قطز ومواجهة التتار -(33)

سيف الدين قطز هو واحد من أعظم الشخصيات في تاريخ المسلمين.. اسمه الأصلي «محمود بن ممدود»، وهو من بيت مسلم ملكي أصيل.. وسبحان الله! كم هي صغيرة تلك الدنيا! فقطز: هو ابن أخت جلال الدين الخُوارِزمي [1] ! وجلال الدين هو ملك الخُوارِزميين المشهور، الذي تحدثنا عنه كثيرًا في المقالات الأول، الذي قاوم التتار فترة وانتصر عليهم، ثم هُزم منهم، وفرّ إلى الهند، وعند فراره إلى الهند أمسك التتار بأسرته فقتلوا معظمهم، واسترقوا بعضهم، وكان محمود بن ممدود أحد أولئك الذين استرقهم التتار، وأطلقوا عليه اسمًا مغوليًا هو «قطز»، وهي كلمة تعني «الكلب الشرس»، ويبدو أنه كانت تبدو عليه من صغره علامات القوَّة والبأس، ثم باعه التتار بعد ذلك في أسواق الرقيق في دمشق، واشتراه أحد الأيوبيين، وجاء به إلى مصر، ثم انتقل من سيد إلى غيره، حتى وصل في النهاية إلى الملك المعز عز الدين أيبك ليصبح أكبر قواده.

ولما قتل الملك المعز عز الدين أيبك، ثم قتلت بعده زوجته شجرة الدر، ثم تولى الحكم السلطان الطفل المنصور نور الدين علي بن عز الدين أيبك، تولى سيف الدين قطز الوصاية على السلطان الصغير.

وإن كان قطز يدير الأمور فعليًا في مصر إلا أن الذي يجلس على الكرسي سلطان طفل، ولا شك أن هذا يضعف من هيبة الحكم في مصر، ويزعزع من ثقة الناس بملكهم، ويقوي من عزيمة الأعداء إذ يرون الحاكم طفلًا.

وفي ضوء الخطر التتري الرهيب، والمشكلات الداخلية الطاحنة، واضطرابات وثورات المماليك البحرية، وأطماع الأمراء الأيوبيين الشاميين.. لم يجد قطز أي معنى لأن يبقى السلطان الطفل «نور الدين علي» على كرسي أهم دولة في المنطقة، وهي مصر، والتي لم يعد هناك أمل في صد التتار إلا فيها.

اتخذ قطز القرار الجريء، وهو عزل السلطان الطفل نور الدين علي، واعتلاء قطز بنفسه عرش مصر[2]، ولم يكن القرار غريبًا؛ فقطز هو الحاكم الفعلي للبلاد، والجميع -بمن فيهم السلطان الطفل نفسه- يدركون ذلك تمام الإدراك، ولكن هناك صورة هزلية مضحكة يتحرك قطز من خلفها، وهي صورة السلطان الطفل، فما كان من قطز إلا أن رفع هذه الصورة الهزلية ليظهر من ورائها الأسد الهصور الذي على يديه ستتغير معالم الأرض، وتتغير جغرافية العالم، وتتغير كثيرٌ من صفحات التاريخ. 

ولعلنا نلحظ بوضوح في قصة قطز التدبير العجيب لرب العالمين سبحانه.. فالتتار مكروا بالمسلمين واسترقّوا أحد أطفالهم وباعوه بأنفسهم في دمشق.. ليباع بعد ذلك من واحد إلى واحد ليصل إلى بلد لم يرها قبل ذلك، ولعله لم يكن يسمع بها في هذه السن الصغيرة.. ليصبح في النهاية ملكًا عليها، وتكون نهاية التتار الذين قاموا بنقله من أقاصي بلاد المسلمين إلى مصر على يديه هو بالتحديد! وسبحان الذي يدبر بلطف، ويمكر بحكمة، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.. {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}[النمل: 50].

نشأ قطز -كبقية المماليك- على التربية الدينية القويمة، وتشبع بالحمية الإسلامية القوية، وتدرب منذ صغره على فنون الفروسية، وأساليب القتال، وأنواع الإدارة، وطرق القيادة.. فنشأ شابًا فتيًا أبيًا محبًا للدين معظمًا له.. وكان قويًا صبورًا جلدًا.. كل هذا بالإضافة إلى أنه وُلد في بيت ملكي، فكانت طفولته طفولة الأمراء، وهذا أعطاه ثقة كبيرة في نفسه، فهو لم يكن غريبًا على أمور القيادة والإدارة والحكم، وفوق كل هذا فإن أسرته قد هلكت تحت أقدام التتار، وهذا -ولا شكَّ- جعله يفقه جيدًا مأساة التتار.. وليس من رأى كمن سمع.

كل هذه العوامل مجتمعة صنعت من قطز رجلًا ذا طراز خاص جدًّا.. يستهين بالشدائد، ولا يرهب أعداءه، مهما كثرت أعدادهم، أو تفوقت قوتهم.

لقد كان للتربية الإسلامية العسكرية، والتربية على الثقة بالله، والثقة بالدين، والثقة بالنفس أثر كبير في حياة قطز، فمنذ أن صعد قطز إلى كرسي الحكم وهو يعدّ العدّة للقاء التتار. وكان هذا في الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة 657 هجرية، أي قبل وصول هولاكو إلى حلب بأيام.

الإعداد لمواجهة التتار:
بدأ قطز حكمه بمواجهة معضلة خطيرة، وهي صد التتار المتوحشين القادمين لغزو مصر بعدما أسقطوا الخلافة الإسلامية، ودمَّروا بغداد، واجتاحوا الشام.

لم يكن قطز يستطيع صدَّ التتار بجيشٍ متشعب الولاءات بين الأمراء الذين يبحثون عن مصالحهم، ولا بشعب لاهٍ عن الجهاد وتبعاته؛ لذا بدأ بتنفيذ خطة محكمة سدَّد الله فيها خطاه.

الخطوة الأولى التي حرص عليها قطز : هي استقرار الوضع الداخلي في مصر، وقطع أطماع الآخرين في كرسي الحكم الذي يجلس عليه؛ لأن الطامع في الكرسي لن تهدأ له نفس أو تستقر له حال حتى يجلس على الكرسي الذي يريد، فكيف تصرف في هذا الموقف؟!

إنه لم يقطع أطماعهم عن طريق التهديد والوعيد، فهذا -على العك - يزيد الفتن اشتعالًا، ويؤجج نيران الحقد والحسد والغل، ولم يقطعها بتزوير إرادة الشعب وإيهام الجميع أن الشعب يريده هو بذاته، ولم يقطعها بالخداع والغش والمؤامرات والتحايل، ولكن قطز ارتفع «بأخلاق» المنافسين إلى درجة لم يتعودوا عليها في الفترة الأخيرة في مصر.

التوحد أمام الأزمة:
لقد جمع قطز الأمراء وكبار القادة وكبار العلماء وأصحاب الرأي في مصر، وكل هؤلاء من المحركين الفعليين لطوائف الشعب المختلفة، وقال لهم في وضوح:

«إني ما قصدت (أي ما قصدت من السيطرة على الحكم) إلا أن نجتمع على قتال التتر، ولا يتأتى ذلك بغير ملك، فإذا خرجنا وكسرنا هذا العدو، فالأمر لكم، أقيموا في السلطة من شئتم»[3].

فهدأ معظم الحضور ورضوا بذلك.

لقد حرص قطز على إبراز خطورة العدو القادم، وعلى إظهار الغاية النبيلة التي من أجلها صعد إلى كرسي الحكم.. ومن المعروف أن الأزمات الشديدة التي تمرّ بالأمة يمكن أن تكون أزمات مجمّعة إذا أحسن القائد استغلالها.. ومن أفضل الأمور لتجميع الناس وتوحيد الصف: «الجهاد»..

ولهذا فالقائد الذي لا يجمع شعبه على قضية جهادية يفقد عادة حب شعبه، ويفقد ولاءهم له، بل وقد تكثر الفتن والقلاقل لأن الناس سيعانون من حياة الدعة والركون، وسينشغلون بسفاسف الأمور... وعلى الناحية الأخرى ما رفع قائد مسلم -في كل تاريخ المسلمين- راية الجهاد بصدق إلا استقرت بلاده، وسار خلفه شعبه بكل حب وصدق ووفاء.

وفوق ذلك فقطز يعلن بوضوح أنه سيجعل الأمر في الناس يختارون من يشاءون دون التقيد بعائلة معينة أو مماليك بذاتهم.

ولا يستقيم هنا أن نفعل مثلما يفعل المحللون الغربيون أو بعض المحللين المسلمين الذين يعتمدون في تحليلاتهم على المدارس الغربية في التحليل والنقد ويقولون: إنما قال قطز ذلك ليقمع المناوئين له، وليثبت نفسه في كرسيه مستغلًا حب المسلمين للجهاد..

لا يستقيم أن نطعن في نية قطز من وراء هذه الكلمات، وأن نفترض أن وراء الكلمات مراميَ أخرى.. ففوق أن إحسان الظن بالمؤمنين أمر مطلوب شرعًا، فإن الكلمات والأفعال تقيّم وتحسب دائمًا في ضوء سيرة الشخص وحياته، وقد رأينا بعد ذلك سيرة قطز بعد أن تولى الملك، ورأينا سيرته في أثناء تحركاته إلى عين جالوت، ورأينا سيرته خلال موقعة عين جالوت وبعدها.. رأينا في كل ذلك ما يثبت أن كلامه كان صادقًا، وأن رغبته في قتال التتار والانتصار لهذا الدين كانت أعلى بكثير من رغبته في الملك.. وقد جعل الله عز وجل نصر الأمة على يديه كما سنرى، وليس من سنة الله عز وجل أن يكتب نصر الأمة على يد المنافقين والفاسدين.

{إِنَّ اللهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ}[يونس: 81].

وليس من الطبيعي أن يخلد تاريخ المسلمين رجلًا اختلطت في قلبه النيات، ولعبت به الأهواء، ولذلك فإن قطز رجل نحسبه على خير، ولا نزكي على الله أحدًا، وقد أجمع علماء الأمة على عدالته وفضله وتقواه.

وإذا كان من الممكن قبول عذر المستشرقين والمحللين الغربيين في أن قطز كان يقصد الملك وليس الجهاد لأنهم في سياستهم وحياتهم لا يرون إلا هذه الأمثلة، فإن عذر المحللين المسلمين غير مقبول، لأن هذا المثال المخلص الذي لا يريد شيئًا لنفسه، وإنما يهب حياته لربه ودينه وشعبه ولقضايا أمته.. هذا المثال الراقي كثير جدًّا في أمتنا، ومتكرر جدًّا في تاريخنا.. وسبق قطزعلى هذا الطريق كثيرٌ من أبطالنا، ولحق به آخرون كُثر.. وسيظل الخير في أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة.

كانت هذه الخطوة الأولى في خطة قطز، ولنتابع باقي خطته في المقالات القادمة بإذن الله.

 

[1] انظر سيرته عند الذهبي: العبر في خبر من غبر 3/291، وابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة 7/85.
[2] المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك 1/508.
[3] المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك 1/508.

Related Posts islamstory...

تعليقات القراء