القائد الفذ موسى بن نصير

وضع المسلمين في الشمال الإفريقي
دخل الإسلام بلاد الشمال الإفريقي قبل فتح الأندلس بسبعين سنة؛ أي سنة (22هـ=644م)، وكانت تسكن هذا الإقليم قبائل ضخمة تُسَمَّى قبائل الأمازيغ (البربر[1]) وهذه القبائل قبائل قوية الشكيمة شديدة البأس، وقد ارتدَّت عن الإسلام أكثر من مرَّة؛ فدارت الحروب بينها وبين المسلمين، وانتهت باستقرار الإسلام في هذا الإقليم أواخر عام (85 أو 86هـ= 704 أو 705م) على يد موسى بن نصير -رحمه الله. 

موسى بن نصير القائد ابن القائد (19-97هـ=640-716م)
كان موسى بن نصير قائدًا بارعًا، تقيًّا ورعًا، ثَبَّت الله به أقدام الإسلام في هذه المنطقة المترامية الأطراف، وهو من التابعين، وقد روى عن بعض الصحابة مثل تميم الداري t.

قال عنه ابن خلِّكان: كان عاقلاً كريمًا شجاعًا ورعًا تقيًّا لله تعالى، لم يُهزم له جيشٌ قطُّ[2]. أمَّا أبوه فهو نُصَير بن عبد الرحمن بن يزيد، وكان شجاعًا وممن شهد معركة اليرموك الخالدة، وكانت منزلته مكينة عند معاوية بن أبي سفيان t، وبلغ في الرتب أن كان رئيس الشرطة في عهد معاوية حين كان واليًا على الشام في خلافة عمر وعثمان [3]، وفي روايات أخرى أنه كان رئيس حرس معاوية نفسه[4].

ولمَّا خرج معاوية لصفين لم يخرج نُصير معه، فقال له: ما منعك من الخروج معي؛ ولي عندك يدٌ[5] لم تُكافئني عليها؟ فقال: لم يمكني أن أشكرك بكفري مَنْ هو أولى بشكري منك. فقال: مَنْ هو؟ فقال: الله U. فأطرق مليًّا، ثم قال: أستغفر الله. ورضي عنه[6].

كذلك روى التاريخ لأمِّ موسى قصة بليغة في الشجاعة، فلقد شهدت هي -أيضًا- معركة اليرموك مع زوجها وأبيه، وفي جولة من جولات اليرموك التي تقهقر فيها المسلمون أبصرت أمُّ موسى رجلاً من كفار العجم يأسر رجلاً من المسلمين، تقول: "فأخذتُ عمود الفسطاط، ثم دنوت منه فشدخت به رأسه، وأقبلتُ أسلبه فأعانني الرجل على أخذه"[7].

فمِن هذين الأبوين خرج مُوسَى بن نصير، الذي تربَّى في كنف القادة وقريبًا من بيت الخلافة مع أولاد معاوية وأولاد الأمراء والخلفاء، فنشأَ على حُبِّ الجهاد في سبيل الله ونشر الدين؛ حتى أصبح شابًّا يافعًا يتقلَّد الرتب والمناصب فكان على الخراج بالبصرة[8]، ثم تولى قيادة جيش البحر وغزا قبرص في عهد معاوية t [9]، ثم تولَّى إفريقية والمغرب[10] في عهد الوليد بن عبد الملك في عام 89 هـ، وقيل في عام 77 هـ[11].

من هنا كانت الفرصة مواتية لموسى بن نصير ليُنْجِزَ ما عجز السابقون عن إنجازه، فيُعيد الاستقرار لهذا الإقليم؛ فتوَجَّه –رحمه الله- ناحية المغرب وأعاد تنظيم القوات الإسلامية، وكانت البلاد في ذلك الوقت في قحطٍ شديد، فأمر الناس بالصوم والصلاة وإصلاح ذات البين، وخرج بهم إلى الصحراء. وأقام على ذلك إلى منتصف النهار، ثم صَلَّى وخطب في الناس ودعا، ولم يذكر الوليدَ بنَ عبد الملك، فقيل له: ألا تدعو لأمير المؤمنين؟!

فقال: هذا مقام لا يُدعى فيه لغير الله U، فسُقُوا حتى رَوَوا[12].

موسى بن نصير يُثَبِّت دعائم الإسلام في إفريقيا

شمال إفريقياكان الهمُّ الأول لموسى بن نصير منذ أصبح واليًا على المغرب هو تثبيت دعائم الإسلام في هذا الإقليم، الذي ارتدَّ أهله عن الإسلام أكثر من مرَّة؛ ولكي يتمكَّن من ذلك كان عليه أن يعلم لماذا يرتدُّ الناس في هذا الإقليم عن الإسلام؟ وكيف يعودون لقتال المسلمين بعد أن كانوا مسلمين؟!

أسباب الردة
وفي بحثه عن أسباب هذه الردَّة المتكرِّرة وجد موسى بن نصير خطأين وقع فيهما مَنْ سبقوه:

الخطأ الأول: هو أن عقبة بن نافع ومَن معه كانوا يفتحون البلاد فتحًا سريعًا، ثم يتوغَّلُون داخلها طمعًا في فتح أماكن أخرى كثيرة، دون أن يُوَفِّرُوا الحماية لظهورهم في هذه المناطق التي فتحوها؛ ومن ثَمَّ كانت النتيجة أن الأمازيغ (البربر) انتبهوا لهذا الأمر واستغلُّوه جيدًا؛ فانقلبوا على عُقبة وأحاطوا به وقتلوه، وحتى يتغلَّب على هذا الأمر بدأ مُوسَى بن نُصَير بفتح البلاد في أناةٍ شديدة، وفي هدوء وحذرٍ كحذر خالد بن الوليد t، فبدأ يتقدَّم خطوة ثم يُؤَمِّن ظهره، ثم خطوة أخرى ويُؤَمِّن ظهره، حتى أتمَّ الله عليه فتح هذا الإقليم مرَّة أخرى في سبع أو ست سنوات، بينما استغرق عقبة بن نافع في فتحه شهورًا معدودات.

أمَّا الخطأ الثاني: فقد وجد أن سكان هذا الإقليم لم يتعلَّموا الإسلام جيدًا، ولم يعرفوه حقَّ المعرفة، فبدأ بتعليمهم الإسلام؛ فكان يأتي بعلماء التابعين من الشام والحجاز ليُعَلِّمُوهم الإسلام ويُعَرِّفُوهم به، فأقبلوا على الإسلام وأحبُّوه، ودخلوا فيه أفواجًا، حتى أصبحوا جند الإسلام وأهله بعد أن كانوا يُحاربون المسلمين[13]، وهكذا عمل مُوسَى بن نُصَير على تثبيت دعائم الإسلام وتوطيدها في الشمال الإفريقي، وأتمَّ الله عليه فتح الإقليم بكامله عدا مدينة واحدة وهي مدينة سَبْتَة[14]، فقد فتح ميناء طَنْجَة، ولم يفتح ميناء سبتة المماثل له في الأهمية؛ ولذلك ولَّى موسى بن نصير على ميناء طَنْجَة (القريب جدًّا من سَبْتَة والقريب في الوقت ذاته من الأندلس) أمهر قُوَّاده طارق بن زياد -رحمه الله.

طارق بن زياد
لم يكن طارق بن زياد عربيًّا، بل كان من قبائل الأمازيغ (البربر) التي استوطنت الشمال الإفريقي، والتي كان يُمَيِّزُها اللون الأبيض والعيون الزرقاء والشعر الأشقر[15]، بعكس ما يُتخَيَّل من كونهم يُشبهون الزنوج؛ حتى إن البعض ينسبونهم إلى أصول أوربية، وقد حمل طارقُ بن زياد القائدُ الفذُّ هذه الصفات الشكلية، إضافة إلى ضخامته الجسمية ووسامته الشديدة، التي لم تمنعه من الانشغال بحُبِّ الجهاد في سبيل الله، ونشر هذا الدين بالتقوى والعمل الصالح.

موسى بن نصير في التاريخ
من هنا نرى أن موسى بن نصير -رحمه الله- قد تولَّى أمر بلاد المغرب وهي تضطرم نارًا، فكان أوَّل عمل له هو تأمين قواعد انطلاقه، ثم انصرف لإخماد الفتن، والقضاء على الثورات، وتصفية قواعد العدوان، وبناء المجتمع الإسلامي الجديد، ثم وجد بعد ذلك في إفريقية طاقاتٍ ضخمةً، وإمكاناتٍ جبَّارة؛ فأفاد من حرية العمل المتوفرة له، وانصرف إلى متابعة حشد القوات وتعبئتها وقيادتها من نصر إلى نصر، وإشراكها في شرف الفتوح وتحميلها أعباء نشر الإسلام.

تبيَّن لنا بعد تلك الحوادث والفتن التي قضى عليها موسى بن نصير أنه كان من أعظم رجال الحرب والإدارة المسلمين في القرن الأول الهجري، وقد ظهرت براعته الإدارية في جميع المناصب التي تقلَّدَها، كما ظهرت براعته الحربية في جميع الحملات البرية والبحرية التي قادها، وقد ظهرت هذه المواهب واضحة جليَّة في حُكمِه لإفريقية؛ حيث كانت الحكومة الإسلامية تُواجه شعبًا شديد المراس، يضطرم بعوامل الانتفاض والفتنة، وإذا كان موسى قد أبدى في معالجة المواقف وإخماد الفتنة كثيرًا من الحزم والشدَّة، فقد أبدى في الوقت نفسه خبرة فائقة بنفسية الشعوب، وبراعة في سياستها وقيادتها[16].


[1] كلمة البربر أُطلِقت بأربعة إطلاقات في أربعة عهود مختلفة، فأُطلقت في عهد (هومير) على القبائل المعقدة اللغة واللهجة حيثما وُجِدَتْ، وأُطلِقَت في عهد (هيرودوت) على الأمم الغريبة عن لغة اليونان وحضارتهم، وأُطلقت في عهد (بلتوس) على الروم ما عدا سكان روما، وأطلقها العرب في عهدهم على الأُمَّة التي تسكن الساحل الإفريقي -وهم المقصودون هنا- لأنهم يتكلمون بلغة ليست مفهومة للعرب، والعرب يُطلقون كلمة البربر على الأصوات المتجمعة غير المفهومة». انظر: الطاهر أحمد الزاوي: تاريخ الفتح العربي في ليبيا، ص20.
[2] ابن خلكان: وفيات الأعيان 5/318 وما بعدها.
[3] ابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة 5/110، 6/496.
[4] ابن خلكان: وفيات الأعيان 5/319.
[5] اليَدُ: النعمة السابغة، والفضل، والإحسان، والمِنَّة. الجوهري: الصحاح، باب الواو والياء، فصل الياء 6/2540، وابن منظور: لسان العرب، مادة يدي 15/419، والمعجم الوسيط 2/1063.
[6] ابن خلكان: وفيات الأعيان 5/319، والمقري: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب 1/240.
[7] ابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة 8/314.
[8] الزركلي: الأعلام 7/330.
([9]) الذهبي: سير أعلام النبلاء 4/496.
([10]) إفريقية هي تونس الآن، والمغرب هي بلاد المغرب العربي الآن، الجزائر والمغرب. وكلمتي «إفريقية» والمغرب تعني بلاد الشمال الإفريقي ما عدا مصر، والجانب الشرقي من ليبيا.
([11]) ابن خلكان: وفيات الأعيان 5/319.
([12]) وابن خلكان: وفيات الأعيان 5/319، وابن كثير: البداية والنهاية 9/196، والمقري: نفح الطيب 1/239.
([13]) ابن عذاري: البيان المغرب 1/43، وابن خلدون: تاريخ ابن خلدون 6/110، والمقري: نفح الطيب 1/239، والناصري: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى 1/152.
[14] وهي الآن من مدن المغرب العربي التي تحتلها إسبانيا، وتقع على مضيق جبل طارق.
[15] شوقي أبو خليل: فتح الأندلس ص20.
[16] محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام في الأندلس 1/59.

Related Posts islamstory...

تعليقات القراء