مسلمة بن عبد الملك مجاهد على الدوام

صيانةالحق والرزق تستلزم أن يكون أبناء الإسلام دائما على إعداد واستعداد، وأن تكونطائفة منهم على الدوام في حالة رباط, وهذا واحد من أبناء الإسلام، يظل أكثر منخمسين عاما يحمل سلاحه، ويسدد رماحه، ويذود عن حمى الدين، ويصون حرمات المسلمين،إنه البطل القائد، الأمير الفاتح مسلمة بن عبد الملك بن مروان بن الحكم القرشي الأمويالدمشقي

مسلمة بن عبد الملك بن مروان بن الحكمروى الإمامالبخاري معلقاً في باب الرماح عن ابن عمر: (3/1066) أن رسول الله rقال: "جعل رزقي تحت ظل رمحي"[مسند أحمد بن حنبل (2/92)]. والنفس تفهم من هذا الحديث الكريم معنىً -ترجو أنيكون صوابا من الله، وإلا فالخطأ منها ومن الشيطان-، أن الحق لا بد له من قوةتحرسه وتصونه، وإلا ضاع تحت جبروت الباطل، والعامة تقول: "المال السايب يعلمالسرقة" وكذلك قيل: "من لم يتذأب أكلته الذئاب".

فرزقالمسلم وهو يتمثل في داره وعقاره، وسكنه ووطنه، وزرعه وضرعه، وكل ما يحوزه ويملكهيجب أن يكون محروسا بعدته وعتاده، مستظلا بسلاحه ورماحه، ومن هنا قال الله في القرآنالكريم: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْقُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [سورة الأنفال :60]وليست الحرب في الإسلام غاية مقصودة لذاتها، ولكنها خطة يدفع بها بغي الباغين وظلمالظالمين، ولذلك قال الله - تعالى -في التنزيل المجيد: {وَقَاتِلُوافِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَلَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [سورة البقرة : 190] وقالأيضا: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواعَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّاللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [سورة البقرة الآية: 194].=quran>=suraaname>

وصيانةالحق والرزق تستلزم أن يكون أبناء الإسلام دائما على إعداد واستعداد، وأن تكونطائفة منهم على الدوام في حالة رباط، أو على أرض الميدان، حتى يظل الجهاد فريضةقائمة باقية، وصلوات الله وسلامه على رسوله حين مجَّد شأن المؤمن المجاهد الموصولالنضال، فقال: "خير الناس رجل ممسكبعنان فرسه كلما سمع هيعة طار إليها". [سنن الترمذيفضائل الجهاد (1652)، سنن النسائي الزكاة (2569)، موطأ مالك الجهاد (976)، سننالدارمي الجهاد (2395)].

وهذاواحد من أبناء الإسلام، وأتباع محمد -عليه الصلاة والسلام- يظل أكثر من خمسينعامًا يحمل سلاحه، ويسدد رماحه، ويذود عن حمى الدين، ويصون حرمات المسلمين، ويتقرببالجهاد إلى الله رب العالمين، إنه البطل القائد، الأمير الفاتح أبو سعيد[1] مسلمة بن عبدالملك بن مروان بن الحكم القرشي الأموي الدمشقي، وإليه تنسب جماعة بني مسلمة التيكانت بلدتهم هي الأشمونين وفيها منازلهم، وهي بلدة بالصعيد الأعلى في مصر غربي نهرالنيل.

وكانمسلمة بن عبد الملك من أبطال عصره، بل من أبطال الإسلام المعدودين، حتى كانوايقولون عنه أنه خالد بن الوليد الثاني؛ لأنه كان يشبه سيف الله المسلول في شجاعتهوكثرة معاركه وحروبه، ويقول عنه المؤرخ يوسف بن تغري: روى صاحب كتاب النجومالزاهرة هذه العبارة: كان شجاعا صاحب همة وعزيمة، وله غزوات كثيرة[2]=reference>.ويقول عنه ابن كثير: وبالجملة كانت لمسلمة مواقف مشهورة، ومساعٍ مشكورة، وغزواتمتتالية منثورة، وقد افتتح حصونا وقلاعا، وأحيا بعزمه قصورا وبقاعا، وكان في زمانهفي الغزوات نظير خالد بن الوليد في أيامه، وفي كثرة مغازيه، وكثرة فتوحه، وقوةعزمه، وشدة بأسه، وجودة تصرفه في نقضه وإبرامه، وهذا مع الكرم والفصاحة.[3]، ويقول عنهصاحب العقد الفريد: ولم يكن لعبد الملك ابن أسد رأيا، ولا أزكي عقلا، ولا أشجعقلبا، ولا أسمع نفسا، ولا أسخى كفا من مسلمة[4]=reference>.

ولذلكأوصى عبد الملك بن مروان أولاده، وفيهم مسلمة، فكان مما قاله لهم عنه: يا بني،أخوكم مسلمة، نابكم الذي تفترون عنه، ومجنكم الذي تستجنون به، أصدروا عن رأيه[5].

ومعأن إخوة لمسلمة تولوا الخلافة دونه، ظل هو بينهم النجم المتألق الثاقب بجهادهوكفاحه، وقال عنه مؤرخ الإسلام الذهبي: كان مسلمة أولى بالخلافة من إخوته، وليستالعبرة بالمناصب والمراتب، ولكنها بالإرادة والعزيمة، والإقدام، وعمق التفكير،وحسن الخلق.

وكانوايلقبون مسلمة بلقب الجرادة الصفراء؛ لأنه كان متحليا بالشجاعة والإقدام، مع الرأيوالدهاء، ومع أنه تولى إمارة أذربيجان وأرمينية أكثر من مرة وإمارة العراقين[6]، ظل يواصلالجهاد، ويتابع المعارك، منذ تولى والده الخلافة سنة خمس وستين, تولى عبد المَلكبن مُرْوان الخِلافة في رمضان سنة خَمْس وستين وتوفِّي سنة سِتِّ وثمانين[7] وظل مسلمةعلى هذه الروح البطولية حتى لحق بربه سنة إحدى وعشرين ومائة.

وهذه إشارات سريعة إلى سلسلة المعارك التي خاضها:

فيسنة ست وثمانين غزا مسلمة أرض الروم، وفي سنة سبع وثمانين غزا أرض الروم، ومعهيزيد بن جبير، فلقي الروم في عدد كثير بسوسنة من ناحية المصيصة، ولاقى فيها ميموناالجرجماني، ومع مسلمة نحو من ألف مقاتل من أهل أنطاكية عند طوانة، فقتل منهم بشراكثيرا، وفتح الله على يديه حصونا.

وفيسنة ثمان وثمانين فتح مسلمة حصنا من حصون الروم يسمى طوانة، في شهر جمادى الآخرة،وشتوا بها، وكان على الجيش مسلمة والعباس بن الوليد بن عبد الملك، وهزم المسلمونأعداءهم، ويروى أن العباس قال لبعض من معه: أين أهل القرآن الذين يريدون الجنة،فقال له: نادهم يأتوك. فنادى العباس: يا أهل القرآن، فأقبلوا جميعا، فهزم اللهأعداءهم.

وفيسنة ثمان وثمانين -أيضاً- غزا مسلمة الروم مرة أخرى، ففتح ثلاثة حصون، هي حصنقسطنطينية وحصن غزالة، وحصن الأخرم[8]=reference>.

وفيسنة تسع وثمانين غزا مسلمة أرض الروم مرة أخرى، حيث فتح حصن سورية، وقصد عمورية،فوافق بها للروم جمعا كثيرا، فهزمهم الله، وافتتح هرقلة وقمودية.

وفيسنة تسع وثمانين -أيضاً- غزا مسلمة الترك، حتى بلغ الباب من ناحية أذربيجان، ففتححصونا ومدائن هناك.

وفيسنة اثنتين وتسعين غزا مسلمة -ومعه عمر بن الوليد- أرض الروم، ففتح الله على يديمسلمة ثلاثة حصون، وجلا أهل سوسنة إلى جوف أرض الروم.

وفيسنة ثلاث وتسعين غزا مسلمة أرض الروم، فافتتح ماسة، وحصن الحديد، وغزالة، وبرجمةمن ناحية ملطية[9]=reference>.

*وفي سنة ست وتسعين غزا مسلمة أرض الروم صيفا، وفتح حصنا يقال له: حصن عوف.

وفيسنة سبع وتسعين غزا مسلمة أرض الروم، وفتح الحصن الذي كان قد فتحه الوضاح صاحبالوضاحية.

وفيسنة ثمان وتسعين حاصر مسلمة القسطنطينية، وطال الحصار، واحتمل الجنود في ذلك متاعبشديدة.[10]=reference>

وفيسنة ثمان ومائة غزا مسلمة الروم حتى بلغ قيسارية وفتحها.

وفيسنة تسع ومائة غزا الترك والسند، وولاه أخوه يزيد بن عبد الملك إمارة العراقين ثمأرمينية.

وفيسنة عشر ومائة غزا مسلمة الترك، وظل يجاهد شهرا في مطر شديد حتى نصره الله[11].

وفيسنة عشر ومائة –أيضاً- قاتل مسلمة ملك الترك الأعظم خاقان، حيث زحف إلى مسلمة فيجموع عظيمة فتوافقوا نحوًا من شهر، ثم هزم الله خاقان زمن الشتاء، ورجع مسلمةسالماً غانماً، فسلك على مسلك ذي القرنين في رجوعه إلى الشام، وتسمى هذه الغزوةغزاة الطين، وذلك أنهم سلكوا على مفارق ومواضع غرق فيها دواب كثيرة، وتوحل فيهاخلق كثير، فما نجوا حتى قاسوا شدائد وأهوالاً صعابًا وشدائد عظامًا[12].

وفيسنة ثلاث عشرة غزا مسلمة بلاد خاقان، وبث فيها الجيوش، وفتح مدائن وحصونا، وقتلمنهم وأسر ودان لمسلمة من كان وراء جبال بلنجر[13]=reference>.

وفيسنة ثلاث عشرة –أيضًا- توغل مسلمة في بلاد الترك، فقتل منهم خلقًا كثيراً، ودانتله تلك الممالك من ناحية بلنجر وأعمالها.[14]=reference>

وفيسنة إحدى وعشرين ومائة غزا مسلمة الروم، ففتح حصن مطامير[15]=reference>.

رواية الحديث عن الخليفة الخامس:

أرأيت!إنها سلسلة طويلة من المعارك والغزوات والحروب، وإنها لسلسلة كثيرة الحلقات،وكأنما نذر مسلمة نفسه للجهاد والقتال، واتخذ مسكنه في ساحات الكفاح والنضال، ومعذلك كان عالما محدثا، روى الحديث عن خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز، وروى عنهالأحاديث جماعة منهم: عبد الملك بن أبي عثمان، وعبد الله بن قرعة، وعيينة والدسفيان بن عيينة، وابن أبي عمران، ومعاوية بن خديج، ويحيي بن يحيي الغساني[16].

ويظهرأن اتصال مسلمة بن عبد الملك بالحاكم العادل، المخلص الأمين خامس الراشدين عمر بنعبد العزيز كان من أقوى الأسباب في تكوين شخصية مسلمة، تكوينًا باهرًا رائعًا؛لأني أومن بأن عمر بن عبد العزيز كان رجلا تتمثل فيه نفحات إلهية من الخير والبروالتوفيق، وأن الذين اتصلوا به وأخذوا عنه واقتبسوا منه هداهم الله، ووهبهم توفيقاورشاداً.

ولعلمسلمة قد عبر عن شيء من هذا القبيل حينما دخل على عمر بن عبد العزيز وهو في ساعاتهالأخيرة فقال له في تأثر عميق بليغ: جزاك الله يا أمير المؤمنين عنا خيراً، فقدألنت لنا قلوبا كانت قاسية، وجعلت لنا في الصالحين ذكرا[17]=reference>.

وهذهعبارة تدل على أن ملامح من شخصية مسلمة كان الفضل فيها لخامس الراشدين -رضوان اللهتبارك وتعالى عليه-.

على فراش الموت بين مسلمة وعمر بن عبد العزيز:

ومنالمواقف الخالدة الباقية بين مسلمة وعمر ما رواه ابن عبد ربه، وهو أن مسلمة بن عبدالملك، دخل على عمر بن عبد العزيز في المرض الذي مات فيه، فقال له: يا أميرالمؤمنين، إنك فطمت أفواه ولدك عن هذا المال، وتركتهم عالة، ولا بد لهم من شيءيصلحهم، فلو أوصيت بهم إلي أو إلى نظرائك من أهل بيتك لكفيتك مئونتهم إن شاء الله.

فقالعمر: أجلسوني، فأجلسوه، فقال: الحمد لله، أبالله تخوفني يا مسلمة؟ أما ما ذكرت أنيفطمت أفواه ولدي عن هذا المال وتركتهم عالة، فإني لم أمنعهم حقا هو لهم، ولم أعطهمحقا هو لغيرهم، وأما ما سألت من الوصاة إليك أو إلى نظرائك من أهل بيتي، فإن وصيتيبهم إلى الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين، وإنما بنو عمر أحد رجلين: رجلاتقى الله، فجعل الله له من أمره يسرا، ورزقه من حيث لا يحتسب، ورجل غيَّر وفجرفلا يكون عمر أول من أعانه على ارتكابه، ادعوا لي بني. فدعوهم، وهم يومئذ اثنا عشرغلاما، فجعل يصعد بصره فيهم ويصوبه، حتى اغرورقت عيناه بالدمع، ثم قال: بنفسي فتيةتركتهم ولا مال لهم، يا بَني، إني قد تركتكم من الله بخير، إنكم لا تمرون على مسلمولا معاهد إلا ولكم عليه حق واجب إن شاء الله، يا بَني، ميلت رأيي بين أن تفتقروافي الدنيا، وبين أن يدخل أبوكم النار، فكان أن تفتقروا إلى آخر الأبد خيرا من دخولأبيكم يوما واحدا النار. قوموا يا بني عصمكم الله ورزقكم.

فمااحتاج أحد من أولاد عمر ولا افتقر[18]=reference>.

وكانمسلمة يظهر نعمة الله - تعالى -، ومن شواهد ذلك أنه دخل على عمر بن عبد العزيزوعليه ريطة من رياط مصر (أي ثوب رقيق ناعم). فقال له عمر: بكم أخذت هذا يا أباسعيد؟

أجابمسلمة: بكذا وكذا.

قالعمر: فلو نقصت من ثمنها ما كان ناقصا من شرفك.

فأجابمسلمة: إن أفضل الاقتصاد ما كان بعد الجِدة، وأفضل العفو ما كان بعد القدرة، وأفضلاليد ما كان بعد الولاية[19]=reference>.

ولقدكان مسلمة رجلا معطاء، ولقد قال يوما لنصيب الشاعر: سلني. قال: لا، قال: ولم؟ قالنصيب:

لأنَّكفك بالجزيل أكثر من مسألتي باللسان.

وكانمسلمة مع تقواه وحرصه على الصلاة رجلا يحب العفو ويحبب فيه، ولقد حدث بين الخليفةهشام بن عبد الملك وبين ابن هبيرة ما دعا إلى إهدار دمه، ولكن خادما لمسلمة يحدثنافيقول: كان مسلمة بن عبد الملك يقوم الليل فيتوضأ ويتنفل حتى يصبح، فيدخل على أميرالمؤمنين، فإني لأصب الماء على يديه من آخر الليل وهو يتوضأ، إذ صاح صائح من وراءالرواق: أنا بالله وبالأمير: فقال مسلمة -في دهشة-: صوت ابن هبيرة، اخرج إليه.

فخرجتإليه ورجعت فأخبرته، فقال: أدخله، فدخل فإذا رجل يميد نعاسا، فقال: أنا باللهوبالأمير.

قال:أنا بالله، وأنت بالله.

ثمقال: أنا بالله، وأنا بالأمير.

قالمسلمة: أنا بالله، وأنت بالله.

حتىقالها ثلاثا، ثم قال: أنا بالله. فسكت عنه، ثم قال لي: انطلق به فوضئه وليصلِّ، ثماعرض عليه أحب الطعام إليه فأته به، وافرش له في تلك الصفة - لصفة بين يدي بيوتالنساء - ولا توقظه حتى يقوم متى قام.

فانطلقتبه فتوضأ وصلى، وعرضت عليه الطعام فقال: شربة سويق، فشرب، وفرشت له فنام، وجئت إلىمسلمة فأعلمته، فغدا إلى هشام فجلس عنده، حتى إذا حان قيامه قال: يا أميرالمؤمنين، لي حاجة.

قالهشام: قُضيتْ، إلا أن تكون في ابن هبيرة.

قالمسلمة: رضيت يا أمير المؤمنين.

ثمقام مسلمة منصرفا، حتى إذا كاد أن يخرج من الديوان رجع فقال: يا أمير المؤمنين، ماعودتني أن تستثني في حاجة من حوائجي، وإني أكره أن يتحدث الناس أنك أحدثت عليالاستثناء.

قالهشام: لا أستثني عليك.

قالمسلمة: فهو ابن هبيرة.

فعفاعنه هشام[20]=reference>.

ومنملامح شخصية مسلمة أنه كان يعرف للفصحى مكانتها، وللبيان السليم منزلته، وكانيقول: اللحن في الكلام أقبح من الجدري في الوجه[21]=reference>.وكان يقول أيضا: مروءتان ظاهرتان: الرياسة والفصاحة[22]=reference>.

ومنكلماته قوله: ما أخذت أمرا قط بحزم فلمت نفسي فيه، وإن كانت العاقبة عليَّ، ولاأخذت أمرا قط، وضيعت الحزم فيه، فحمدت نفسي وإن كانت لي العاقبة[23]=reference>.

وكانمسلمة يحب أهل الأدب، وأوصى لهم بثلث ماله، وقال: إنها صنعة جُحف أهلها[24]. أي سلبهمالناس حقهم.

وكذلككان يعرف للشعراء مكانتهم وحقهم، ولقد تحدث كثير عزة فقال: شخصت أنا والأحوص ونصيبإلى عمر بن عبد العزيز t وكل واحد منا يَدِلُّ عليه بسابقة وإخاء قديم، ونحن لا نشك أنسيشركنا في خلافته، فلما رفعت لنا أعلام "خناصرة" [بلدة من أعمال حلب]لقينا مسلمة بن عبد الملك، وهو يومئذ فتى العرب، فسلمنا فرد، ثم قال: أما بلغكم أنإمامكم لا يقبل الشعر؟ قلنا: ما توضح إلينا خبرا حتى انتهينا إليك!، ووجمنا وجمةعرف ذلك فينا.

قال:إن يكن ذو دين بني مروان قد ولي وخشيتم حرمانه، فإن ذا دنيانا قد بقي، ولكم عنديما تحبون، وما ألبث حتى أرجع إليكم، وأمنحكم ما أنتم أهله.

فلماقدم كانت رحالنا عنده بأكرم منزل عليه[25]=reference>.

وكانمسلمة يعرف للعلماء كذلك أقدارهم، ويهدي إليهم، وكان يهدي إلى الحسن البصري، وأهدىإليه ذات مرة خميصة لها أعلام، فكان الحسن يصلي فيها[26]=reference>.

وكانيتقدم بالنصيحة في موطنها، ولقد لاحظ على أخيه يزيد بن عبد الملك نوعا من اللهووهو في الخلافة، فنصحه وذكره بسيرة عمر بن عبد العزيز وقال له فيما قال: إنما ماتعمر أمس، وقد كان من عدله ما قد علمت، فينبغي أن تظهر للناس العدل، وترفض هذااللهو، فقد اقتدى بك عمالك في سائر أفعالك وسيرتك[27]=reference>.

ومنأروع المشاهد المأثورة المذكورة في سيرة البطل الفاتح مسلمة بن عبد الملك التي يجبأن نطيل فيها التأمل والاعتبار، إن كنا من أصحاب القلوب والأبصار، أن مسلمة كانيحاصر ذات يوم حصنا، وما أكثر الحصون التي حاصرها، وما أكثر الحصون التي اقتحمهاباسم الإسلام والمسلمين! واستعصى فتح الحصن على الجنود، فوقف مسلمة يخطب بينهمويقول لهم ما معناه: أما فيكم أحد يقدم فيحدث لنا نقبا في هذا الحصن؟.

وبعدقليل تقدم جندي ملثم، وألقى بنفسه على الحصن، واحتمل ما احتمل من أخطار وآلام، حتىأحدث في الحصن نقبا كان سببا في فتح المسلمين له، وعقب ذلك نادى مسلمة في جنودهقائلا: أين صاحب النقب؟.

فلميجبه أحد، فقال مسلمة: عزمت على صاحب النقب أن يأتي للقائي، وقد أمرت الآذنبإدخاله علي ساعة مجيئه.

وبعدحين أقبل نحو الآذن شخص ملثم، وقال له: استأذن لي على الأمير، فقال له: أأنت صاحبالنقب؟.

فأجاب:أنا أخبركم عنه، وأدلكم عليه، فأدخله الآذن على مسلمة، فقال الجندي الملثم للقائد:إن صاحب النقب يشترط عليكم أمورا ثلاثة: ألا تبعثوا باسمه في صحيفة إلى الخليفة،وألا تأمروا له بشيء جزاء ما صنع، وألا تسألوه من هو؟. فقال مسلمة: له ذلك، فأينهو؟ فأجاب الجندي في تواضع واستحياء أنا صاحب النقب أيها الأمير، ثم سارع بالخروج.

فكانمسلمة بعد ذلك لا يصلي صلاة إلا قال في دعائها: اللهم اجعلني مع صاحب النقب يومالقيامة[28]=reference>.

وبعدما يزيد عن نصف قرن من الزمان قضاها مسلمة بن عبد الملك في قتال ونضال، وكفاح وحملسلاح، مضى إلى ربه سنة إحدى وعشرين ومائة، لينال ثوابه مع أهل التقوى وأهل المغفرة{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِيمَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [سورة القمر 54 : 55] وهو الذيسأله أخوه هشام: هل دخلك ذعر قط لحرب أو عدو؟ فقال: ما سلمت في ذلك من ذعر ينبهعلى حيلة، ولم يغشني ذعر سلبني رأيي. فقال هشام: هذه والله البسالة[29].=suraaname>=quran>

توفيمسلمة يوم الأربعاء لسبع مضين من المحرم سنة إحدى وعشرين ومائة، في موضع يقال له:الحانوت، وقيل: سنة عشرين ومائة، وقيل: سنة ثنتين وعشرين ومائة.

ومنالعجيب أن صاحب (النجوم الزاهرة) ذكر خبرين عن وفاته فذكر أولا أنه مات سنة عشرينومائة.

ثمعاد بعد قليل فذكر أنه مات سنة ثنتين وعشرين ومائة، ولكن القول الأول أصح[30].

ولقدرثى الوليد بن يزيد بن عبد الملك عمه البطل مسلمة بن عبد الملك فقال في رثائه هذهالأبيات:

أقولوما البعد إلا الردى ** أمسلم، لا تبعدن، مسلمة

فقدكنت نورا لنا في البلاد ** مضيئا، فقد أصبحت مظلمة

ونكتمموتك نخشى اليقين ** فأبدى اليقين لنا الجمجمة!

رضوانالله- تبارك وتعالى -عليه.


[1]=reference> وقيل فيكُنْيته أيضا : أبو الإِصْبع ، وقيل أبو شاكِر . ويقال إنَّ هذه كُنْيَةٌ لابنأخيه مَسْلَمة بن هِشام بن عبد المَلِك ( النجوم الزاهرة ج1ص289)

[2]=reference> المرجعالسابق

[3]=reference> البدايةوالنهاية ج9ص328و329

[4]=reference> العقدالفريد، ج7 ص145

[5]=reference> مروج الذهبللمسعودي ج3ص161

[6]=reference> العبر ج1 ص154

[7]=reference> مُروجالذَّهَب ج3ص91

[8]=reference> انظر تاريخالطبري، ج6 ص426، 429، 434، 436 على التوالي

[9]=reference> تاريخالطبري: ج 6 ص439وص441وص469 على التوالي

[10]=reference> تاريخالطبري ج6ص522و523و 530 و531 . على التَّوالي وفي البِداية والنِّهاية ج9 ص328 أنمَسْلمة لَقِي في حصاره القُسطَنطينِيَّة شِدة عَظيمَة وجاع المُسلِمون جوعا شديدافلما وَلِي عُمَر بن عبد العَزيز أرسَل إليهم البَريد يأمُرُهم بالرُّجوع إلىالشام فحَلَف مَسْلمة ألا يُقْلع عنهم حتى يَبْنوا له جامِعا كبيرا بالقُسْطنطينِية،فبَنَوْا له جامِعا ومَنارَة.

[11]=reference> تاريخالطبري: ج7 ص43 و 54

[12]=reference> البدايةوالنهاية: ج9 ص 259

[13]=reference> تاريخالطبري ج 7 ص 88.

[14]=reference> البداية والنهايةج9 ص304

[15]=reference> البداية ج9ص326

[16]=reference> البدايةوالنهاية ج9 ص328

[17]=reference> العقدالفريد ج3 ص183

[18]=reference> العقدالفريد ج5 ص 203

[19]=reference> العقدالفريد ج5 ص198

[20]=reference> العقدالفريد ج2 ص57 و 58

[21]=reference> عيونالأخبار ج2 ص 158

[22]=reference> عيونالأخبار ج1 ص296

[23]=reference> العقدالفريد ج1 ص 194

[24]=reference> البدايةوالنهاية ج9 ص329

[25]=reference> العقدالفريد ج1 ص314

[26]=reference> العقدالفريد ج1 ص211، والخميصة ثوب من الخز

[27]=reference> مروج الذهبج3 ص196

[28]=reference> عيونالأخبار ج1 ص 172

[29]=reference> العقدالفريد ج1 ص 82

[30]=reference> انظر :البداية والنهاية ج9 ص329 : ، والعبر ج1 ص154 ، والأعلام ج8 ص122 : ، والنجومالزاهرة ج 1 ( ص285 ثم ص 288 )

Related Posts islamstory...

تعليقات القراء