عين جالوت.. المعركة الفاصلة (43)

أشد ساعات الليل ظلمة تلك التي تسبق بزوغ الفجر، وأشد لحظات السماء تلبدًا بالغيوم تلك التي تسبق هطول المطر، وأشد أوقات المرأة إيلامًا تلك التي تسبق المخاض والميلاد الجديد. 

وحان وقت الفجر..

صلى المسلمون الفجر في خشوع.. ورتبوا صفوفهم بعد الصلاة واستعدوا، وما هي إلا لحظات وأشرقت الشمس.. هذا يوم الجمعة الخامس والعشرون من رمضان سنة 658 هجرية، وبشروق الشمس أضاءت الدنيا، ورأى المسلمون من بعيد.... جيش التتار!

أتى الجيش التتري المهول من اتجاه الشمال، وبدأ في الاقتراب من سهل عين جالوت، وعلى أبواب السهل وقف الجيش التتري في عدده الرهيب وعدته القوية.

ولم يكن بالسهل أحدٌ من المسلمين، فقد كانوا يقفون جميعًا خلف التلال.

لكن -كما أشرنا من قبل- فإن مقدمة جيش المسلمين بقيادة ركن الدين بيبرس كانت لا تخفي نفسها، وذلك حتى يعتقد جواسيس التتار أن هذه المقدمة هي كل الجيش.. ومع ذلك فعند قدوم جيش التتار كانت هذه المقدمة مختفية هي الأخرى، ثم أشار لها قطز أن تنزل من فوق التلال للوقوف على باب السهل لقتال الجيش التتري.

{سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ}[الأنفال: 12].

بدأت القوات الإسلامية تنساب من فوق التل إلى داخل سهل عين جالوت، ثم تتجه إلى شمال السهل للاقتراب من جيش التتار.

ولم تنزل مقدمة الجيش دفعة واحدة، إنما نزلت على مراحل، وفي صورة عجيبة.

وأترك الحديث لصارم الدين أيبك -الرجل المسلم في جيش التتار- والذي كان يقف بجوار «كتبغا» وهو يصف القوات الإسلامية وهي تنزل من فوق التلال.

يقول صارم الدين أيبك:

«فلما طلعت الشمس ظهرت عساكر الإسلام، وكان أول سنجق أحمر وأبيض، وكانوا لابسين العدد المليحة».

نزلت الكتيبة الإسلامية الأولى وهي تلبس ملابس أنيقة أحمر في أبيض.. للفرقة كلها زي واحد، وكانوا يلبسون العدد المليحة، بمعنى أن الدروع والسيوف والرماح والخيول كانت في هيئة مليحة (جميلة).. لقد نزلوا بخطوات ثابتة، وبنظام بديع.

الجنود الإسلاميون ينزلون إلى ساحة المعركة في غاية الأناقة والبهاء.. وكأنهم في عرض عسكري.. لهم هيبة.. وعليهم جلال.. ويوقعون في قلب من يراهم الرهبة.

وهذه هي الكتيبة الأولى.

انتبهوا إلى وصف صارم الدين أيبك وهو يتكلم عن كتبغا السفاح التتري الجبار.

يقول صارم الدين أيبك: «فبهت كتبغا.. وبهت من معه من التتار»[1].

سبحان الله! {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258].

هذه أول مرة يرى فيها كتبغا جيش المسلمين على هذه الصورة، لقد كان معتادًا أن يراهم وراء الحصون والقلاع يرتجفون ويرتعبون، أو يراهم وهم يتسارعون إلى الهروب فزعًا من جيش التتار، أو يراهم وهم يسلمون رقابهم للذبح الذليل بسيوف التتار! كان كتبغا معتادًا على رؤية المسلمين في إحدى هذه الصور المهينة، أما أن يراهم في هذه الهيئة المهيبة العزيزة فهذا ما لم يحسب له حسابًا قط!

قال كتبغا في فزع: «يا صارم، رُنك مَن هذا؟!».

«ورنك» كلمة فارسية تعني «لون»، وهو يقصد كتيبة من هذه؟ إنها كتيبة مرعبة.

وكانت فرق المماليك تتميز عن بعضها البعض بلون خاص.. فهذه الفرقة مثلًا لونها الأحمر في الأبيض، فكانت تلبس الأحمر والأبيض، ولها رايات باللون نفسه، وتضع على خيولها وجمالها وأسلحتها الألوان نفسها، وتضع على خيامها الألوان نفسها، وكذلك على بيوتها في مصر، وعلى مخازنها وغير ذلك.. فكانت هذه بمثابة الشارة التي تميز هذه الفرقة أو الكتيبة[2].

فسأل كتبغا في فزع: رنك من هذا؟

فقال صارم الدين أيبك: رنك «سنقر الرومي» أحد أمراء المماليك.

ومهما كانت عظمة الكتيبة المسلمة وبهاؤها فإننا لا نستطيع أن نفهم رعب القائد التتري السفاح زعيم الجيش التتري المهول من هذه الكتيبة الصغيرة جدًّا بالقياس إلى جيش التتار إلا في ضوء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وقال فيه: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[3].

وفي رواية أحمد عن أبي إمامة زيادة: «نصرت بالرعب مسيرة شهر يقذفه في قلوب أعدائي».

يقول الإمام السندي في شرح الحديث: «هذا رعب يُقذف في قلوب الأعداء بلا أسباب ظاهرية»، ومع ذلك فقد أخذ قطز بالأسباب الظاهرية قدر استطاعته، فحُسن الإعداد، وجمال الصورة، ودقة التنظيم، وبراعة الترتيب.. كل هذه أمور جعلت رعب التتار أمرًا متحققًا، بالإضافة إلى أن الرعب جندي من جنود الله عز وجل.

ويقول الإمام السندي: «إن هذه خاصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بقيت آثار هذه الخاصية في خلفاء أمته ما داموا على حاله».

نعود إلى كتبغا سفاح التتار وهو يراقب نزول الكتائب الإسلامية من فوق التلال.

فبعد نزول الكتيبة الأولى: "كتيبة سنقر الرومي" نزلت كتيبة أخرى تلبس الملابس الصفراء عليها من البهاء والجمال ما لا يوصف.

تزلزل كتبغا وقال لصارم: هذا رنك من؟

قال صارم: هذا رنك بلبان الرشيدي[4] أحد أمراء المماليك[5].

ثم تتابعت الكتائب الإسلامية بألوانها الرائعة المختلفة، وكلما نزلت كتيبة سأل كتبغا: رنك من هذا؟.. فيقول صارم: فصرت أي شيء يطلع على لساني قلته.. يعني بدأ يقول أسماء مخترعة لا أصل لها، لأنه لا يعرف هذه الكتائب، ولكنه يريد أن يرعب كتبغا بكثرة الفرق الإسلامية.

وكل هذه الفرقهي مقدمة جيش المسلمين فقط، وهي أقل جدًّا من جيش التتار الرهيب؛ فقد احتفظ قطز بقواته الرئيسية خلف التلال، وقد قرر ألا تشترك في المعركة إلا بعد أن تُنهَك قوات التتار.

التجديد في أساليب القيادة:
وبعد أن نزلت مقدمة المسلمين بقيادة ركن الدين بيبرس بدأت فرقة الموسيقى العسكرية الإسلامية المملوكية تظهر على الساحة، وانطلقت في قوَّة تدق طبولها وتنفخ في أبواقها وتضرب صنوجها النحاسية.. لقد كانت الجيوش المملوكية تتلقى الأوامر عن طريق هذه الدقات التي لا يعرفها الأعداء.. فكانت هناك ضربات معينة للميمنة وضربات معينة للميسرة وضربات معينة للقلب، وكانت هناك ضربات للتقدم وضربات للانسحاب، وكانت هناك ضربات خاصة لكل خطة عسكرية، وبذلك يستطيع القائد قطز أن يقود المعركة عن بعد، وعلى مساحة شاسعة من الأرض من خلال دقات هذه الآلات الضخمة.. هذا فوق الرهبة التي كانت تقع في قلوب الأعداء من جراء سماع هذه الأصوات المزلزلة، بينما كانت هذه الدقات تثبت المسلمين، وتشعرهم بمعية القائد لهم في كل تحرك من تحركاتهم.

ووقف الأمير ركن الدين بيبرس بقواته على المدخل الشمالي لسهل عين جالوت، بينما ترك السهل بكامله خاليًا من خلفه، واقتربت جدًّا ساعة الصفر.

واحتدم اللقاء!

ونظر كتبغا إلى مقدمة القوات الإسلامية وكان لا يدرك شيئًا عن القوات الرئيسية المختبئة خلف التلال، فوجد أن قوات المقدمة الظاهرة أمامه قليلة جدًّا بالنسبة إلى قواته.. ومع ذلك فهي في هيئة حسنة ومنظر مهيب، فأراد كتبغا أن يحسم المعركة لصالحه من أول لحظاتها.. لذلك قرر أن يدخل بكامل جيشه وقواته لحرب مقدمة المسلمين.

وهذا تمامًا ما كان يريده الملك المظفر قطز.

وأعطى كتبغا قائد التتار إشارة البدء لقواته.

وانهمرت جموع التتار الرهيبة وهي تصيح صيحاتها المفزعة على مقدمة جيش المسلمين.

أعداد هائلة من الفرسان ينهبون الأرض في اتجاه القوات الإسلامية.

أما القائد المحنك ركن الدين بيبرس فقد كان يقف في رباطة جأش عجيبة، ومعه الأبطال المسلمون يقفون في ثبات، وقد ألقى الله عز وجل عليهم سكينة واطمئنانًا، وكأنهم لا يرون جحافل التتار.

حتى إذا اقتربت جموع التتار أعطى بيبرس إشارة البدء لرجاله.. فانطلقوا في شجاعة نادرة في اتجاه جيش التتار، ولا ننسى أن هذه المقدمة الإسلامية قليلة جدًّا بالنسبة إلى جيش التتار.

وارتطم الجيشان ارتطامًا مروعًا.

وارتفعت سحب الغبار في ساحة المعركة، وتعالت أصوات دقات الطبول وأصوات الآلات المملوكية، وعلت صيحات التكبير من الفلاحين الواقفين على جنبات السهل وامتزجت قوات المسلمين بقوات التتار، وسرعان ما تناثرت الأشلاء وسالت الدماء، وعلا صليل السيوف على أصوات الجند.

واحتدمت المعركة في لحظات.. ورأى الجميع من الهول ما لم يروه في حياتهم قبل ذلك.

كانت هذه الفرقة المملوكية من أفضل فرق المسلمين، وقد أحسن قطز اختيارها لتكون قادرة على تحمل الصدمة التترية الأولى.. والذي يحرز النصر في بداية المعركة يستطيع غالبًا أن يحافظ عليه إلى النهاية.. ليس فقط للتفوق العسكري ولكن -أيضًا- للتفوق المعنوي.

وكان كثير من أمراء هذه المقدمة بما فيهم ركن الدين بيبرس من أولئك الذين شاركوا في موقعتي المنصورة وفارسكور ضد الحملة الصليبية السابقة بقيادة ملك فرنسا لويس التاسع، وذلك منذ عشر سنوات في سنة 648 هجرية، وبذلك يكون هؤلاء الأمراء من أصحاب الخبرة العسكرية الفائقة، ومن أعلم القادة بطرق المناورة وأساليب القتال وخطط الحرب.

خطة قطز:
وثبتت القوات الإسلامية ثباتًا رائعًا مع قلة عددها، مما دفع كتبغا إلى استخدام كل طاقته دون أن يترك أي قوات للاحتياط خلف الجيش التتري.

كل هذا وقطز يرقب الموقف عن بعد، ويصبر نفسه وجنده عن النزول لساحة المعركة حتى تأتي اللحظة المناسبة.

ومرت الدقائق والساعات كأنها الأيام والشهور.

ومع الفجوة الهائلة في العدد بين الفريقين فإن اللقاء كان سجالًا حتى هذه اللحظات.

كان هذا هو الجزء الأول من الخطة الإسلامية: استنزاف القوات التترية في حرب متعبة، والتأثير على نفسياتهم عند مشاهدة ثبات المسلمين وقوة بأسهم.

الانسحاب والكمائن:
ثم جاء وقت تنفيذ الجزء الثاني من الخطة الإسلامية البارعة.. ودقت الطبول دقات معينة لتصل بالأوامر من قطز إلى بيبرس ليبدأ في تنفيذ الجزء الثاني من الخطة.

وكان الجزء الثاني من الخطة عبارة عن محاولة سحب جيش التتار إلى داخل سهل عين جالوت، وحبذا لو سُحب الجيش بكامله، بحيث تدخل قوات التتار في الكمائن الإسلامية تمهيدًا لحصارها.

وبدأ ركن الدين بيبرس في تنفيذ هذا الجزء من الخطة على صعوبته، فكان عليه أن يُظهر الانهزام أمام التتار، ويتراجع بظهره وهو يقاتل، على ألا يكون هذا التراجع سريعًا جدًّا حتى لا يلفت أنظار التتار إلى الخطة، ولا بطيئًا جدًّا فتهلك القوَّة الإسلامية القليلة أثناء التراجع.. وهذا الميزان في الانسحاب يحتاج إلى قدرة قيادية فائقة، كما يحتاج إلى رجال أشداء مهرة في القتال.

وقد كانت هذه العوامل متوافرة في الجيش بحمد الله، وقبل هذا بالطبع كان توفيق الله عز وجل عونًا لهذا الجيش الصامد.

خطة معركة نهاوند:
هذه الخطة هي نفس خطة القوات الإسلامية في موقعة نهاوند الشهيرة ضد القوات الفارسية وذلك في سنة 19 من الهجرة، وكان يقوم بدور ركن الدين بيبرس القائد الإسلامي الفذ الصحابي القعقاع بن عمرو التميمي رضي الله عنه، وكان يقوم بدور قطز الصحابي الجليل والفارس العظيم النعمان بن مقرّن رضي الله عنه، وقام ساعتها القعقاع بن عمرو التميمي بسحب قوات الفرس الرهيبة في الكمين الإسلامي الذي قضى على قوات الفرس تمامًا في نهاوند.

وهنا في عين جالوت يستفيد قطز من تجارب المسلمين السابقة ويطبق خطة نهاوند بحذافيرها.

وبدأ ركن الدين بيبرس في الانسحاب التدريجي المدروس، وكلما رجع خطوة تقدم جيش التتار في مكانه.

وقام المسلمون بتمثيلية الانهزام خير قيام، وتحمس كتبغا ومن معه للضغط على المسلمين، وبدءوا يدخلون السهل وهم يضغطون على المسلمين، ومر الوقت ببطء على الطرفين، ولكن في النهاية دخل جيش التتار بكامله إلى داخل سهل عين جالوت، وانسحب ركن الدين بيبرس بمقدمة الجيش إلى الناحية الجنوبية من سهل عين جالوت، وفي غضون حماسة كتبغا للقضاء على جيش المسلمين لم يترك أيًا من قواته الاحتياطية خارج السهل بل أخذ معه كل جنوده!

غباء القوَّة!
كتبغا قائد عسكري بارع، وذو خبرة طويلة جدًّا في مجال الحروب، فقد جاوز الستين من عمره، ولعله جاوز السبعين، فهو من الذين عاصروا جنكيزخان، وجنكيزخان مات قبل هذه الموقعة بأربعة وثلاثين سنة، قضاها كتبغا كلها في حروب وقيادة[6].

لقد كان من المفترض عليه كقائد محنك أن يترك قوات احتياط خارج السهل لتؤمن طريق العودة في حال الخسارة، ولتمنع التفاف الجيش الإسلامي حول التتار، ولتراقب أي تحركات مريبة لجيوش أخرى قد تأتي لمساعدة الجيش الإسلامي.

لكن هذا لم يحدث!

لقد توقفت العقلية التترية عن التفكير السليم في وقت حساس جدًّا من أوقات المعركة.. قد يفسر ذلك برغبة كتبغا في القضاء الكامل على قوات المسلمين وبحسم، وقد يفسر بضعف من المخابرات التترية التي لم تدرك حجم الجيش الإسلامي الحقيقي، وقد يفسر بالغرور والصلف الذي كان يملأ كتبغا من أم رأسه إلى أخمص قدميه مما جعله يستهين تمامًا بقوات المسلمين، وقد يفسر بأن هناك أهدافًا تكتيكية معينة في ذهن كتبغا لا نعرفها.

قد يفسر بأي شيء من هذا أو بغيره.. لكن كل هذه التفاسير لا تعطي مسوغًا مقبولًا لهذا الخطأ العسكري الفادح الذي لا يقع فيه مقاتل مغمور في مطلع حياته العسكرية، فضلًا عن قائد مخضرم مثل «كتبغا»!

"وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ" :
التفسير الوحيد المقبول في مثل هذا الموقف هو أن هذا تدبير رب العالمين سبحانه وتعالى، الذي يخرج عن القياسات الاعتيادية للبشر، ويدفع أشخاصًا بعينهم لأفعال معينة في ظروف معينة.. ولو تكرَّرت الظروف نفسها ألف مرة فلعل الرجل لا يأخذ القرار نفسه أبدًا، ولكن الله عز وجل أراد لهذا الجيش التتري الهلكة على يد الجيش المسلم، فدفع كتبغا إلى اتخاذ قرار لا يتناسب أبدًا مع إمكانيته كقائد عسكري، ولا يتناسب مع قوات جيشه كجيش ضخم، ولا يتناسب مع ساحة المعركة التي تعتبر كالقفص الذي له باب واحد، فإذا دخل الجيش بكامله القفص وأغلق الباب فالنجاة تكاد تكون مستحيلة، {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ}[الأنفال: 30]

وقد رأينا قبل ذلك غزوة بدر الكبرى أن أبا جهل هو الذي دفع جيشه الكافر للدخول في معركة بدر بعد أن عارضه جل قومه.. فكانت الهلكة لمعظم رءوس الكفر في مكة.

ورأينا -أيضًا- مسيلمة الكذاب في موقعة اليمامة الشهيرة يدفع قواته إلى حتفها.

ورأينا الفيروزان في موقعة نهاوند يدفع الفرس إلى مثواها الأخير.

ورأينا باهان قائد الروم في موقعة اليرموك يدفع جيوشه إلى الهاوية.

وليس هناك مجال لقول قائل: لو تروى القائد لكان كذا وكذا، ولو تريث القائد.. ولو سمع القائد نصيحة فلان أو رأي فلان.

إنهم يُدفعون دفعًا إلى مصارعهم.

إنهم مهما بلغت قوتهم، وتعددت جيوشهم.. وتنوعت أسلحتهم لا يخرجون أبدًا عن إرادة الله عز وجل.. والله عز وجل يريد النصر لعباده الذي نصروه: {إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7]. قاعدة أصيلة لا خلف لها.

وهكذا دفع كتبغا جيشه دفعًا للدخول بكامله في سهل عين جالوت.

وبذلك نجح الجزء الثاني من الخطة الإسلامية نجاحًا مبهرًا.

وبدأ تنفيذ الجزء الثالث من الخطة.

وجاءت إشارة البدء من قطز عن طريق الطبول والأبواق.

كتبغا في المصيدة!
ونزلت الكتائب الإسلامية العظيمة من خلف التلال إلى ساحة المعركة.. نزلت من كل جانب، وأسرعت فرقة قوية لتغلق المدخل الشمالي لسهل عين جالوت، وبذلك -في دقائق معدودات- أحاطت القوات الإسلامية بالتتار إحاطة السوار بالمعصم.

الخطة تسير في منتهى الإحكام والدقة، ومع ذلك فهذه الخطة تحمل في طياتها خطورة عظيمة على الجيش الإسلامي نفسه.. لماذا؟ لأن حصار التتار دون ترك فرصة الهروب لهم سوف يدفع كل الجنود التتار لإخراج كل طاقاتهم..

إنهم سيقاتلون قتال المستميت.. قتال المحصور.. قتال الحياة أو الموت وليس قتال الهزيمة أو النصر.

لكن -في الوقت نفسه- إن نجحت الخطة فسوف يكون فيها هلاك عدد ضخم من الجيش التتري.. وقد تكون هذه هي الضربة القاصمة القاضية على هذا الجيش الرهيب.

واكتشف كتبغا الخطة الإسلامية بعد فوات الأوان، وحُصر هو والتتار داخل سهل عين جالوت، وبدأ الصراع المرير في واحدة من أشد المعارك التي وقعت في التاريخ.. لا مجال للهرب، ولا مجال للمناورات.. السهل منبسط والمساحات مكشوفة، وليس هناك من حماية إلا خلف السيوف والدروع.. لا بديل عن القتال حتى الموت.

حرب ضارية بشعة.. أخرج التتار فيها كل إمكانياتهم، وبدءوا يقاتلون بحمية بالغة.. والمسلمون صابرون ثابتون.

وظهر تفوق الميمنة التترية -كما أخبر بذلك رسول صارم الدين أيبك- وبدأت الميمنة التترية تضغط على الجناح الأيسر للقوات الإسلامية، وبدأت القوات الإسلامية تتراجع تحت الضغط الرهيب للتتار، وبدأ التتار يخترقون الميسرة الإسلامية، وبدأ الشهداء يسقطون، ولو أكمل التتار اختراقهم للميسرة فسيلتفون حول الجيش الإسلامي، وتتعادل بذلك الكفتان، وقد ترجح كفة التتار.. ويصبح إغلاق السهل خطرًا على المسلمين.

وقطز يقف في مكان عالٍ خلف الصفوف يراقب الموقف بكامله، ويوجه فِرَق الجيش إلى سد الثغرات، ويخطط لكل كبيرة وصغيرة.

فماذا فعل قطز؟ وكيف انتهت المعركة بنصر المسلمين؟؟

هذا ما نتعرف عليه في المقالة القادمة بإذن الله.

 

[1] قاسم عبده قاسم: السلطان المظفر قطز 128- 130.
[2] القلقشندي: صبح الأعشى 4/61، 62.
[3] مسلم: كتاب المساجد (1191).
[4] بلبان الرشيدي: من المجموعة التي قامت بقتل المظفّر قطز قال الذهبي: ثم ساروا والحقود ظاهرة في العيون والخدود، وكل منهما متحرس من الآخر، إلى أن أجمع ركن الدين البندقداري على قتل المظفر، واتفق مع سيف الدين بلبان الرشيدي.
[5] قاسم عبده قاسم: السلطان المظفر قطز 128- 130.
[6] بسام العسلي: المظفر قطز ومعركة عين جالوت ص123.

Related Posts islamstory...

تعليقات القراء