروعات، وكان لكل هذه الأفكار الإبداعية أثر كبير في دفع مسيرة تقنية "الحيل النافعة" أو الهندسة الميكانيكية قُدُمًا، حيث تميَّزت تصاميمها بالخيال الخصب والتوصيف الدقيق والمنهجية التجريبية الرائدة[45].

أبو حنيفة أحمد بن داود الدِّينَوَري

وكان يُعاصر الرازيَّ أيضًا أبو حنيفة أحمد بن داود الدِّينَوَري (ت 282هـ / 895م) الذي يُعَدُّ أوَّل المؤلِّفين المسلمين في علم النبات، وقد استطاع أن يستولد ثمارًا ذات صفات جديدة بطريقة التطعيم، وأن يُخرج أزهارًا جديدة بالمزاوجة بين الورد البرِّيِّ وشجرة اللوز[46].

عباس بن فرناس الأندلسي

وفي حاضرة الإسلام في الأندلس كان هناك في ذاك العصر أيضًا عباس بن فرناس الأندلسي (ت 274هـ / 888م)، فمن اختراعاته: النظارات والساعات الدقَّاقة المعقَّدة التركيب، والقبَّة الفلكية التي صنعها في بيته، وقد اشتهر بأنه أوَّل من قام بمحاولة للطيران في الجوِّ، وهي المحاولة التي أودت بحياته[47].

النصف الأوَّل من القرن الرابع الهجري

علي بن الحسين المسعودي

أما النصف الأوَّل من القرن الرابع الهجري والنصف الأوَّل من القرن العاشر الميلادي فيمثِّله أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي (ت 346هـ / 957م)، فقد كان ملمًّا بكثير من العلوم والثقافات، وقد اشتهر أكثر ما اشتهر في علم الجغرافيا، ويُعَدُّ كتابه (مروج الذهب ومعادن الجوهر) من أفضل المصنفات العربية الجغرافية التي تناول فيها الكثير من فروع علم الجيولوجيا في ثنايا المعلومات الجغرافية؛ فقد تناول فيه استدارة الأرض وإحاطتها بغلاف جوي، وطبيعة العواصف التي تهُبُّ على الخليج العربي والمناطق المحيطة به، ووصف الأرض والبحار، ومبادئ الأنهار والجبال، ومساحة الأرض، ووصف الزلازل التي حدثت سنة (334هـ/ 945م)، وتحدَّث عن كُرويَّة البحار، وأورد الشواهد على ذلك، ودرس ظاهرة المدِّ والجزر وعَلاقة القمر بذلك، وتحدَّث عن دورة الماء في الطبيعة وتراكم الأملاح في البحر ووصف البراكين الكبريتية في قمم بعض الجبال، كما أورد العلامات التي يُستدَلُّ بها على وجود الماء في باطن الأرض، كما تناول في كتابه (التنبيه والإشراف) كثيرًا من الجوانب في الجغرافيا البشرية، وذكر أحوال العمران، وهو العلم الذي أسَّسه ورتب قواعده ابن خلدون (ت 808هـ / 1406م)[48].

وبصفة عامَّة فقد أبدع المسلمون في رسم الخرائط والمصوَّرات الجغرافية، وعرفوا كُرويَّة الأرض، وقاسوا أبعادها بدقَّة، خصوصًا أيام المأمون، وحدَّدوا خطوط الطول ودوائر العرض، مُتَّخذِين جزر البليار مبدأ خطوط الطول، وقد ظهرت أبحاث حديثة تقول: إنهم وصلوا عبر بحر الظلمات (الأطلسي) إلى أمريكا قبل كولومبوس بمدة 300 أو 400 سنة[49]!!

وقد نشرت صحف البرازيل في سنة 1952م تصريحًا للدكتور جغرز أستاذ العلوم الأثرية الاجتماعية في جامعة (ويتواترستراند) في جمهورية أفريقيا الجنوبية، جاء فيه أن كتب التاريخ تُخطئ عندما تنسب اكتشاف أمريكا إلى كريستوف كولومبس؛ ذلك لأن العرب في الواقع هم الذين اكتشفوها قبله بمئات السنين[50]!

وفي عصر المسعودي اشتهر أيضًا الهَمْداني (ت 334 هـ / 945م)، والذي كان له دور لا يخفى في اكتشاف قانون الجاذبية؛ فهو الذي ربط ظاهرة الجاذبية بالأرض التي تجذب الأجسام الصغيرة في كل جهاتها، وأخبر بأن هذا الجذب إنما هو قوَّة طبيعية مركَّزة في الأرض؛ وبهذا المفهوم العلمي يكون الهَمْداني - كما يقول الدكتور أحمد فؤاد باشا - قد أرسى أوَّل حقيقة جزئية في فيزياء ظاهرة الجاذبية، وإن كان لم يقُلْ في النصِّ صراحة أن الأجسام تجذب بعضها بعضًا، وهو المعنى الأساسي الشامل لقانون الجذب العام لنيوتن[51].

النصف الثاني من القرن الرابع الهجري

أبو الوفاء البوزجاني

ويمثِّل النصف الثاني من القرن الرابع الهجري والنصف الثاني من القرن العاشر الميلادي أبو الوفاء البوزجاني (ت 388هـ / 998م)، والذي يُعَدُّ أحد الأئمة المعدودين في الرياضيات والفلك، وله فيهما مؤلَّفات قيِّمة، من أشهرها: منازل في الحساب، وتفسير الجبر والمقابلة للخوارزمي؛ والمدخل إلى الأرثماطيقي، وكتاب استخراج الأوتار، وكتاب العمل بالجدول الستيني، وكتاب معرفة الدائرة من الفلك، والكامل، والزيج الشامل، وكتاب المجسطي. وقد اعترف له كل من جاء بعده من رياضيي الشرق والغرب بأنه من أشهر الذين برعوا في الهندسة، وعندما ألّف في الجبر أضاف إضافات ذات شأن على بحوث الخوارزمي؛ فاعْتُبِرَت أساسًا لعَلاقة الهندسة بالجبر، ويعود الفضل للبوزجاني في وضع النسبة المثلثية (الظلّ)، وهو أوَّل مَن استعملها في حلول المسائل الرياضية، كما أوجد طريقة جديدة لحساب جداول الجَيْب، وكانت جداوله دقيقة للغاية، ووضع بعض المعادلات التي تتعلق بجيب الزاويَتَيْنِ، وكشف بعض العَلاقات بين الجيب والمماس والقاطع ونظائرها.

وقد اكتشف البوزجاني إحدى المعادلات لتقويم مواقع القمر سُمِّيت معادلة السرعة، ومن أهمِّ إسهاماته في علم الفلك اكتشافه للخلل في حركة القمر، وهو الاكتشاف الذي أدَّى فيما بعد إلى اتِّساع نطاق علمي الفلك والميكانيكا، وقد ظلَّ المؤرِّخون مختلفين فيما إذا كان تيخو براهي (ت1010هـ / 1601م) الفلكي الدنماركي هو صاحب هذا الاكتشاف أم البوزجاني، إلى أن ثبَت حديثًا بعد التحريات الدقيقة أن الخلل الثالث هو من اكتشاف البوزجاني[52].

وشهد عصر البوزجاني عَلَم آخر من أعلام الحضارة الإسلامية هو أبو القاسم بن أحمد المجريطي (ت 397هـ / 1007م) الذي عاش في قرطبة؛ فقد استطاع تحضير أُكسيد الزئبق، تلك المادَّة التي أدَّت دورًا مهمًّا في أبحاث بريستلي ولافوازيه في القرن الثامن عشر[53].

عبد الرحمن المصري

وكان هناك أيضًا أبو سعيد عبد الرحمن بن يونس المصري (ت 399هـ / 1009م)، الذي اخترع الرَّقَّاص (البُنْدُول)، وعرف أشياء كثيرة من قوانين تذبذبه، وبعد 650 عامًا من اختراعه جاء جاليليو الإيطالي (ت 1052هـ / 1624م) ليتوسَّع في دَرْس الرقَّاص، وليَضَعَ أكثر القوانين التي نعرفها اليوم عن الرقَّاص، ثم حسبها حسابًا رياضيًّا[54].

النصف الأوَّل من القرن الخامس الهجري

أبو الريحان البيروني

أما الفترة العلمية من النصف الأوَّل من القرن الخامس الهجري والنصف الأوَّل من القرن الحادي عشر فيمثِّلها أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني (ت 440هـ / 1048م)، العالم الموسوعي الذي كان لمؤلَّفاته اليَدُ الطُولَى في صناعة أمجاد عصر النهضة والثورة الصناعية في العالم الغربي؛ فقد حدَّد بدقَّة خطوط الطول ودوائر العرض، وناقش مسألة ما إذا كانت الأرض تدور حول محورها أم لا، وسبق في ذلك جاليليو وكوبرنيكوس[55]! كما وضع البيروني قاعدة حسابية لتسطيح الكرة، أي نَقَلَ الخطوط والخرائط من الكرة إلى سطح مُسطَّح وبالعكس؛ وبهذا سهَّل رسم الخرائط الجغرافية[56]وصفه المستشرق الألماني سخاو بقوله: "أعظم عقلية عرَفها التاريخ". وقد[57].

والبيروني يكاد يكون قد ألَّف في كل فروع المعرفة التي عهدها عصره، ومن أبرز ما قام به أنه توصل إلى تحديد الثقل النوعي لـ 18 عنصرًا مركَّبًا بعضها من الأحجار الكريمة، وفي ظاهرة الجاذبية كان البيروني من الروَّاد الذين قالوا بأن للأرض خاصية جذب الأجسام نحو مركزها، وقد تناول ذلك في آراء بثَّها في كتب مختلفة، وأشهر آرائه في ذلك ضمنها كتابه (القانون المسعودي)، ومن مؤلَّفاته الأخرى الرائدة: الصيدلة في الطب، والجماهر في معرفة الجواهر، ومفاتيح الرحمة ومصابيح الحكمة، والآثار الباقية، وتحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن، والعمل بالأسطرلاب، وتحقيق منازل القمر[58].

ابن الهيثم "أبو البصريات"

وقد عاصر البيرونيَّ علماءُ أعلامٌ طارت شهرتهم وإنجازاتهم في الآفاق؛ الأمر الذي يجعل من القرن الخامس الهجري بصفة عامَّة قمَّة أوج وازدهار الحضارة الإسلامية في المشرق والمغرب، وكان منهم في المشرق الإسلامي - على سبيل المثال - ابن الهيثم (430هـ / 1038م)، العالم المسلم الفذُّ الذي سلك الطريقة المثلى في إجراء البحث العلمي، وقال بالأخذ بالاستقراء، والقياس، والتمثيل، وضرورة الاعتماد على النمط المتَّبع في البحوث العلمية الحديثة، وقد وضَّح ذلك من خلال مقدِّمة كتابه (المناظر).

وابن الهيثم في طريقة البحث العلمي لم يَسْبِق بيكون إلى طريقته الاستقرائية فحسب، بل سما عليه سموًّا كبيرًا، ولقد كان أوسع منه أُفقًا وأعمق تفكيرًا؛ تقول زيغريد هونكه: "والواقع أن روجر باكون، أو باكوفون فارولام، أو ليوناردو دا فنشي، أو جاليليو، ليسوا هم الذين أسَّسوا قواعد البحث العلمي؛ إنما السابقون في هذا المضمار كانوا من العرب، والذي حقَّقه ابن الهيثم لم يكن إلا علم الطبيعة الحديث، بفضل التأمُّل النظري والتجرِبة الدقيقة"[59].

وتُعَدُّ أعمال ابن الهيثم العلمية فتحًا جديدًا ووثبة خطيرة في عالم البصريات وفسيولوجية الإبصار، وكانت أعماله هي الأساس الذي بنى عليه علماء الغرب جميع نظرياتهم في هذا الميدان، وكان في طليعة العلماء الأجانب الذين اعتمدوا على نظريَّاته - بل أغاروا عليها ونسبوها لأنفسهم - روجر بيكون وفيتلو وعلماء آخرون، ولا سيما في بحوثهم الخاصَّة بالمجهر والتلسكوب والعدسة المكبرة[60].

فقد بدأ ابن الهيثم أوَّلاً بمناقشة نظريات إقليدس وبطليموس في مجال الإبصار، وأظهر فساد بعض جوانبها، ثمَّ في أثناء ذلك قدَّم وصفًا دقيقًا للعين وللعدسات وللإبصار بواسطة العينين، ووصف أطوار انكسار الأشعة الضوئية عند نفوذها في الهواء المحيط بالكرة الأرضية بعامَّة، وخاصَّة إذا نفذ من جسم شفاف كالهواء، والماء، والذرَّات العالقة بالجو، فإنه ينعطف - أي ينكسر - عن استقامته[61].

وقد بحث في (الانعكاس) وتبيين الزوايا المترتبة على ذلك، كما تطرَّق إلى شرح أن الأجرام السماوية تظهر في الأفق عند الشروق قبل أن تصل إليه فعلاً، والعكس صحيح عند غروبها، فإنها تبقى ظاهرة في المجال الأفقي بعد أن تكون قد احتجبت تحته، وهو أوَّل من نوَّه باستخدام الحجرة السوداء التي تُعتَبَر أساس التصوير الفوتوغرافي[62].

والكتاب الذي خلَّد اسمَ ابن الهيثم عبر القرون هو "كتاب المناظر"، والذي يوضِّح تصوُّر البصريات كنظرية أوَّليَّة في الإبصار، مختلفة جذريًّا عن فرض الشعاع المرئي الذي حافظ عليه التقليد الرياضي منذ إقليدس وحتى الكندي[63].

الزهراوي الأندلسي

ومن العلماء الأعلام الذين عاصروا البيروني، ولكن في المغرب الإسلامي (الأندلس): خلف بن عباس الزهراوي الأندلسي (ت 427هـ / 1036م)، والذي كان لكتابِهِ (التصريف لمن عجز عن التأليف) الفضل في أن أصبح من كبار جرَّاحي العرب المسلمين، وأستاذ علم الجراحة في العصور الوسطى وعصر النهضة الأوروبية حتى القرن السابع عشر، ومن خلال دراسة كُتُبِهِ تبيَّن أنه أوَّل من وصف عملية تفتيت الحصاة في المثانة، وبحث في التهاب المفاصل، وفي السلِّ وغيرها[64].

ابن سينا "الشيخ الرئيس"

كما عاصر البيروني أيضًا الشيخ الرئيس ابن سينا (ت 428هـ / 1037م)، والذي ظلَّ لسبعة قرون متوالية المرجع الرئيسي في علم الطب، وبقي كتابه (القانون) في الطب العمدة في تعليم هذا الفن حتى أواسط القرن السابع عشر في جامعات أوروبا[65]! ويُعَدُّ ابن سينا أوَّل من وصف التهاب السَّحايا الأوَّليِّ وصفًا صحيحًا، ووصف أسباب اليرقان، ووصف أعراض حصى المثانة، وانتبه إلى أثر المعالجة النفسانية في الشفاء[66].

 

النصف الثاني من القرن الخامس الهجري

عمر الخيام

ويمثِّل عمر الخيام (ت 517هـ / 1123م) النصف الثاني من القرن الخامس الهجري والنصف الثاني من القرن الحادي عشر؛ وهو مِن أنبغ مَن اشتغل بالفلك والرياضيات، ولا سيما الجبر، إلا أن شهرته في الشعر والفلسفة طغت على نبوغه العلمي[67]؛ فقد درس بديهيَّات هندسة إقليدس ونظرياتها العامَّة، وهو من أوائل العلماء الذين حاولوا تصنيف المعادلات بحسب درجاتها وعدد الحدود التي فيها، واستخدم بعض المعادلات التي استعملها الخوارزمي من قبل في الجبر والمقابلة، واستطاع أن يحِلَّ المعادلات التكعيبية هندسيًّا، واعتبر أن المعادلات ذات الدرجات الأولى والثانية والثالثة إما أن تكون بسيطة أو مركَّبة، ووَضَعَ للمعادلات البسيطة ستة أشكال وللمركبة اثني عشر شكلاً، وقد دعاه السلطان ملكشاه إلى المرصد الذي شيَّده في مدينة الرَّيِّ لإصلاح التقويم الفارسي، ونجح في ذلك، وللخيام تصانيف كثيرة، من أهمها في الرياضيات بالعربية: شرح ما يُشكل من مصادرات أقليدس، ومقالة في الجبر والمقابلة، ومن أهمها في الفلك: زيج ملكشاه، الذي يُعَدُّ من أشهر الأزياج التي وُضِعَت خلال نهاية القرن الخامس الهجري، ولعبقريته الفذَّة لقبه علماء الشرق والغرب على السواء بـ "علامة الزمان"[68].

النصف الأوَّل من القرن السادس الهجري

الإدريسي.. أعظم علماء الجغرافيا

أما النصف الأوَّل من القرن السادس الهجري والنصف الأوَّل من القرن الثاني عشر الميلادي فيمثِّله أحد العلماء العظام في علم الجغرافيا، وهو الإدريسي (ت 560هـ / 1165م) الذي أَلَّف كتابًا سمَّاه (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) في وصف بلاد أوروبا وإيطاليا، وكان قد استدعاه ملك جزيرة صقلية النورماندي روجر الثاني، وخصَّه بالكثير من العطف والعناية، فصنع له الإدريسي كرة أرضيَّة من الفضة، محفوظة في متحف برلين اليوم، ووضع له الكتاب المذكور[69].

يصفه غوستاف لوبون بأنه: "أشهر جغرافيِّ العرب"، ويقول عن كتابه السابق: "مِن كتبه التي تُرجمت إلى اللاتينية وعلَّمت أوروبا علم الجغرافيا في القرون الوسطى"[70]. ويقول المستشرق الفرنسي (جاك ريسلر): "لم يكن بطليموس الأستاذ الحقيقي في جغرافية أوروبا، لكنه الإدريسي... ومصوَّرات الإدريسي التي تَعْتَرف بكُروية الأرض كانت تتويجًا لعلم المصوَّرات الجغرافية في العصر الوسيط بوفرتها وصحَّتها واتِّساعها... ". ويقول (ألدو مييلي): "لقد عرَف العرب (المسلمون) وضع الخرائط وضعًا علميًّا مبنيًّا على تعيين الطول والعرض في العناصر الجغرافية المختلفة، حيث وصلوا بذلك - على يَدِ الإدريسي - إلى تحقيق خطوة جديرة بالإعجاب حقًّا في هذا الفنِّ الذي هو فرع عظيم الأهمية من الجغرافية العلمية"[71].

أبو مروان الأندلسي

وقد عاصره في حاضرة المسلمين في الأندلس أبو مروان عبد الملك بن أبي العلاء بن زهر الأندلسي (ت 557هـ / 1162م) الذي ذاع صيته في الطبِّ، والذي كان يرى أنه لا ينبغي للطبيب أن يقوم بتحضير الأدوية؛ فسبق بهذا الرأي إلى مفهوم الطبَّ الحديث من فصل الجراحة والطبِّ الباطني عن الصيدلة، ويُعْتَبَر مؤلَّفه: "التيسير في المداوة والتدبير" من خير ما ألَّف المسلمون في الطبِّ العملي؛ فقد تحرَّر فيه من كل ما تقيَّد به غيره من آراء نظرية، وأخذ فيه بما تُؤَدِّي إليه الملاحظة المباشرة، وفيه وصف التهاب التامور، والتهاب الأذن الوسطى، وشلل البلعوم، كما وصف عملية استخراج الحصى من الكُلَى وفتح القصبة الهوائية[72].

عبد الرحمن الخازني

كما عاصره أبو الفتح عبد الرحمن الخازني (ت 550هـ / 1155م)، والذي كانت له إسهاماته في قانون الجاذبية؛ فقد تحدَّث عن التسارُع (أو العجلة) في سقوط الأجسام نحو الأرض، وضمَّن كتابه (ميزان الحكمة) ما يدُلُّ على معرفته بالعَلاقة الصحيحة بين السرعة التي يسقط بها الجسم نحو سطح الأرض، والبُعد الذي يقطعه، والزمن الذي يستغرقه، وهي العَلاقة التي تنُصُّ عليها المعادلات الرياضية المنسوبة لجاليليو في القرن السابع عشر الميلادي[73].

النصف الثاني من القرن السادس الهجري

هبة الله بن ملكا البغدادي

ويمثِّل النصف الثاني من القرن السادس الهجري والنصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي هبة الله بن ملكا البغدادي (ت560هـ / 1164م)، ولقد كانت له أيضًا آراؤه واكتشافاته المهمَّة بخصوص قانون الجاذبية؛ فقد نجح ابن ملكا في تصحيح الخطأ الجسيم الذي وقع فيه أرسطو عندما قال بسقوط الأجسام الثقيلة أسرع من الأجسام الخفيفة، وسبق جاليليو في إثبات الحقيقة العلمية المهمَّة التي تقضي بأن سرعة الجسم الساقط سقوطًا حُرًّا تحت تأثير الجاذبية الأرضية لا تتوقف إطلاقًا على كُتلته، وذلك عندما تخلو الحركة من أي معوقات خارجية، وأضاف ابن ملكا حقائق جديدة عن ظاهرة الجاذبية من خلال دراسته لحركة المقذوفات، من حيث إن حركتها إلى أعلى عند القذف تُعاكس فعل الجاذبية الأرضية، أو أن القوَّة القسيرة التي قُذِف بها الجسم إلى أعلى تعمل في تضادٍّ مع قوَّة الجاذبية الأرضية[74].

ولطالما كان الحديث عند إنجازات بعض علماء المسلمين في اكتشاف قانون الجاذبية، فإن هذا يجرنا إلى الحديث عن دورهم أيضًا في اكتشاف قوانين الحركة، والتي تُنْسَبُ خطأ إلى العالم الإنجليزي إسحاق نيوتن (ت 1139هـ / 1727م)، وذلك منذ أن نشرها في كتابه المسمَّى "الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية"، ولقد ظلَّت هذه هي الحقيقة المعروفة في العالم كلِّه، حتى تصدَّى للبحث فيها جماعة من علماء الطبيعة المسلمين المعاصرين، وكان في مقدِّمتهم الدكتور مصطفى نظيف أستاذ الفيزياء، والدكتور جلال شوقي أستاذ الهندسة الميكانيكية، والدكتور على عبد الله الدفاع أستاذ الرياضيات، فتوفَّروا على دراسةِ ما جاء في المخطوطات الإسلامية في هذا المجال، فاكتشفوا أن الفضل الحقيقي في اكتشاف هذه القوانين إنما يرجع إلى علماء المسلمين، وما كان دور نيوتن وفضله فيها إلا تجميع مادة هذه القوانين وصياغتها، وتحديده لها في قالب رياضي!!

وقد ساقوا الشواهد على ذلك من كتب علماء المسلمين، مثل: (الإشارات والتنبيهات) لابن سينا، و(المعتبر في الحكمة) لأبي البركات هبة الله بن ملكا البغدادي (480 / 560هـ) (1087/ 1164م), و(المناظر) لابن الهيثم (ت 430 هـ / 1039م).

النصف الأوَّل من القرن السابع الهجري

عبد اللطيف بن يوسف البغدادي

أما النصف الأوَّل من القرن السابع الهجري والنصف الأوَّل من القرن الثالث عشر الميلادي فيمثله أحد العلماء المكْثِرِين من التصنيف في الحكمة، وعلم النفس، والطب، والتاريخ، والبُلدان، والأدب, وهو عبد اللطيف بن يوسف البغدادي (ت 629هـ / 1231م)، والذي يُعرف بابن اللباد، وبابن النقطة، والذي اشتهر باعتماده على التجرِبة الحسية أساسًا لبحوثه العلمية، فنقض في سبيل ذلك أقوال جالينوس في شرحه لعَظْم الفك، وذلك بعد مشاهدة أكثر من ألفي جمجمة!! وقال مقولته: "الحسُّ أصدق منه (من جالينوس)"، وقد كان ينتقل بطلابه الذين يتردَّدون عليه في دراسة الطبِّ إلى المقابر ليتحقَّق بنفسه من أشكال العظام[75]!

رشيدُ الدين الصوري

وقد عاصر البغداديَّ رشيدُ الدين الصوري (ت 639هـ / 1241م) من أعظم علماء النبات، والذي استطاع أن يصف 585 عقارًا، منها 466 من فصيلة النبات، و75 من المعادن، و44 من فصيلة الحيوان، وقد أتى ذِكْر كثير من هذه الأعشاب في كتابيه "الأدوية المفردة"، و"التاج"، يقول ابن أبي أصيبعة يَصِفُ الصوري: "قد اشتمل على جمل الصناعة الطبِّيَّة، واطَّلع على محاسنها الجلية والخفية، وكان أَوْحَد في معرفة الأدوية المفردة وماهياتها واختلاف أسمائها وصفاتها، وتحقيق خواصها وتأثيراتها"[76].

ابن البيطار

على أن الذي يُعَدُّ رئيس العشَّابين، وكبير العطارين، وأعظم عالم نباتي ظهر في القرون الوسطى هو أبو محمد، عبد الله بن أحمد المالقي، المعروف بابن البيطار (ت 646هـ / 1248م)؛ إذ كان الحجة في معرفة أنواع النباتات وتحقيقها، وصفاتها، وأسمائها، وأماكنها، حتى عُرف في أوروبا بحقٍّ باسم "أبي علم النبات". وله في ذلك: "الجامع لمفردات الأدوية والأغذية"، و"المغني في الأدوية المفردة"[77]، وكلا الكتابين قد تُرجم إلى كثير من لغات العالم[78].

النصف الثاني من القرن السابع الهجري

ابن النفيس

ويمثِّل علماء النصف الثاني من القرن السابع الهجري والنصف الثاني من القرن الثالث عشر الميلادي العالم الفذُّ ابن النفيس (ت 687هـ / 1288م)، الذي يُعَدُّ أعظم وأشهر عالم بوظائف الأعضاء في القرون الوسطى برُمَّتِها.

فقد عارض نظريةَ جالينوس - التي ذكرناها سابقًا في وظيفة الرئتين، والتي ادَّعى فيها أن في الحاجز الذي بين الجانب الأيمن والجانب الأيسر في القلب ثقوبًا غير منظورة يتسرَّب فيها الدم من الجانب الواحد إلى الجانب الآخر، وما وظيفة الرئتين إلا أن تُرفرفا فوق القلب فتبرد حرارته وحرارة الدم، ويتسرَّب شيء من الهواء فيها بواسطة المنافذ التي بينهما وبين القلب، فيُغذي ذلك القلب والدم - عارض ابن النفيس تلك النظرية معارضة شديدة، وأثبت بما لا يدع مجالاً للشكِّ أن اليونان لم يفهموا وظيفة الرئتين والأوعية التي بين القلب والرئتين، وأنه فهم وظيفتها، وأوعيتها، وتركيب الرئة، والأوعية الشَّعْرية التي بين الشرايين والأوردة الرئوية، وشرح الفُرَج الرئوية شرحًا واضحًا، كما فَهِمَ أيضًا وظائف الأوعية الإكليلية، وأنها تنقل الدم ليتغذَّى القلب به، ونفى التعليم القائل بأن القلب يتغذَّى من الدم الموجود في البُطَيْن الأيمن.

ثم أكَّد ذلك في حديثه عن الدورة الدموية الصغرى وطريقة عملها، ذاكرًا آراء ابن سينا وأقوال جالينوس التي اعتمد عليها ابن سينا، ثم عارضها بمنتهى الحماسة، وكان حقيق بعدُ بأن يصفه جورج سارتون بأنه أوَّل من اكتشف الدورة الدموية، ليكون بذلك الرائدَ لوليام هارفي الذي يُنسب إليه هذا الاكتشاف[79].

القرن الثامن الهجري وما بعده

عزُّ الدين الجلدكي

أما النصف الأوَّل من القرن الثامن الهجري والنصف الأوَّل من القرن الرابع عشر الميلادي فيمثِّله عالم الكيمياء هو عزُّ الدين الجلدكي (ت 1363م) صاحب كتاب (التقريب في أسرار التركيب)، وهو الذي فَصَل الذهب عن الفضة بوساطة حامض النتريك، وهي طريقة ما تزال تُستخدَم، ولها شأن في تقدير عيارات الذهب في المشغولات والسبائك الذهبية[80].

ومنذ بداية القرن التاسع الهجري الخامس عشر الميلادي بدأ منحنى الحضارة العلمية الإسلامية يتوقَّف ثم يأخذ اتجاه آخر نحو الهبوط والانحدار، وإن بقي أثر تلك الحضارة بارزًا في أوروبا حتى القرن الحادي عشر الهجري السابع عشر الميلادي، وقد تخلل هذه الفترة بعض الإنجازات والابتكارات القليلة.

آق شمس الدين بن حمزة

فمن ذلك ما كان من أمر الشيخ آق شمس الدين بن حمزة (ت 1459م) أحد أعلام الحضارة الإسلامية في عهدها العثماني، ونموذجًا فريدًا في تعانق العلوم الشرعية مع العلوم الحياتية، وعَلَم بارِز من علماء النبات والطبِّ والصيدلة، وهو أحد شيوخ الخليفة العثماني محمد الفاتح، عُدَّ خبيرًا أوَّلاً في زمنه في مجال صُنْعِ الأدوية من النبات، واهتمَّ اهتمامًا خاصًّا بالأمراض المعدية، وألَّف في ذلك كتابًا بالتركية بعنوان (مادة الحياة)، وضع فيه لأول مرة تعريف الميكروب، ولم يكن الميكروسكوب قد ظهر بعدُ[81].

ولا يمكن هنا تجاهل العالم الجغرافي الفذِّ، والقائد البحري العثماني الذي كان سيد البحار: بيري ريس، واسمه الكامل محيي الدين بن محمد الريس (ت 960هـ - 1513م)؛ فله الفضل في رسم أقدم خريطة لأمريكا!!

وهذه الخريطة اكتشفها المستشرق الألماني[82]Kahleعندما عثر عليها في مكتبة (توب كابي سراي) بإستانبول، ونشرها على العالم سنة 1929م، بعد تحقيق علمي دُولي استمرَّ عدَّة سنوات؛ فقد أذهلت هذه الخريطة العالم كله وحيَّرت العلماء، وهي في الواقع أكثر من خريطة مفردة؛ فهي تُبيِّن المحيط الأطلسي؛ في الشرق ترى إسبانيا والساحل الإفريقي, وفي الغرب ترى القارة الأمريكية بسواحلها، وجزرها، وموانيها، وحيواناتها، وسكانها الهنود الحمر، الذين يرسمهم عُرَاة وهم يرعَوْن الغنم.

وفي 26 أغسطس سنة 1956م عُقِدَت في جامعة جورج تاون بالولايات المتحدة الأمريكية ندوة إذاعية عن خرائط البيري ريس، اتَّفق كلُّ الجغرافيين فيها بأن خرائط البيري ريس لأمريكا: "اكتشاف خارق للعادة"[83].

وإن أعجب ما في خرائط بيري ريس أنها عادت لتَشغل العلماء بعد عصر رحلات الفضاء وتصوير الأرض من الأقمار الصناعية، فقد كان الاعتقاد الأوَّل لدى علماء الخرائط في أمريكا وأوروبا في القرن العشرين أن الخرائط غير دقيقة, وبها أخطاء في الرسم حسب أحدث معلوماتهم عن الشاطئ الأمريكي, ولكنهم فوجئوا بعد ظهور أوَّل صورة مأخوذة من القمر الصناعي لهذه المناطق أن خرائط محيي الدين الريس أدقُّ مِن كل ما عرَفوه وتصوَّروه, وأنها تُطابق تمامًا صور القمر الصناعي, وأن معلوماتهم هي التي كانت خاطئة.

وعلى إثر ذلك عكف فريق من العلماء في وكالة الفضاء الأمريكية على إعادة دراسة الخرائط مُقَطَّعة بعد تكبيرها عدَّة مرَّات، فكانت المفاجأة الثانية، وهي أن الريس قد وضع في خرائطه القارة السادسة في القطب الجنوبي والمسمَّاة Antartica قبل اكتشافها بأكثر من قرنين، كما أنه وصف جبالها ووديانها التي لم تُكتشف حتى سنة 1952م[84].

كما لا يمكن أيضًا تجاهل تقي الدين الدمشقي (ت 1525م)، الذي ساهم في بناء مرصد إسطنبول؛ فقد اخترع المضخَّة ذات الأُسْطُوانات الستِّ، وهي فكرة المحرِّكات الانفجارية في جوهرها[85].

وهكذا كانت قصة العلوم في الحضارة الإسلامية.. مفخرة للإنسانية، ومنارة للعالم أجمع.. وذلك يومَ أن بزغ المسلمون في كل أنواع المعرفة، ينهَلُون منها ويغترفون، لا يعيقهم عائق، ولا يقف في طريقهم حاجز.. فمن مبادئ الإسلام انطلقوا، وبتشجيع ذوي السلطان وأولي الأمر تثبَّتوا.. ليُورِثُوا أُمَّتهم حضارة عَلَتْ على العلياء، وأبت على الأعداء، وقادت البشرية جمعاء، وكانت سببًا مباشرًا في بناء الأمم والحضارات اللاحقة!


[1] انظر غوستاف لوبون: حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر، الهيئة المصرية العامة للكتاب ص 13، و317.
[2] السابق ص 566.
[3] عن العلم بصفة عامة وأهمية العلوم الحياتية في صنع النهضة انظر أ.د/راغب السرجاني: العلم وبناء الأمم - دراسة تأصيلية في بناء الدولة وتنميتها، مؤسسة اقرأ، الطبعة الأولى، 1428هـ - 2007م ص 17، وص 52 وما بعدها.
[4] انظر محمد جمال الدين الفندي: تراث المسلمين في ميدان العلوم، ضمن موسوعة: دراسات في الحضارة الإسلامية 2/248، 249.
[5] انظر الطبري: جامع البيان في تأويل القرآن 24/520.
[6]مسلم: كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا دون ما ذكره rمن معايش الدنيا على سبيل الرأي (2363) عن أنس بن مالك وعائشة رضي الله عنهما.
[7] انظر علي بن عبد الله الدفاع: رواد علم الطب في الحضارة العربية والإسلامية ص 63.
[8] ابن الجوزي: الوفا بأحوال المصطفى 2/341.
[9] انظر سيرة ابن هشام 2/239، وابن سيد الناس: عيون الأثر 2/53.
[10] انظر أحمد عيسى: تاريخ البيمارستانات في الإسلام ص 40.
[11]قال ابن سعد: هي التي كانت تكون في المسجد لها خيمة تداوي المرضى والجرحى. انظر الطبقات الكبرى 8/291، والإصابة 8/94.
[12] قال ابن عبد البر: كانت تغزو كثيرًا مع رسول الله rتمرض المرضى وتداوي الجرحى. الاستيعاب 1/632، وانظر ابن سعد: الطبقات الكبرى 8/455.
[13] وكان يسمى: "طبيب العرب". انظر ابن الأثير: أسد الغابة 1/218، وابن حجر العسقلاني: الإصابة 1/594.
[14] انظر الصفدي: وفيات الأعيان 2/224، وابن النديم: الفهرست ص 242.
[15] مدينة في خوزستان، كان سابور الأول قد اتخذها لأسرى الروم.
[16] انظر علي بن عبد الله الدفاع: رواد علم الطب في الحضارة العربية والإسلامية ص 68.
[17] انظر طبقات الأطباء 1/163، وتاريخ الحكماء ص 80.
[18] انظر محمود الحاج قاسم محمد: الطب عند العرب والمسلمين – تاريخ ومساهمات ص 60.
[19] انظر رواد علم الطب في الحضارة العربية والإسلامية ص 168.
[20] المرجع السابق ص 158.
[21] انظر الصفدي: وفيات الأعيان 2/224، ومحمد الصادق عفيفي: تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص 16.
[22]جابر بن حيان: كتاب التجريد، ضمن مجموعة حقَّقها ونشرها هولميارد بعنوان: مصنفات في علم الكيمياء للحكيم جابر بن حيان، باريس، 1928.
[23]انظر علي عبد الله الدفاع: روائع الحضارة العربية الإسلامية ص 274.
[24]عمر فروح: تاريخ العلوم عند العرب ص251.
[25] انظر شوقي أبو خليل: الحضارة العربية الإسلامية ص 521.
[26] حضارة العرب ص 475.
[27]انظر عبد الحليم منتصر: تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه ص 106.
[28] انظر محمد الصادق عفيفي: تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص 36، 37، 43.
[29] انظر طبقات الأطباء 1/163، وتاريخ ابن خلدون 1/401، وكشف الظنون 2/679، والمرجع السابق ص 37.
[30] انظر كشف الظنون 2/681، وتاريخ الحكماء ص 380، وطبقات الأطباء ص 67، وتطور الفكر العلمي عند المسلمين ص 37، 38.
[31] انظر جلال مظهر: حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي ص 246.
[32] انظر ابن النديم: الفهرست ص 339، وأيضًا: كشف الظنون 2/68.
[33] انظر ابن النديم: الفهرست ص 243، وتطور الفكر العلمي عند المسلمين ص 39.
[34] انظر حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي ص 251.
[35] راجع كرم حلمي فرحات أحمد: التراث العلمي للحضارة الإسلامية في الشام والعراق خلال القرن الرابع الهجري ص 642، 643، ومحمد علي عثمان: مسلمون علموا العالم، 74، 75، وأكرم عبد الوهاب: 100 عالم غيروا وجه العالم ص 20.
[36] انظر علي عبد الله الدفاع: مبتكر علم الجبر.. محمد بن موسى الخوارزمي، مجلة البحوث الإسلامية، ج5 ص 187 – وله أيضًا: روائع الحضارة العربية الإسلامية في العلوم ص 77 - ومحمد علي عثمان: مسلمون علموا العالم ص 77 – وعبد الحليم منتصر: تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه ص 65.
[37] انظر محمد الصادق عفيفي: تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص 138.
[38] انظر في إنجازات الرازي في مجال الطب: جلال مظهر: حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي ص 321، 322.
[39] المصدر السابق ص 323، 324، وتاريخ حكماء الإسلام ص 21، والوافي بالوفيات 3/76، ودائرة المعارف الإسلامية 9/451، والحضارة العربية الإسلامية لشوقي أبو خليل ص 510، 511.
[40] ابن أبي أصيبعة: طبقات الأطباء 1/68.
[41] تُريد: ابن سينا والرازي.
[42] شمس العرب تسطع على الغرب ص 334.
[43] الصفدي: وفيات الأعيان 5/162.
[44]انظر: أحمد فؤاد باشا: التراث العلمي الإسلامي شيء من الماضي أم زاد من الآتي؟ ص 29.
[45]انظر أحمد فؤاد باشا: التراث العلمي الإسلامي ص 30، 31، وعن إنجازات بني موسى انظر: دونالد ر. هيل: العلوم والهندسة في الحضارة الإسلامية، ترجمة أحمد فؤاد باشا، (سلسلة عالم المعرفة) ص 181 وما بعدها، وعلي بن عبد الله الدفاع: روائع الحضارة العربية الإسلامية ص 120 - 122، وجلال مظهر: حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي ص 358، 359.
[46] انظر إرشاد الأريب 1/123، وخزانة الأدب للبغدادي 1/25، والحضارة العربية الإسلامية ص 524.
[47] شوقي أبو خليل: الحضارة العربية الإسلامية ص 529.
[48] راجع: عبد الرحمن حميدة: أعلام الجغرافيين العرب ص 309 وما بعدها، وجلال مظهر: حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي ص 401.
[49] انظر شوقي أبو خليل: الحضارة العربية الإسلامية ص 499.
[50] المرجع السابق، الصفحة نفسها، وعبد الرحمن حميدة: أعلام الجغرافيين العرب ص 235.
[51] التراث العلمي الإسلامي شيء من الماضي أم زاد للآتي ص 90، 91.
[52] عن البوزجاني انظر: علي بن عبد الله الدفاع: العلوم البحتة في الحضارة العربية الإسلامية ص 376 – 382، وله أيضًا: روائع الحضارة العربية الإسلامية ص 190 - 193، وموقع الموسوعة العربية العالمية.
[53] انظر شوقي أبو خليل: الحضارة العربية الإسلامية ص 524.
[54] المصدر السابق ص 530.
[55]انظر الصفدي: الوافي بالوفيات 1/1070، والزركلي: الأعلام 5/314، وعبد الرحمن حميدة: أعلام الجغرافيين العرب ص 340، وموسوعة العرب: أبو الريحان البيروني ص26.
[56]عبد الرحمن حميدة: أعلام الجغرافيين العرب ص 459، وجلال مظهر: حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي ص397.
[57]راجع كتاب نوابغ المسلمين 2/53، 64، 65.
[58] انظر الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب، إشراف محمد كامل حسين ص 400 - 402، وعلي بن عبد الله الدفاع: روائع الحضارة العربية الإسلامية ص 203 - 206 و 312، 313.
[59]زيغريد هونكه: شمس العرب تسطع على الغرب ص 148، 149.
[60] المصدر السابق، الصفحة نفسها.
[61] انظر جلال مظهر: حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي ص 302.
[62] انظر محمد الصادق عفيفي: تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص 138.
[63] انظر المصدر السابق ص 147، وجلال مظهر: حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي ص 305، وعلي عبد الله الدفاع: العلوم البحتة في الحضارة العربية والإسلامية ص 317.
[64]طبقات الأطباء 1/333، وشوقي أبو خليل: الحضارة العربية الإسلامية ص 513.
[65] انظر شوقي أبو خليل: الحضارة العربية الإسلامية ص 511.
[66] الصفدي: وفيات الأعيان 1/152، وتاريخ حكماء الإسلام، 27، ودائرة المعارف الإسلامية 1/102، والحضارة العربية الإسلامية لشوقي أبو خليل ص 511.
[67] أكثر ما يُعرف عن الخيام رباعياته الشعرية التي نالت شهرة فائقة من حيث هي فلسفة وعمل أدبي، وقد أثبتت الدراسات الحديثة أنها ليست للخيام وإنما لشعراء آخرين، ويرى بعض المؤرخين أنها لغيره ونسبت إليه خطأ، أو أنها دست عليه لشهرته المرموقة في الرياضيات والفلك.
[68] راجع علي عبد الله الدفاع: العلوم البحتة في الحضارة العربية والإسلامية ص 220 – 232، وله أيضًا: روائع الحضارة العربية الإسلامية في العلوم ص 85 - 87.
[69] انظر شوقي أبو خليل: الحضارة العربية الإسلامية ص 494.
[70] حضارة العرب ص 470.
[71]انظر محمد الصادق عفيفي: تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص281، وللاستزادة انظر: عبد الرحمن حميدة: أعلام الجغرافيين العرب ص 388 – 391، وجلال مظهر: حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي ص 402، 403.
[72] انظر محمد الصادق عفيفي: تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص 201، وعامر النجار: في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية ص 226 – 228، والموجز في تاريخ الطب ص 264، ومحمود الحاج قاسم محمد: الطب عند العرب والمسلمين ص 82، 83.
[73] انظر أحمد فؤاد باشا: التراث العلمي الإسلامي ص 92.
[74] راجع المصدر السابق ص 91.
[75] عبد اللطيف البغدادي في مصر، الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر، المجلة الجديدة، مطبعة المصري ص 74 نقلاً عن شوقي أبو خليل: الحضارة العربية الإسلامية ص 514.
[76] انظر طبقات الأطباء 2/123- 130.
[77] طبقات الأطباء 3/133، ونفح الطيب 2/683، ودائرة المعارف الإسلامية 1/104.
[78] انظر محمد الصادق عفيفي: تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص 224.
[79] انظر في إنجازات ابن النفيس: جلال مظهر: حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي ص 346، 347، وعلي عبد الله الدفاع: رواد علم الطب في الحضارة الإسلامية ص 451، ومحمد الصادق عفيفي: تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص 205، 207، ومصطفى لبيب عبد الغني: دراسات في تاريخ العلوم عند العرب ص 170، ومحمد علي عثمان: مسلمون علموا العالم ص 51، 52، وأحمد علي الملا: أثر العلماء المسلمين في الحضارة الأوربية ص 140.
[80] انظر شوقي أبو خليل: الحضارة العربية الإسلامية ص 524.
[81]انظر محمد حرب: العثمانيون في التاريخ والحضارة ص 461، 466.
[82]الملاحة وعلوم البحار عند العرب ص 138.
[83] انظر محمد حرب: العثمانيون في التاريخ والحضارة ص 472.
[84] انظر المصدر السابق ص 473، 474، وعن اكتشافات بيري ريس انظر الرابط: http://www.islamset.com/arabic/asc/fangry1.html
[85] انظر شوقي أبو خليل: الحضارة العربية الإسلامية ص 532.

Related Posts islamstory...

تعليقات القراء