قصر الجعفرية في سرقسطة

يعد قصر الجعفرية نسبة إلى أبي جعفر المقتدر بن هود، وهو واحد من أروع ما شيَّدته الحضارة الإسلامية في بلاد الأندلس، وواحد من مفاخر سرقسطة الواقعة في الشمال الشرقي من إسبانيا.

سرقسطة
تقع مدينة سرقسطة إلى الشمال الشرقيّ من شبه الجزيرة الأيبيرية (الأندلس وهي إسبانيا والبرتغال حاليًّا) -على مسافة 318كم من مدريد- وكانت تمثّل الثغر الأعلى لبلاد الأندلس، إذ هي حائط الصدِّ الأول والأهم لبلاد الأندلس من هجمات الممالك النصرانية الإسبانية؛ فهي تقع بين مملكة قطلونية من الشرق، ومملكة نافار أو نبرة من الشمال الغربي، ومملكة قشتالة من الجنوب الغربي؛ لذلك فهي في جهاد دائم (1)، وتُعرف بالمدينة البيضاء لكثرة جصها وجيارها، وقيل لأنّ أسوارها القديمة من حجر الرخام الأبيض، ومن خواصها أنها لا تدخلها حية البتة وإن جلبت إليها ماتت وحيًا(2).

المقتدر بن هود
هو أحمد بن سليمان بن محمد بن هود، من ملوك الطوائف بالأندلس، ملك بعد أبيه سليمان بن هود، وكان المقتدر بن هود من أعظم ملوك الطوائف، حكم 35 عاماً فيما بين 438 و474هـ / 1046-1081م. ويصفه الحجاري في المسهب بأنّه " عميد بني هود وعظيمهم، ورئيسهم وكريمهم"، وكان يتمتع بكثير من الخلال البديعة، فقد كان أميرًا عظيمًا يحيط نفسه بجو من المهابة والروعة، وكان بلاطه من أعظم قصور الطوائف وأفخمها، وكان يحيط نفسه بطائفة من أشهر العلماء والكتّاب في عصره، ومن هؤلاء العلامة الفقيه أبو الوليد الباجي، ووزيره أبو المطرف بن الدباغ، ووزيره الكاتب اليهودي المسلم أبو الفضل ابن حسداي السرقسطي، وكان كلاهما من أعلام عصره في البلاغة والأدب.
بل كان المقتدر نفسه من علماء عصره، وكان يشغف بدراسة الفلسفة والرياضة والفلك، وقد كتب كتبًا في الفلسفة والرياضة(3).

قصر الجعفرية
ينسب قصر الجعفرية إلى أبي جعفر المقتدر بالله بن هود، من أعظم وأفخر القصور الملكية في ذلك العصر، وهو جزء من قصبة سرقسطة، أي حصنها المنيع الذي يقيم فيه الحكام والجند، واعتُبر من أعظم وأضخم القصور الملكية في العصور الوسطى، وقد اشتُهر في تاريخ الفن الإسلامي باسم " دار السرور"، وكان أروع ما فيه بهوه الرائع الذي زينت جدرانه بالنقوش والتحف الذهبية البديعة، والذي كان يسمّى لذلك بالبهو الذهبي، أو مجلس الذهب(4).
وقد تفاخر بقصر الجعفرية المقتدر بن هود، وهو أوّل من تغزل بقصره شعرًا واصفًا إيّاه بأنه قمّة ما تمنّى، وأنه على الرغم من اتساع حكمه ومآثره في إقليم آراغون إلا أن هذا القصر وحده يكفيه كمفخرة له عن كل مآثره الأخرى.
وفيه يقول المقتدر:
قصر السرور ومجلس الذهب ... بكما بلغت نهاية الطرب
لو لم يحز ملكي خلافكما ... لكان لدي كفاية الأرب(5)
ولما سقطت سرقسطة في يد الإسبان؛ شُوِّهت معالم هذا القصر البديع، وأُدخلت فيه تعديلات وتغييرات عديدة قضت على محاسنه وزخارفه العربية، وما زالت بقاياه الدارسة تقوم حتى اليوم في قلب مدينة سرقسطة باسم قصر الجعفرية Palacio Aljaferia(6).

وصف قصر الجعفرية
قام المقتدر بن هود ببناء قصره خارج المدينة، حيث يمتد النظر من شرفاته على حدائق وبساتين خضراء حتى النهر، وحصَّنه بقلاع عالية وخندق عريض، مازجًا في فنّه المعماري ملامح من دمشق وبغداد والمغرب.

فيما يغلب عليه التأثّر بالفن المعماري في قرطبة، وجعل فيه محرابًا رائعًا للصلاة، وقاعات للتدارس وصالات للترف والاحتفالات منها مجلس الذهب.

مجلس الذهب
ويحتوي القصر على صالة سميت بـ"مجلس الذهب"؛ لما تتّسم به من سحر وجمال، وفي وسطه بئر تصل مياهه عبر قناة من النهر وبمستواه ترتفع بارتفاعه وتنخفض بانخفاضه، مما يجعل الماء وفيرًا في القصر ونافوراته، ولم ينس البركة المعروفة في قصور الشرق كرمز للرفاهية والخير والسلام، فيما زُيِّنت الجدران بنقوش جمالية والسقوف بفسيفساء إسلامية.

نوافذه وهندسته
نوافذه وهندسته دُرِست بعناية مراعية لمساقط الضوء وانعكاساته على ألوان المبنى التي من أبرزها الأحمر والأزرق والزهري والأبيض.. بل إن معماره قد أثّر في كل المعالم الأندلسية التي بنيت بعده بما في ذلك جوانب من قصر الحمراء في غرناطة.

قصر السرور
وقد أطلق عليه آنذاك "قصر السرور" دلالة على الرخاء والرفاهية وباعتباره قصر صيفي لإقامة الملك ومركزًا ثقافيًّا وفنيًّا في عصره، ثم تحوّل اسمه مع مرور الزمن إلى (الجعفرية) نسبة إلى جعفر بن المقتدر؛ حيث درج الأسبان على هذه التسمية حتى اليوم.

جامعة علمية
لقد سعى المقتدر عبر هذا القصر إلى تقليد المناخ الثقافي الذي كان سائدًا في بغداد وخاصة في (بيت الحكمة)، فقد جعل منه بمثابة جامعة فكرية علمية ثقافية فنية مفتوحة إلى جانب كونه قصرًا ترفيهيًّا يتم فيه تطبيق التقاليد الشرقية.

فكان يجمع فيه خيرة علماء الفقه، والفلسفة، والطب، والهندسة، والشعراء، وأهل الفن، بغضّ النظر عن كونهم مسلمين أو نصارى أو يهود، فقد كان جوُّ التسامح والتلاقح الثقافي سائدًً بحيث يشكّل علماء الأديان الأخرى جزءًا مكملاً في إطار فسيفساء الثقافة الإسلامية، بل إنّ بعضهم كان يُعِينُ العلماء المسلمين على الاستنتاج والاستنباط في العلوم الإسلامية نفسها، لما كانوا عليه من دراية وتشبع بالثقافة الإسلامية، ممّا جعل للحركة الثقافية في سرقسطة خصوصيتها، بحيث أثار دهشة الباحثين والآثاريين اليوم وجود رسم نحتي لطائر مجسد وسط زخرفة أحد أعمدة مداخل القصر، وهو ما لم يوجد في أي أثر إسلامي آخر بحكم منع الإسلام لتجسيد الكائنات الحية في الرسم والنحت، الأمر الذي جعل الباحثين يعزون ذلك إلى طبيعة الانفتاح الثقافي التي كانت سائدة في هذا القصر، فيما يرى البعض بأنه محاولة في استكمال التصور عن قصور الجنة، لما كان عليه هذا القصر من روعة، فوضعوا صورة الطير في الأعلى.

القباب والجدران
كما تم تطريز للحواشي العليا للجدران والسقوف بآيات من القرآن بالخط الكوفي وخاصة في المحراب والمدخل، أمّا في القاعات العليا فقد تكررت عبارة (الملك لله..الملك لله) بكل الاتجاهات مثلما تكررت عبارة (لا غالب إلا الله) في قصر الحمراء (7).

قصر الجعفرية في يد النصارى
ولشدّة إعجاب ملوك آراغون بهذا القصر الذي استولوا عليه بعد سقوط سرقسطة، وبشكل خاصّ بيدرو دي آراغون الذي أحبّ أن يكون قصره في هذا القصر، فأقاموا عليه التحويرات وبنوا قاعة احتفالاتهم فوق قاعة احتفالات المسلمين كدلالة على الانتصار والتفوق، وكما حدث في غرناطة وقرطبة وغيرها، راحوا يلصقون رموز وشعارات مملكاتهم والصلبان على السقوف وأعالي الجدران، إضافة إلى تطريزات قوطية ورومانية وكنائسية وتحويل المحراب إلى مطبخ.

ومما يدعو للتأمل مفارقة أن يخطوا أسماء زوجاتهم وتواريخ زواجهم، وشعارات دعاية سياسية لحكمهم، وسيوف، ودروع، ورماح، وصورًا لهم ولانتصاراتهم، وعبارات تشير إلى قوتهم وملكيتهم الأبدية التي لا تزول وتحويل الغرف الجانبية إلى زنزانات للتعذيب، فبينما يذكر الحاكم المسلم نفسه بالتواضع والفناء وأن هذا (الملك لله) يفعل الآخر العكس.

وفي أواخر القرن الثامن عشر الميلادي تم تحويل القصر بحكم تحصيناته العسكرية إلى مقر للجيوش ولمحاكم التفتيش وسجن لمعارضي الحكومات المتلاحقة على امتداد ثلاثة قرون، حيث مازالت آثار السجناء باقية من عبارات عذاب، وذكريات، وحساب للأيام، وأسماء حبيباتهم، وخربشات خطّوها بأظافرهم.

ثم أُهمل القصر وظل في تصّور الناس على أنَه مجرد قلعة عسكرية قديمة، إلى أن صدر القرار بإعادة ترميمه وصيانته في أواسط الثمانينات من القرن العشرين؛ حيث تم العمل فيه بجدية وأمانة استطاعتا أن تجعلا منه الآن معلمًا مثيرًا للدهشة والتأمل، وهو يجمع في تكوينه الحالي آثار مراحل وقرون عديدة منها الإسلامي الأندلسي؛ ثم الملوكي الأراغوني؛ والعصر الوسيط؛ وأضيف إليه ركن حديث تابع لبلدية آراغون؛ فأصبح رمزًا وسجلاً لتلاحق وتوارث العصور وأرشيفًا لحضارات متعاقبة، حتى حاز مؤخرًا على جائزة أوربية.


(1) راغب السرجاني: الأندلس من الفتح إلى السقوط.
( 2) الحميري: الروض المعطار في خبر الأقطار1/ 317.
(3) محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام في الأندلس 2/ 282 – 283. خليل إبراهيم السامرائي - عبد الواحد ذنون طه - ناطق صالح مصلوب: تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس 1/ 244.
(4) محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام في الأندلس 2/283.
(5) محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام في الأندلس 2/283. محسن الرملي: سرقسطة الأندلسية في الأمس واليوم، هي (المدينة البيضاء) لا تدخلها الأفاعي أبداً ودرة معالمها (قصر الجعفرية). مجلة النبأ العدد 29 رمضان 1427هـ / نوفمبر 2005م.
(6) محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام في الأندلس 2/283.
(7) محسن الرملي: سرقسطة الأندلسية في الأمس واليوم هي (المدينة البيضاء) لا تدخلها الأفاعي أبداً ودرة معالمها (قصر الجعفرية). مجلة النبأ العدد 29 رمضان 1427هـ / نوفمبر 2005م. قصر الجعفرية في إسبانيا: موقع روائع جواد.

Related Posts islamstory...

تعليقات القراء