معركة البويب

معركة البويببعد أن تجمع أربعة آلاف من أنحاء الجزيرة العربية، وجَّهَهُم عمر بن الخطاب t إلى فارس، وأمَّر على كل طائفة رئيسًا منها، وكانت أكبر هذه الطوائف قبيلة "بجيلة" وعلى رأسها الصحابي الجليل جرير بن عبد الله t.

وفي هذه الأثناء كان المثنى بن حارثة -وبعد الهزيمة الساحقة للمسلمين في موقعة الجسر- قد انسحب بقواته كلها على حدود الصحراء قرب الحفير، ولو ظل في مكانه لكان بإمكان الجيش الفارسي أن يبيده تمامًا، وظل في مكان بعيد في الصحراء حتى إذا هجم الفرس يستطيع أن ينسحب بعيدًا في الصحراء ويقاتلهم فيها، ولم يكن الفرس يعرفون مهارة الحرب في الصحراء كما يعرفها العرب المسلمون في الجزيرة العربية، وكان هذا تصرفًا في غاية الحكمة من المثنى t.

وظل المثنى t منتظرًا المدد الإسلامي القادم من المدينة، وفي هذه الأثناء علم أن الفرس يعدون جيشًا ضخمًا للقضاء على البقية الباقية من المسلمين، وذلك بعد أن علم الفرس ببقاء المسلمين في هذه المنطقة على غير ما توقعوا من فناء الجيش الإسلامي، واعتقادهم بأنه لا يقوى على أي مواجهة بعد الهزيمة التي مُنِي بها في موقعة الجسر.

كان الفيرزان -وهو أحد قادة الفرس، لكنه أقل درجة من رستم- قد قام بتمرد على رستم، وكانت له قواته الخاصة، وبعد تمرده قام الأساورة -وهم رجال الدين في فارس- بالصلح بينهما، وقالوا لهما: إن الخلاف بينكما هو الذي جرَّأ العرب علينا، وتسبب فيما تعانيه فارس من انقسام ومحن.

واستجاب الاثنان -رستم والفيرزان- وذهبا إلى "بوران بنت كسرى"، وطلبا منها توجيه جيش موحَّد من جنود رستم والفيرزان لكي يقضوا على المسلمين في معركة فاصلة، ووافقت "بوران" على هذا الأمر، وخرج الجيشان من فارس، وكان تعداد المقاتلين ما بين الستين والسبعين ألف مقاتل وكلهم من الفرسان، ومعهم ثلاثة أفيال وعلى رأس الجيش قائد يُسمَّى مهران بن باذان، وكان أحد قادة رستم، وكان يعرف العربية جيدًا ويعرفه العرب جيدًا؛ فقد تربى فترة من حياته في اليمن عندما كانت مقاطعة فارسية.

المثنى يختار مكان المعركة:
وتوجّه الجيش الفارسي الجرَّار من المدائن في طريقه إلى الحيرة، وذلك لمقابلة المثنى بن حارثة الذي يعسكر بجوار الحيرة، وعلمت المخابرات الإسلامية بهذا الأمر، واستفاد المثنى من الأخطاء السابقة ومن خبراته مع خالد بن الوليد ، فقرر أن يختار هو مكان المعركة، وتوجه بجيشه إلى منطقة تُسمَّى "البُوَيْب" وأرسل رسالة إلى جرير بن عبد الله، ورسائل أخرى إلى أمراء القوات الإسلامية القادمة من المدينة بأن يتوجهوا إلى البُوَيب؛ لأنه قد عجل له أمر لا يستطيع معه البقاء في مكانه القريب من الحيرة، وتقدّم المثنى  واختار المكان قبل أن يأتي الجيش الفارسي وعسكر في المكان، وكان المكان الذي اختاره في غرب نهر الفرات.

فهذا النهر يفصل بين الجيش الإسلامي والجيش الفارسي القادم من المدائن، وبعد فترة جاء المدد الإسلامي وانضم إلى جيش المثنى t، وجاء الجيش الفارسي، وأصبح قوام الجيش الإسلامي ثمانية آلاف، وقوام الجيش الفارسي ما بين الستين والسبعين ألفًا على الضفة الأخرى لنهر الفرات، وعلى نهر الفرات يوجد جسر، وكأن الأحداث تتكرر مرة أخرى.

وأرسل الجيش الفارسي كالعادة رسالة إلى المثنى t فيها: إما أن تعبروا إلينا، وإما أن نعبر إليكم. فأجاب المثنى t الفرس بأن يعبروا هم إلى المسلمين، وعاد الرسول إلى أهل فارس وأخبرهم بالأمر.

كان المثنى t قد نظَّم جيشه جيدًا، فجعل على الميمنة بشير بن الخصاصية t، وعلى الميسرة بُسر بن أبي رُهم، وكان المثنى t في مقدمة الجيش، وجعل فرقة في الجيش باسم فرقة الاحتياط، كانت في المؤخرة لا تشترك في القتال وعلى رأس هذه الفرقة مذعور بن عدي، وفرقة للخيول على رأسها أخوه مسعود بن حارثة، وعلى فرقة المشاة المُعَنَّى بن حارثة، وبدأ يحفِّز الجيش للقتال، ويمرُّ على كل قبيلة بمفردها قائلاً لأهلها: والله لا نحب أن نُؤْتَى من قِبَلِكُم اليوم، ولا أكره شيئًا لي إلا أكرهه لكم.

ولم يذكِّر المسلمين على الإطلاق بموقعة الجسر، وذلك حتى لا يتذكروا الهزيمة في هذا الموقف الذي يحتاجون فيه إلى قوة عزيمة، وبأس شديد.

وأمر الشعراء، فقام كل الشعراء يحمسون الناس بأشعارهم للقتال، ويذكرونهم بالله تعالى، وبموعوده الجنة أو النصر.

رتَّب المثنى  الجيش بصورة دقيقة ومنظمة للغاية، حتى قال المؤرخون: إن صفوف المقاتلين كانت كصفوف المصَلِّين. ورأى المثنى  رجلاً متقدمًا من مكانه في الصف فسأل عنه، فقال الناس: إنه كان ممن فروا يوم الجسر، وهو الآن يستقتل. فضربه المثنى  على صدره، وقال له: أتستقتل وتهلك المسلمين؟ والله إنه إما النصر أو الشهادة.

وأصبح الجيش المسلم مهيئًا للقتال جيدًا، وبدأ الجيش الفارسي يعبر الجسر الضيِّق إلى أرضٍ قد حاصرها المسلمون من كل مكان، ويتكرر المشهد.

فعندما يعبر الفرس يكونون شرق نهر الفرات، وفي غربهم البحيرة وفي شمالهم نهر البُوَيب، والجيش الإسلامي في المنطقة يحصر المنطقة بكاملها، وتدخل القوات الفارسية وهم ما بين الستين والسبعين ألفًا في هذه المنطقة الضيقة، ويفتقد جيش الفرس عنصر الكثرة؛ لأن المساحة التي تركها المسلمون للفرس ضيقة، ويقف جيشهم بكامله صفوفًا خلف بعضهم، ويقابل صفهم الأول فقط صفَّ المسلمين الأول، ولا يستطيع أحد الدخول في المعركة غير الصف الأول من كلا الجيشين، فلا قيمة لعدد الجيش إذن، وإنما يُبْنى النصر أو الهزيمة على مدى قوة الصف المحارب من كلا الفريقين، وإن كان على المسلمين أن يحاربوا وقتًا طويلاً نظرًا لكثرة الجيش الفارسي، وكان هذا اختيارًا موفقًا من المثنى ، وتعويضًا لما حدث في معركة الجسر من اختيار سيئ لأرض المعركة.

دخل الجيش الفارسي المصيدة، والجيش الإسلامي في المنطقة الأمامية، وعلى مقدمة جيش الفرس ثلاثة أفيال، ويتبعها الجيش الذي لم يكن فيه أي مشاة، وإنما كانوا جميعًا من الفرسان، وتقدم الفرس وهم يصيحون صيحات مزعجة حتى يُوقِعُوا الرعب في جيوش المسلمين، وبهدوء عجيب يقول المثنى t لجيشه: عليكم بالصمت والزموا أماكنكم؛ فإن ما يفعلون إنما هو فشل منهم، وَأْتَمِروا بهمس.

كانت فرسان الجيش الإسلامي في المقدمة، وفي مقدمة الفرس ثلاثة أفيال، وأوصى المثنى جنده بالصبر في القتال، وبالفعل صبروا كثيرًا، ونظرًا للتدافع الشديد من قبل الفرس بدأ الفرس يهجمون على ميمنة الجيش الإسلامي بقيادة بشير بن الخصاصية ، وكان المثنى t -وهو في المقدمة- قد رأى اعوجاجًا في صف البشير، فأشار إلى أحد الرسل أن يذهب إليهم ويقول لهم: الأمير يُقرِئُكُم السلام، ويقول لكم: لا تفضحوا المسلمين اليوم.

واعتدلت هذه الصفوف، ونظروا إلى المثنى t فوجدوه يضحك، فازدات معنوياتهم كثيرًا، وهكذا كان المثنى t يقود جيشه.

وفكر المثنى t بعد أن رأى صفوف الفرس الكثيرة متلاحمة تلاحمًا قويًّا، ويصعب السيطرة عليها وهي بهذا الوضع، فقرر أن يفرقها لينتصر عليها، فنادى t على جرير بن عبد الله t وقبيلته بجيلة وتقدمها هو (المثنى)، وبدأ يضاعف الضربات على وسط الجيش الفارسي، واستطاع الجيش الإسلامي بالفعل أن يفصل الجيش الفارسي إلى جزأَيْن: أحدهما على اليمين والآخر على اليسار، وكلا الجزأين يفتقد الاتصال بالآخر، وازداد ضغط القوات الإسلامية حتى فُصِلَ الجيش الفارسي عن بعضه تمامًا، ووفَّق الله جرير بن عبد الله البجلي فقتل مهران بن باذان قائد الفرس، وكان لقتله أثر كبيرٌ على الفرس، حتى إن المسلمين اختلفوا بعد المعركة فيمن قتله، فقال جرير بن عبد الله: والله أنا قتلته. وقال منذر بن حسان: والله أنا قتلته. لكن معظم الأقوال أن جريرًا t هو الذي قتله، وبدأت قوى الجيش الفارسي تنهار أمام الضغط الإسلامي على جزأي الجيش المنقسم، وهذا كله يحدث دون أن تشترك المجموعة الاحتياطية بقيادة مذعور بن عدي؛ حتى تحمي ظهر المسلمين من أي التفاف ربما يحدث من الجيش الفارسي حول الجيش الإسلامي.

بعد هذا القتل في الجيش الفارسي بدأ الفرس يفكرون في الهرب، وذهب المثنى t بنفسه وقطع الجسر على الفرس الذين يريدون الهروب، وانحصر الفرس في هذا المكان وليس لهم إلا أن يقاتلوا، وبدأ المسلمون في معركة تصفية مع الجيش الفارسي.

انتصر المسلمون انتصارًا ساحقًا، وقُتِلَ أكثر من خمسين ألفًا من أهل فارس، ولضيق المكان كانت جثثهم يعلو بعضها بعضًا. ويذكر المؤرخون أن عظامهم ظلت فترة طويلة متراكمة على بعضها نظرًا لكثرتها.

عودة للحق:
ومع أن قطع المثنى t للجسر كان أحد أسباب النصر للمسلمين والهزيمة للفرس إلا أن المثنى t حزن لهذا الأمر؛ لأنه قال بأنه لا يجب أن يُكْرَه أحدٌ على القتال، وكان يجب ألاّ يُقطع خط الرجعة على الفرس، بل كان يجب مطاردة فلولهم الهاربة، وإحداث الرعب في مَن بقي منهم؛ وذلك لأن من حُصِرَ منهم ولا يستطيع الفرار ليس أمامه إلا الموت أو الانتصار على المسلمين، وهو وإن قُتِلَ فلا شك أنه قبل أن يُقتَل سيصيب من الجيش الإسلامي. ومن هنا نَدِم المثنى t على قطعه للجسر، وأوصى جيشه بعدم تكرار هذا الأمر في المعارك الأخرى.

فمع كون المثنى t هو القائد إلا أنه عندما ظن أنه أخطأ جمع جيشه، وعلَّمه الصواب معترفًا بخطئه، غير متعالٍ على جنده.

تتبع الفارين وفتح السواد:
بعد هذه الموقعة ارتفعت المعنويات الإسلامية إلى درجة عالية، فقد انتصروا في المعركة، واسترجعوا الأرض التي كانوا قد أخذوها قبل ذلك، وكما نرى "الفرس" فقد فَرَّ من استطاع منهم إلى المدائن قبل قطع الجسر، وهبطت معنوياتهم إلى الحضيض.

لم يكتفِ المثنى t بما تم، ولكنه أرسل قواته لتتبع الفارِّين، ولفتح الأراضي التي كانوا قد تركوها منذ فترة قصيرة، وأرسل مجموعة من القواد مع جيوشهم إلى منطقة السواد ما بين دجلة والفرات، وانتشرت القوات الإسلامية تفتح هذه الأراضي التي كانت قد عاهدت المسلمين من قبل ثم نقضت عهودها معهم، واستخلف المثنى t بشير بن الخصاصية t على الحيرة، وظل هو في البُوَيب يدير الموقف.

وقد تم للقوات الخمسة التي أرسلها المثنى فتح الجزيرة، وكانت في منطقة ساباط قلعة يوجد بداخلها مجموعة من الفرس قد رفضوا الاستسلام، فأرسل عصمة وعاصم وجرير بن عبد الله إلى المثنى يطلبون رأيه في هذا الأمر، فأذن لهم بحصارها وقتالها، وحاصرت القوات الإسلامية الثلاثة هذه المنطقة وتم فتح قلعة ساباط في هذه الموقعة "ساباط"، ولم يشترك فيها المثنى بن حارثة وإنما هذه الفرق الثلاث فقط.

وبهذا سيطر المسلمون على هذه المنطقة كلها ما بين الأبلَّة وحتى المدائن، وهي المنطقة التي كان يسيطر عليها خالد بن الوليد بعد فتحه للحيرة.

ووصل المسلمون حتى قرب المدائن، ووصلوا إلى شمال الحيرة.

كان هذا شيئًا عظيمًا للمسلمين بعد هزيمة كبيرة في معركة الجسر، وبعد أن ظن الفرس أنه لا قيام للجيش الإسلامي بعد ذلك، ولكن أراد الله أن يستكمل المسلمون النصر في هذه الموقعة.

ونجد أن المثنى بن حارثة t يقاتل الفرس في مجالين مختلفين، ويفكر في البدء في القتال في المجال الثالث.

المجال الأول: القتال في المواقع الضخمة حيث تكون القوات أمام القوات، مثل موقعة البُوَيب، وبابل من قبلُ.

المجال الثاني: السرايا والفرق التي تستطيع مهاجمة الأماكن التي تخلو من القوات الفارسية الكبيرة، وتسيطر على هذه الأراضي وتحميها من القوات الفارسية الضعيفة الموجودة في تلك المناطق.

المجال الثالث الذي كان يفكر فيه المثنى t هو ما يسمى في العصر الحديث بـ"حرب الاستنزاف"، أي القيام بغارات مفاجئة على الجيش الفارسي في عمق أراضي الفرس، دون أن يحتفظ بتلك الأراضي لقلة القوات الإسلامية، فيحدث ذلك نوعًا من الرعب والفزع عند الفرس، وتعود بعد ذلك هذه القوات ومعها بعض الغنائم والأموال.

الهجوم على أسواق فارس:

 

فكر المثنى t في الهجوم على أسواق فارس، وكانت أسواقهم من الشهرة بمكان في التاريخ، فقد كان فيها ثراء كبير، وكانت تُدِرُّ الكثير من الأموال على القصر الفارسي، وكان بهذه الأسواق بعض الحاميات لحراستها، وكانت تأتيها التجارة العظيمة من الهند والسند والصين ومن فارس أيضًا، وكانت تلك التجارة في الذهب والفضة والحرير وأشياء من هذا القبيل، لكن كان أهم ما فيها الذهب والفضة.

قرر المثنى t أن يقوم بغارة على تلك الأسواق، وقرر أن يبدأ بالغارة على سوق الخنافس وكان ذلك في شهر شوال، وكانت هذه المنطقة قد فتحها خالد t لكنها ثارت على المسلمين وفقدوها، ولم يكن الجيش الإسلامي قد وصل إليها.

وتعمية على الجيش الفارسي لم يتحرك المثنى شمالاً تجاه الخنافس، وإنما تحرك جنوبًا تجاه الحيرة، ثم غربًا عند أُليِّس، ثم توغل في عمق الصحراء بعيدًا عن العيون حتى وصل إلى الخنافس في أول الصبح، وهاجم الحامية الفارسية التي تحرس السوق وقتلهم، وأمر الجنود ألا يحملوا إلا ما يستطيعون العودة به، فحمل الجنود الذهب والفضة.

وقبل أن تصل الأخبار إلى الأنبار، كان المثنى t قد توجه إلى منطقة الأنبار التي كانت فيها موقعة ذات العيون، وعندما رأى أهل الأنبار قوة المسلمين استسلموا على الفور وقالوا: عهدنا مع الأمير كما هو. فقبل منهم المثنى t ووضع على الأنبار حامية، وأخذ منهم دليلاً يدله على منطقة بغداد -وهي بغداد التي جعلها العباسيون بعد ذلك عاصمة لهم، وهي بغداد الحالية، وهي تقع على حوالي 40 كم شمال المدائن- ولم يكن المسلمون قد دخلوها من قبل، ومن ثَمَّ أخذ معه هذا الدليل، وكان قد استصحب لهذا الأمر دليلاً آخر أتى به معه من الحيرة، وكان يسمع من كلا الدليلين كلٍّ على حدة؛ وذلك لئلا يُخدع.

وتحرك t من الأنبار متجهًا إلى بغداد، وقبل أن يصل المثنى t إلى بغداد عسكر في الطريق، وبدأ ينظم القوة الصغيرة التي معه ويرتبها، وأرسل طلائع صغيرة على كل الطرقات المؤدية إلى بغداد؛ حتى يمنع إيصال أخبار هذه الغارة إلى أحد من أهل بغداد، تمامًا كما يحدث في التشويش على الرادار Radar.

وبعد استراحة للقوة التي معه على بعد 20 كم من بغداد بدأ التحرك نحوها، وعسكر ليلاً بالقرب منها، ثم صبَّحهم في السوق بعد أن أُعِدَّ السوق للبيع والشراء، فقتل الحامية، وأخذ كل ما في السوق، وعاد من فوره إلى منطقة تُسمَّى "السيلحين"، وهي على بُعد 35 كم من بغداد.

وتناجوا بالبر والتقوى:
استراحت القوة الإسلامية في هذه المنطقة بعد الجهد الذي بذلوه في تلك الغارة، وسمع المثنى بن حارثة أحد الجنود يقول للآخر: والله ما أسرعَ الفرس في طلبنا؛ فقد توغلنا في أرض فارس!! فهو يخاف من الفرس أن يتتبعوا هذه الفرقة بعد هذه الغارات، فغضب المثنى t من هذا الأمر، ووقف يخطب فيهم قائلاً: تناجوا بالبر والتقوى ولا تتناجوا بالإثم والعدوان، انظروا إلى الأمور وقدروها ثم تكلموا.

ثم يوضح لهم المثنى t حقيقة الأمر فيقول لهم:

إنه لم يبلغ النذير مدينتهم بعد (أي لم يبلغ خبر هذه الغارة إلى المدائن)، ولو بلغهم لحالَ الرعبُ بينهم وبين طلبكم، إن للغارات روعاتٍ تنتشر عليها يومًا إلى الليل، ولو طلبكم المحامون من رأي العين، ما أدركوكم وأنتم على الجياد العِرَابِ (الخيول العربية الأصيلة) وهم على المقاريف البطاء (الخيول المهجنة)، حتى تنتهوا إلى معسكركم وجماعتكم. ولو أدركوكم لقاتلتهم لاثنتين؛ التماس الأجر ورجاء النصر، فثِقوا بالله وأَحسِنوا به الظن، فقد نصركم الله في مواطن كثيرة وهم أعدُّ منكم (أي أكثر عدة). وسأخبركم عني وعن انكماشي (أي سرعتي)، والذي أريد بذلك إن خليفة رسول الله أبا بكر أوصانا أن نقلل العُرْجَة (الإقامة في أرض العدو)، ونُسرِع الكَرَّة في الغارات.

وقد استفاد المثنى t من الصديق t مع أنه لم يره في حياته إلا مرتين، مرة عندما ذهب يستأذنه لقتال أهل فارس، والمرة الثانية عندما ذهب إليه ليطلب المدد لجيشه.

وتم النصر للمسلمين في هاتين الغارتين، ويرسل المثنى فرقة إلى سوق الكباث في أقصى شمال الجزيرة عليها المضارب العجلي، وفرقة أخرى بقيادة فرات بن حيان إلى مكان يُسمى صفّين وهو أحد أسواق العراق، ويعود الجيش الإسلامي من "السَّيْلَحين" إلى منطقة الأنبار، ويترك عليها بشير بن الخصاصية t، ويتوجه المثنى t إلى الحيرة، ويتخذها مكانًا لقيادة الجيوش.

في هذه الأثناء تملَّك الجيشَ الفارسيَّ الرعبُ الشديدُ؛ إذْ كيف يصل المسلمون إلى عمق الأراضي الفارسية بهذه الصورة، وبدأ قادة الفرس يلوم بعضهم بعضًا، ودبَّ الخلاف مرة أخرى بين رستم والفيرزان، واجتمع الأساورة اجتماعًا كبيرًا، وقالوا لرستم والفيرزان: إن ظللتم على خلافكم هكذا لَنقتُلنَّكم، ولا يمنعنا من قتلكم إلا الهلكة، ولكن إن دمتم على هذا الخلاف لقتلناكم وهلكنا، لكننا اشتفينا منكم، فأجمعا أمركما والقيا العدو صفًّا واحدًا. وكان للأساورة رأي مسموع في البلاط الملكي وعند "بوران بنت كسرى"، وخشي رستم والفيرزان أن تكون عاقبتهما القتل، أو التخلِّي عن إمرة الجيوش على الأقل، ومن ثَمَّ قرَّرا التوحُّد والقيام بحرب ضد المسلمين.

يزدجرد كسرى فارس:

 

كان حكم فارس حتى هذا الوقت في يد امرأة هي "بوران بنت كسرى"، وفكَّر الفرس في أن يأتوا برجل يصلح أن يكون حاكمًا لفارس، ولا بد أن يكون من آل ساسان، فجمعوا نساء كسرى وكانوا بالعشرات وجواريه بالمئات، وأخذوا يعذبونهن حتى يَدُلُّوهم على أحد أبناء كسرى، فأقرَّت إحداهن بعلمها أن ابنًا لإحدى نساء كسرى ما زال حيًّا، فأتوا بها وعذبوها حتى أقرَّت بمكانه، وكانت قد أخذت ابنها -عندما كان "شيرويه" وهو أحد الأكاسرة يقتل كل من يعتقد أنه ربما يكون من الأكاسرة حتى لا ينازعه الحكم- ووضعته في زَبِيلٍ (أي جِوَال)، وهرَّبته من نافذة القصر، واختفى في منطقة تُسمى حلوان في أقصى شرق فارس، فذهبوا إليه وأتوا به، وكان اسمه "يزدجرد" الثالث، وقدموا له الولاء والطاعة وكان عمره 21 عامًا.

بدأ "يزدجرد" ينظم الجيوش ويدير الأمور وهو حديث عهد بذلك، وأول ما فكر فيه هو القضاء على قوة المسلمين، وقرر أن يلقي بكل القوة الفارسية لقتال المسلمين، وتحت قيادة رستم والفيرزان.

جُمِعت أعداد ضخمة من الجنود، وتوجهوا تجاه الجيش الإسلامي، ووصلت الأخبار إلى المثنى t بتجمع الفرس العظيم لملاقاة المسلمين.

واستفاد المثنى t من خبراته السابقة مع خالد بن الوليد t، فانسحب بجميع قواته من المناطق التي كان قد استولى عليها؛ الأنبار وساباط ومن الحيرة، وانسحب أيضًا من الأبلّة وجعل تجمعه في منطقة تُسمى "ذا قار"، وكان بهذه المنطقة قبل ذلك موقعة بين العرب والفرس في الجاهلية، وانتصر فيها العرب، وظلوا يذكرونها كثيرًا.

وما يميز منطقة ذي قار أنها على أبواب الصحراء، والجيش الفارسي لا يجيد القتال في الصحراء، وكان هذا هو المكان الذي اختاره المثنى t حتى يعسكر فيه ويستطيع الجيش الإسلامي من خلاله أن يفر إلى الصحراء في أسوأ الحالات، عند حدوث هزيمة مثلاً.

واتجه الجيش الفارسي من المدائن إلى "ذي قار"، وأرسل المثنى t رسالة إلى عمر بن الخطاب t يخبره فيها أن الفرس يجمعون كل عدتهم وعتادهم لقتال المسلمين، وبمجرد أن وصلت الرسالة أعلن عمر بن الخطاب t النفير العام، وأرسل الدعاة إلى كل الجهات لحثِّ الناس على الجهاد وقتال الفرس؛ لأن الجيش الإسلامي وقوامه ثمانية آلاف لا يقوى على مواجهتهم بهذا العدد الضخم الذي لم يستطع المسلمون أن يحددوه بعد.

وفاة المثنى :t
كان المثنى t قد أُصيب في موقعة الجسر، وظلَّ متأثرًا بها طيلة هذه الفترة، فبعد أن أرسل رسولاً إلى عمر بن الخطاب t، وقبل أن يصل الرسول كان الله تعالى قد اختاره إلى جواره، وكتب وصية إلى عمر بن الخطاب t وأرسلها مع أخيه المُعَنَّى بن حارثة وفيها: لا تقاتل الفرس إلا على أبواب الصحراء. وفي الوقت نفسه كان رسول المثنى -رحمه الله- قد وصل إلى عمر t، ولم يعلم عمر بعدُ بأمر وفاة المثنى، فكتب رسالة له فيها: "لا تقاتل الفرس إلا على أبواب الصحراء".

وكان هذا التوافق في الرأي يدل على بُعد النظر وعمق التفكير، فقد استفاد المثنى بن حارثة t كثيرًا من تجاربه السابقة، وفي الوقت ذاته فإن عمر بن الخطاب t وهو في المدينة يرى الرأي الصائب لعمق فكره، وحسن تخطيطه وإدارته t.

ماذا تمَّ بعد ذلك؟

هذا ما سنعرفه في المقال القادم إن شاء الله.

Related Posts islamstory...

تعليقات القراء