مجمع كليرمون .. خطبة أوربان الثاني ونتائجها

مجمع كليرمون وخطبة البابا أوربان الثانيقرر البابا أوربان الثاني أن يعقد مؤتمره الجامع في مدينة كليرمون[1] الفرنسية وذلك في (488هـ) 27 من نوفمبر سنة 1095م، وكان البرد شديدًا في ذلك اليوم، ومع ذلك فقد لبَّت جموع هائلة دعوة البابا، واجتمعوا في أحد الحقول الفسيحة في كليرمون، بل وامتلأت القرى والمدن المجاورة لكليرمون بالقادمين من كل مكان لسماع الخطبة المهمة التي كان البابا يرتِّب لها منذ سبعة أشهر كاملة[2].

خطبة البابا أوربان الثاني في مجمع كليرمون

خطب البابا أوربان الثاني خطبة طويلة عصماء، وكان بليغًا مفوهًا، وصبرت الجموع في البرد الشديد، بل وتفاعلت تفاعلاً كبيرًا مع كلمات البابا، الذي ضرب على أكثر من وتر في خطبته؛ وذلك ليؤثِّر في كل الحضور على اختلاف نوعياتهم وظروفهم وأهدافهم.

وقد جاءت خطبة البابا في أكثر من رواية من الروايات الأوربية التي صوَّرت الحدث، واستخدم فيها أكثر من وسيلة لإقناع الحضور بضرورة التوجه إلى فلسطين لنجدة النصارى الشرقيين، ولحماية الحجاج المسيحيين الذين يعانون - كما يصور البابا - من ظلم وبطش الكفار (وهو يقصد المسلمين)[3].

البابا ومؤثرات الإقناع في خطبته

كان من المؤثرات التي استخدمها البابا في خطبته أنه لا يتكلم في هذه الخطبة نيابة عن نفسه، وإنما يتكلم نيابة عن المسيح u نفسه، فقال مثلاً: "ومن ثَمَّ فإنني لست أنا، ولكن الرب هو الذي يحثكم باعتباركم وزراء المسيح أن تحضوا الناس من شتى الطبقات"[4]. واستخدم فيها نصًّا من إنجيل لوقا فيه: "ومن لا يحمل صليبه، ويأتي ورائي فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا"[5].

وكان من المؤثرات أيضًا أنه وعد المشاركين في الحملة بالغفران، وهو مطلب جماهيري في ذلك الوقت، خاصةً مع شعور الناس أن الدنيا ستفنى قريبًا كما وضحنا قبل ذلك في مقال "الدافع الديني للحروب الصليبية"، وكان من كلام البابا في هذه النقطة أنه قال: "إني أخاطب الحاضرين، وأعلن لأولئك الغائبين، فضلاً عن أن المسيح يأمر بهذا، أنه سوف يتم غفران ذنوب كل أولئك الذاهبين إلى هناك، إذا ما انتهت حياتهم بأغلالها الدنيوية، سواء في مسيرتهم على الأرض، أو أثناء عبورهم البحر، أو في خضم قتالهم ضد الوثنيين (يقصد المسلمين)، وهذا الغفران أمنحه لكل من يذهب بمقتضى السلطة التي أعطاني الرب إياها". وهو في هذا المقام يقول للجميع أنكم في كل الأحوال محققون للفائدة والخير، فحتى لو وصل الأمر لحدِّ الموت، فإن المشارك سيموت وهو مغفور الذنب[6].

وكان من المؤثرات أيضًا أنه استفاض في تصوير مدى الألم والمعاناة التي يشعر بها الحجاج النصارى في فلسطين، وهذا كله من الكذب والزور، ولكنه صوَّر القضية كقضية إنسانية مؤثرة[7].

وكان من المؤثرات أيضًا أنه لوَّح بوضوح بالثراء الذي عليه بلاد الشرق، بل إنه ذكر لهم ما جاء في الإنجيل عن أرض فلسطين حيث قال: "ووهبنا هذه الأراضي التي تفيض لبنًا وعسلاً"[8]. يقصد فلسطين، وبذلك حرَّك عواطف الفقراء والأمراء معًا؛ فالفقير يبحث عن الحياة، والأمير يبحث عن التوسع والتملك.

وكان من المؤثرات أيضًا أنه نبَّه الفرسان إلى وجود ميدان خصب لاستعراض قوتهم، وإبراز كفاءتهم بدلاً من التصارع معًا، وإخلال الأمن في داخل أوربا.

وكان من المؤثرات أيضًا امتداح شجاعة الفرنسيين وقدراتهم القتالية، وأيضًا امتداح تاريخ أسلافهم، وتحميلهم تبعات سيادة أوربا وريادتها[9].

وكان من المؤثرات أيضًا جذب المديون بوضع الدَّين عنه إذا شارك في القتال أو تقسيطه على فترات طويلة، وإعفاء أملاك الملاَّك من الضرائب أثناء القتال[10]، وإعفاء المجرمين من العقاب على جرائمهم إنْ هم شاركوا في الحملة[11].

ولقد صاغ البابا أوربان الثاني كل هذه المؤثرات بأسلوب بديع، وكلمات مؤثرة، وحجج مقنعة حتى دخلت كلماته قلوب كل الحضور، وأشعلت -رغم البرد الشديد- حماسة كل السامعين، حتى إنه بمجرد الانتهاء من كلمته استجاب الحضور استجابة هائلة، وقاموا يطلقون صيحة واحدة، يقولون فيها: "الرب يريدها" Deus lo volt، وهي الصيحة التي صارت شعارًا للحرب بعد ذلك[12].

ومن الجدير بالذكر أن البابا أوربان الثاني نفسه لم يكن يتوقع هذه الاستجابة الهائلة من الناس، بل إن هذه الاستجابة الضخمة أقلقته؛ لأنه كان يريد الاعتماد على الفرق النظامية والجيوش المدربة وليس العوام من الناس، ولكن العامَّة وجدوها فرصة للهروب من أزماتهم ومشاكلهم وديونهم وجوعهم ومرضهم، وبالتالي لم يكن هناك فرصة للتراجع[13].

لقد كانت ثورة حقيقية في فرنسا، ومنها انتقلت إلى كل غرب أوربا[14]. وفي هذا المؤتمر أعلن البابا أوربان الثاني أنه على كل من قرَّر الخروج إلى هذه الحملة أن يحيك صليبًا من قماش أحمر ليضعه على كتفه؛ إشارةً إلى دينيَّة الحملة، ونبل المقصد[15].

خطة أوربان الثاني بعد المؤتمر

غير أن البابا لم يكتف بالحماسة الطاغية في المؤتمر، إنما أتبع ذلك بخطة عمل محكمة تضمن استمرارية الحماسة، وقوة التفاعل؛ ولذلك فقد قام البابا بعدة خطوات مؤثرة، كان منها ما يلي:

أولاً: الحرص على وجود الغطاء الكنسيّ، والهيمنة البابوية على الحملة من بدايتها الأولى؛ ولذلك عيَّن في يوم مؤتمر كليرمون الأسقف أديمار دي مونتي أسقف لوبوي Le Puy قائدًا عامًّا رُوحيًّا للحملة، وكان بمنزلة نائب البابا في هذه الرحلة[16].

ثانيًا: تواصل البابا مع كل المجامع الدينية في أوربا الغربية؛ ليأخذوا على عاتقهم مهمة تحميس الناس في مدنهم وقراهم، وبذلك تنتشر الدعوة إلى الحرب في كل مكان[17].

ثالثًا: قام البابا بتكليف أحد رهبان اميان، وكان يُدعى بطرس الناسك، بالقيام بجولات مكثفة في أوربا لتحميس الناس، وجمع المقاتلين لغزو فلسطين، وكان بطرس الناسك هذا رجلاً موهوبًا في الخطابة، وكان يلبس الملابس الرَّثَّة، ويمشي حافي القدمين، ويركب حمارًا أعرجَ، فأخذ القضية بمنتهى الجدية، وبدأ في التجول في أنحاء فرنسا، وخاصةً في الشمال الشرقي منها، وكان له فعل السحر في الناس[18]، فكانوا يتبعونه بالعشرات والمئات والآلاف، واستطاع في غضون شهور قليلة أن يجمع خمسة عشر ألف رجل، غير نسائهم وأطفالهم[19]، وكان جُلُّ من انضم إليه من عوام الناس الفقراء، ومن المجرمين الخارجين على القانون. كما انضم إليه عدد قليل من الفرسان وأمراء الإقطاعيات. وعُرفت المجموعة التي كوَّنها بطرس الناسك بحملة الرعاع أو حملة العامة؛ لأنها لم تكن لها صبغة الجيش أو الميليشيات، إنما كانت عبارة عن مجموعات ضخمة من العوام غير المنظمين[20].

وكما قام بطرس الناسك بجولته هذه، قام راهب آخر يدعى (والتر) ويلقَّب بالمفلس، واستطاع هو الآخر أن يجمع عددًا كبيرًا من المتطوعين الراغبين في الذهاب مع الحملة[21].

رابعًا: لم يشأ البابا أن يترك الأمور هكذا مفتوحة دون تحديد حتى لا يطول أمد التجميع والتجهيز، فحدَّد موعدًا معينًا ومكانًا معينًا لاجتماع الجيوش والفرق من شتى البلدان؛ فأما الموعد فكان (23 شعبان سنة 489هـ) 15 من أغسطس سنة 1096م، وأما المكان فكان في القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية.

 وكان هذا الموعد متأخرًا ليأخذ الفرصة لجمع الجيوش، وكذلك لتجميع المحاصيل في أول الربيع[22]، ثم تتحرك الجيوش مباشرة حيث ستقضي في الطريق ثلاثة أشهر تقريبًا. وكان المكان المختار للتجمع هو القسطنطينية؛ لأنها آخر محطة تقريبًا قبل دخول الأراضي الإسلامية في آسيا الصغرى، حيث كان من المخطط أن يحارب الصليبيون السلاجقة هناك ثم في الشام، وذلك قبل الانتقال إلى الهدف الأخير وهو فلسطين، وخاصةً بيت المقدس. ومن جانب آخر فإنه كان لا بد من لقاء الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس كومنين؛ وذلك لترتيب سبل التعاون معه لتسهيل أمور الحملة الصليبية.

خامسًا: قام البابا بعدة مراسلات مع ملوك وأمراء أوربا ليحثهم على الخروج معه في الحملة، ولم يحقق في هذا المجال نجاحًا يُذكر مع الملوك، ولكن حقق نجاحًا كبيرًا مع الأمراء، وعلى رأس هؤلاء الأمراء ريمون الرابع كونت تولوز وبروفانس، وهو من الأمراء الكبار الذي كان مهتمًّا جدًّا بحرب المسلمين، حيث حاربهم قبل ذلك في الأندلس، كما ذهب أيضًا للحج في بيت المقدس[23]، وكان يرى في نفسه الكفاءة لقيادة الجيوش بكاملها، واستغل البابا حماسته هذه وعقد معه عدة اجتماعات، بل صحبه في مجمع نيم في يوليو 1096م[24]؛ وذلك لتحميس أكبر عدد من الناس للمشاركة في الحملة.

وغير ريمون الرابع فقد استجاب عدد آخر من الأمراء، وسيأتي تفصيل ذكرهم عند الحديث عن تقسيم الجيوش الصليبية إلى مجموعات قبل الخروج.

سادسًا: لم يكتف البابا بمراسلة الملوك والأمراء فقط، بل راسل أيضًا العسكريين والاقتصاديين في ميناء جنوة الإيطالي للمساعدة بأسطول بحري يسهِّل مهمة الحملة الصليبية، وقد استجاب الجنويون لنداء البابا، وأعدوا اثنتي عشرة سفينة بحرية، وناقلة كبيرة للجنود، وذلك في مقابل امتيازات كبيرة في بلاد الشام عند احتلالها[25].

سابعًا: لم يقتصر البابا على المراسلات المكثفة التي أرسلها لكل رءوس الدول والإمارات، إنما أخذ يتجول بنفسه في مدن كثيرة وقرى عديدة، داعيًا لنفس المهمة، فعقد مجمعًا في ليموج Limoges في ديسمبر 1095م بعد المؤتمر الأول بأقل من شهر، ثم في عام 1096م قام بعدَّة جولات في أنجرز ومان وتورز وبواتييه وبوردو وتولوز ونيم، وهذا كان في الفترة من يناير إلى يوليو 1096م[26].

وقد أسفرت هذه الجهود عن تجميع عدد كبير من الجنود جُلُّهم من فرنسا، وإن كان هناك جنود جاءوا كذلك من إيطاليا وإنجلترا وإسبانيا، بل ومن بعض البلاد البعيدة مثل إسكتلندا والدنمارك[27].

ثامنًا: هدَّد البابا بأن كل من يقرِّر المشاركة ويحمل شارة الصليب ثم يتخلف عن الخروج فإنه سيعاقب بعقوبة الحرمان[28]؛ وقد فعل ذلك لكي يتجنب خطورة الحماسة الطارئة التي ما تلبث أن تفتر، فيجد أن الأعداد الكبيرة لم تصبر معه على الخروج مما ينذر بخطر كبير. وهو بذلك التهديد قد ضمن أن كل من عرض الخروج سيخرج؛ وبذلك يستطيع أن يبني حساباته على أرقام صحيحة.

لقد كان جهدًا كبيرًا ومنظمًا بذل فيه الكثير من الوقت والفكر والمال، وجمعت فيه جهود أوربا الغربية في قضية واحدة، وهذا لم يحدث منذ عدة قرون، ومنذ سقوط الإمبراطورية الرومانية القديمة.

بعد ذلك الاستعراض لخلفية أوربا التاريخية، ولخلفية البابا الفكرية، وللجهود التي بذلت، وللجموع التي استجابت للدعوة نستطيع أن ندرك البواعث الحقيقية لهذه الحملة الصليبية.

إن كثيرًا من المؤرخين يجعل الباعث وراء الحملة الصليبية سببًا معينًا واحدًا أو رئيسيًّا، وينكر ما دونه من أسباب ودوافع، وهذا ينافي الواقع الذي رأيناه، وينافي خروج هذا الشتات من الناس، حيث يمثِّلون عدة طبقات من المجتمع الأوربي، وعدة بلاد مختلفة، وعدة أمراء وزعماء، وعدة لغات ولهجات، وعدة مستويات اجتماعية.

إن هذا التنوع العجيب يثبت -بما لا يدع مجالاً للشك- أنه ليس هناك دافع واحد جمع كل هذا الشتات، إنما كانت الدوافع مختلفة، والبواعث متعددة، وأفلح البابا أوربان الثاني في الضرب على كل وتر؛ حتى يقنع الجميع بالخروج في رحلة واحدة وهدف واحد.


[1] تقع في جنوب فرنسا، على بُعد 330 كيلو مترًا تقريبًا من باريس.

[2] H. Hagenmeyer, "Chronologi de la Premiere Croisade 1094-1100", ROL V1, p. 225.

وعن الجولة التي قام بها البابا في الجنوب الفرنسي، وإعداده لمجمع كليرمون، انظر:

Dunculf, "The Councils of piacenza and Clermont", in Setton, vol. 1, pp. 234-237.

[3] Fulcher de Chartres, pp. 65-66; Robert le Moin. Pp.2-3.

وأفضل دراسة لخطبة البابا في كليرمون قام بها مونرو، عن طريق مقارنة نصوص المؤرخين اللذين أوردوها، انظر:

D.C.Munro, "The Speech of Pope Urban ll at Clemont", pp. 231-242.

[4] Robert le Noin, p. 4: Baudri de Bourgueil, p.7: William of Tyre, vol. 1, p. 39.

[5] إنجيل لوقا 14: 27.

[6] Fulcher de Charts, pp. 61-63.

[7] Chalandon: Hist. de la Premiere Croisade. p.p. 37-41.

[8] Fulcher de Charts, pp. 65-66.

[9] Fulcher de Chartres, p. 67; Baudri, pp. 14-15; Guibert de nogent, p. 11.

[10] Mayer, The Crusades, pp. 41-42; Runciman, A Hist. 1, p. 109.

[11] Thompson: op. cit., vol. 1, p. 302.

[12] Robert le Moin, pp. 4-5; Fulcher de Charts, p. 68.

[13] Riley – Smith op, cit, pp. 39-40.

[14] قاسم عبده قاسم: ماهية الحروب الصليبية ص110، الحملة الصليبية الأولى نصوص ووثائق تاريخية ص17.

[15] Mayer, The Crusades, pp. 41-42; Runciman, A Hist. 1, p. 109.

[16] Cam. Med. Hist. vol. 5 p. 273.

[17] Runciman, A Hist. of the Crusades, 1, pp. 108-109; Maver, The Crusades, pp. 42-43.

[18] Grouset: Hist. des Croisades, 1, p. 50

[19] Michaud: op. cit. Tome 1, p.p. 105-106.

[20]  عن حملة بطرس الناسك وأحداثها التفصيلية، انظر:

Albert D`Aix, in Peters (ed.), The First Crusade, pp. 96-99; William of Tyre, 1, pp. 99-106; Chronique de Zimmern, A OL, ll, pp. 23-24; Anna Comnena, Alexiade, pp. 310-311; Runciman, A Hist. of  the crusades, 1, pp. 123-127;  Duncalf, "Clermont to Constantinople:, p. 260-262.

[21] Vasiliv: op. cit., vol ll, p. 404.

[22] قاسم عبده قاسم: ماهية الحروب الصليبية ص108.

[23] Michel Le Syrien: (Rec. Hist. Cr Doc. Arm), 1. p. 372.

[24] Cam. Med. Hist. vol. 5, p. 273.

[25] Heyd. : Hist. du Commerce 1, p. 133; Setton: op. cit, 1, p. 252.

[26] Hagenmeyer, "Chronologin", ROL, V1, pp. 224-225, p. 226,243; AOL, 1, pp. 109-110,116,119.

[27] Runciman: op. cit. 1, p. 112.

[28] Runciman: op. cit. 1, p.p. 108-109.

Related Posts islamstory...

تعليقات القراء