نظرية الاقتصاد عند ابن خلدون

النظرية الاقتصادية عند ابن خلدون:
ممَّا يميز نظريات ابن خلدون السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتربوية أنَّ أكثرها قابل للتطبيق في كل زمان ومكان.

كما يعد ابن خلدون أول مفكر عالمي يرى أهمية الاقتصاد للسياسة، ففي الفصل الذي بعنوان "نقصان الدفع يؤدي إلى نقصان الإيراد" يقول: "السبب في ذلك أنَّ الدولة والسلطان هما السوق الأعظم في العالم... إذا حجب السلطان البضائع والأموال والإيراد، أو فقدت فلم يصرفها في مصارفها قلَّ حينئذ ما بأيدي الحاشية والحامية، وقلَّت نفقاتهم، وهم معظم المشترين (السواد) وهجرت الأسواق (يقع الكساد) وتضعف أرباح المنتجات، فتقل الجبايات لأنَّ الجبايات والضرائب تأتي من الزراعة والتجارة والتبادل التجاري الجيد والمعاملات التجارية، وطلب الناس للفوائد والأرباح، ووبال ذلك عائد على الدولة بالنقص لقلة الجبايات الناتجة عن نقصان ثروة الحاكم أو الدولة... فالمال إنَّما هو متردد بين الحاكم والرعية منه إليهم ومنهم إليه، فإذا منعه (حبسه عنده) فقدته الرعية".

فهنا نجد ابن خلدون قد اعتبر الدولة هي السوق الأعظم أو قوة إنتاجية أو سوق منتجة، فإن كسدت وقلَّت مصارفها لحِقَ الكساد بقية السوق، وما توصل إليه ابن خلدون في هذا يعتبر اليوم من مفاخر علم الاقتصاد.

فقد اعتبر الدولة منتجة بحمايتها لمصادر الإنتاج، وتأخذ الضرائب مقابل حمايتها لهذه الثروات، ويرى أنَّ قلة الضرائب تؤدي إلى زيادة الاعتماد لتزايد الاغتباط بقلة المغرم، وبزيادة الضرائب يحدث العكس.

نظرية القيمة والأثمان عند ابن خلدون:
لقد سبق ابن خلدون آدم سميث في وضع أسس نظرية القيمة والأثمان وهي من أدق الأمور في الاقتصاد، وبذلك يعد ابن خلدون رائدًا عظيمًا في علم الاقتصاد.

نظرية النقود عند ابن خلدون:

للنقود في نظر ابن خلدون خاصية ترتبت عليها وظيفتان: أمَّا الخاصية فهي الثبات النقدي.

وأمَّا الوظيفتان فهما: اتخاذ النقود أداة مبادلة، وفي الوقت نفسه اتخاذها أداة ادخار.

وفي الإشارة إلى خاصية الثبات النقدي، يقول: "وإن اقتنى سواهما -أي الذهب والفضة- في بعض الأحيان، فإنَّما هو لقصد تحصيلهما بما يقع في غيرهما من حوالة الأسواق التي هما عنها بمعزل".

ثُمَّ هي أداة مبادلة عند ابن خلدون لأنَّها "قيمة لكل متمول"، أو "مستودع القيمة"، وإلاَّ لم يحصل أحد من اقتنائها على شيء، وهي عنده أيضًا أداة ادخار حيث يقول: "إنَّ الذهب والفضة هما الذخيرة والقنية لأهل العالم غالبًا...".

وممَّا لاشك فيه أنَّ ظاهرة الثبات النقدي كانت السبب الأول في صيرورة الذهب والفضة مستودع القيمة، وفي اتخاذها أداة للادخَّار والمبادلة.

وكون الذهب والفضة بمعزل عن حوالة الأسواق التي تحدث لغيرهما عند ابن خلدون يرجع إلى أنَّ الإنتاج منهما ليس مضمونًا، حيثُ إنَّ نتيجة استغلال أي منجم منهما تخضع لعدة عوامل مختلفة، حتى أنَّ النتيجة قد تكون معاكسة، ومن ثَمَّ فقد كان للطابع الاحتمالي للإنتاج، بالإضافة إلى ضآلة القدر المنتج بالفعل بالنسبة للموجود في الأسواق، الأثر الكبير في جعل عرض الذهب والفضة في الأسواق يكاد يكون ثابتًا بصورة منتظمة دائمًا.

العلاقة بين النقود وبين القدرة الإنتاجية للدولة عند ابن خلدون:
لقد اكتشف ابن خلدون أنَّ قوة الدولة وتقدمها العمراني "الحضاري" لا يُقاس بمقدار ما يتوافر لها من معادن كالذهب والفضة، وإنَّما يكون نتيجة لقدرتها على الإنتاج الذي يجلب لها الذهب والفضة، فيقول: "إنَّ الأموال من الذهب والفضة، والجواهر والأمتعة، إنَّما هي معادن ومكاسب كالحديد والنحاس والرصاص، وسائر العقارات والمعادن، والعمران يظهرها بالأعمال الإنسانية، ويزيد فيها أو ينقصها، وما يوجد منها بأيدي الناس فهو متناقل متوارث، وربما انتقل من قُطرٍ إلى قُطر، ومن دولة إلى دولة أخرى بحسب أغراضه، والعمران الذي يستدعى له، فالنقود يوفرها أو ينقصها العُمران".

ويضرب مثلاً لذلك: "أقطار المشرق مثل: مصر والشَّام وعراق العجم والهند والصين، وناحية الشمال، وأقطار ما وراء البحر الرومي لما كثر عمرانها، كيف كثر المال فيها وعظمت دولها، وتعددت مدنها وحواضرها، وعظمت متاجرها وأحوالها... فإنَّه يبلغنا في باب الغنى والرفاهية غرائب تسير الركبان بحديثها، وربما تتلقى بالإنكار، ويحسب من يسمعها من العامة أنَّ ذلك لزيادة أموالهم، أو لأنَّ المعادن الذهبية والفضية أكثر بأرضهم، أو لأنَّ ذهب الأقدمين من الأمم استأثروا به دون غيرهم، وليس كذلك، فمعدن الذهب إنَّما هو من بلاد السودان، وجميع ما في أرضهم من البضاعة، فإنَّما يجلبونه إلى غير بلادهم للتجارة، فلو كان المال عتيدًا موفورًا لديهم لما جلبوا بضائعهم إلى سواهم يبتغون بها الأموال، ولاستغنوا عن أموال الناس بالجملة".

وهذا الكلام من ابن خلدون في توضيح العلاقة بين كمية النقود وبين القدرة الإنتاجية في الدولة، وأثر هذه القدرة على عمرانها يوضح مدى تفوق ابن خلدون على التجاريين في تحليل وظيفة النقود، كما يظهر أيضًا تفوقه على آدم سميث الذي كان يرى أنَّ التجارة الخارجية إنَّما هي تصريف الفائض عن الاستهلاك المحلي، حيث بيَّن ابن خلدون أنَّها تكون لتبادل المنفعة وللحصول على الذهب والفضة ابتغاء الحصول بهما على السلع الأخرى.

العلاقة بين الرخاء وبين سرعة تداول النقود في نظرية ابن خلدون:
يرى ابن خلدون أنَّ النقود يوفرها أو ينقصها العمران، فالعمران بما يحققه من رخاء نتيجة للنقود التي يجلبها للبلاد الغنية يؤدي إلى سرعة تداول النقود، وكثرة التعامل فينتج عن ذلك ارتفاع كمية النقود المتبادلة، فهو يقول: "إنَّ المصر يؤدي إلى كثرة التعامل، واستفحال العمران وتأثر الثروات الكبيرة" كما يقول: "إنَّ العمران يظهر النقود بالأعمال الإنسانية، ويزيد فيها أو ينقصها".

وهكذا يقرر ابن خلدون أهمية سرعة التداول للمال وأثرها على: زيادة العمران، وزيادة الأموال بينهما، بينما يحل الكساد إذا كان هناك إبطاء في حركة التداول.

الاحتكار عند ابن خلدون:
تحدث ابن خلدون عن الاحتكار، وبيَّن أنَّه أعظم ألوان الظلم الذي يؤدي إلى إفساد العمران والدولة، وعرَّفه بأنه التسلط على أموال الناس بشراء ما بين أموالهم بأبخس الأثمان، ثُمَّ فرض البضائع عليهم بأعلى الأثمان على وهم الغصب والإكراه في الشراء والبيع، وبيَّن أنَّ نتيجة ذلك يؤدي إلى كساد الأسواق، وتوقف معاش الرعايا، وبيَّن سبب لجوء الدولة أو السلطان إلى الاحتكار هو حاجتهما إلى الإكثار من المال بأخذهم بأسباب الترف، فتكثر نفقاتهم، فيرفعون الجبايات، ولا يزال الترف يزيد والجبايات تزيد وتشتد حاجة الدولة إلى المال فتدخل في مزاحمة الناس في نشاطاتهم الاقتصادية وتجنح للاحتكار.

حكم الشرع للاحتكار:
وبيَّن ابن خلدون حكم الشرع للاحتكار بتحريمه، وقد استند في ذلك على قول النبي صلى الله عليه وسلم «المحتكر عاص وملعون»، وذلك لرفع الضر عن الناس ووقايتهم من المحتكرين في حبس الأقوات وغيرها من ضروريات الحياة.

نظرية (تجارة السلطان مضرة للرعايا مفسدة للجباية) عند ابن خلدون:
وقبل أن أشرح هذه النظرية، وتطبيقها على بعض أنظمة الحكم المعاصرة أريد أن أوضح للقارئ الكريم معنى "السلطان"، و"الجباية" وفق المفهوم المعاصر، فالسلطان يُفهم منه السلطان الحاكم، ويُفهم منه أيضًا نظام الحكم أو الحكومة.

أمَّا الجباية، فهي دخل الدولة من الأموال أو ميزانيتها طبقًا لاصطلاح عصرنا.

لقد جرى بعض الحكَّام في الماضي، وفي الحاضر غير البعيد على الاتجار وممارسة الزراعة -وبعضهم في وقتنا الحالي يتاجر في البترول مثل الرئيس الأمريكي السابق "جورج بوش"؛ إذ يملك شركات للبترول- ويذكر ابن خلدون ذلك في مقام محاولة السلطان تعويض النقص في جبايته، فيعمد حينًا إلى فرض المكوس على مبيعات التجار للرعايا وعلى الأسواق، أو بزيادة المكوس إذ كانت قد استحدثت من قبل، أو بمقاسمة العمال والجباة، وامتكاك (أي امتصاص) عظامهم طبقًا لعبارة ابن خلدون،وأخيرًا يعمد السلطان إلى ممارسة التجارة والزراعة، وهو ما لا يجمل به، ولا يستقيم معه رخاء الدولة ومصالح الرعية، ولا الوفاء بما يحتاج إليه بيت المال.

ويدين ابن خلدون هذا السلوك من قِبَل الحاكم ويُقبِّحه، ويقرر أنَّه "غلط عظيم وإدخال الضرر على الرعايا من وجوه متعددة"، نلخصها لكم عما أورده ابن خلدون في الآتي:

- مضايقة الرعايا من الفلاَّحين والتجار لعدم التكافؤ بين رأس مال السلطان، ورؤوس أموالهم المحدودة مما يدخل على النفوس من ذلك غم ونكد.
- لا يجد السلطان من يناقشه في شرائه فيبخس الأثمان على من يشتري منهم.
- كما يقوم بإرغام التجار على شراء غلاَّته من زرع وخلافه، وغالبًا ما تبقى تلك البضائع بأيديهم فترة طويلة تحسبًا لتحسن السوق، فإذا دعتهم الضرورة إلى شيء من المال باعوا تلك السلع بأبخس ثمن، ويستطرد ابن خلدون في سياق هذا المقام قائلاً: "وربما يتكرر ذلك على التاجر والفلاح منهم بما يذهب رأس ماله فيقعد عن سوقه، فإذا انقبض الفلاَّحون عن الفلاحة وقعد التجار عن التجارة ذهبت الجباية جملة، أو دخلها النقص المتفاحش".
- نلاحظ أنَّ ابن خلدون لم يذكر الصناعة لأنَّها كانت آنذاك بدائية، وليست كما هي اليوم، إذ يُسهم بعض الحكام في ممارستها ويعمد البعض الآخر إلى مصادرتها ومصادرة أرض الفلاحة، وتحريم التجارة على الرعايا، وما يترتب على ذلك من قلة الجباية، وقيام الدولة بالاستدانة التي تعرضها للإفلاس.

وهذا يبيِّن لنا مدى بعد نظر ابن خلدون، حيث جاء زمن سيطرت بعض أنظمة الحكم على كل شيء، ومنع الناس من حرية البيع والشراء، وتثمير أموالهم، فكانت حال بعض الدول المعاصرة من الفقر والضنك والاستدانة، ويؤكد ابن خلدون على التنبيه إلى الخطر الناجم عن هذا السلوك فيما يشبه الزجر قائلاً: "فافهم ذلك".

والحقيقة أنَّ ابن خلدون، وهو يعرض نظريته هذه لم يكن مستوحيًا إياها من استقرائه التاريخ وحسب، ولا من واقع عاشه، وكوارث شهدها، وتجارب خاضها فقط، وإنَّما كانت حادثة بعينها ناضحة على فكره منسربة من أعماقه، تلك الحادثة هي وقفة عمر بن الخطَّاب من أبي بكر الصديق رضي الله عنهما حين ولي أبو بكر أمر المسلمين بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، فقد أصبح أبو بكر ذات يوم، وقد صار خليفة وعلى ساعده أبراد -أي أثواب مخططة- يذهب بها إلى السوق، فلقيه الفاروق عمر وسأله: أين تُريد؟ فقال الخليفة :إلى السوق، قال: تصنع ماذا، وقد وُلِّيت أمر المسلمين؟ قال أبو بكر: فمن أين أُطعم عيالي؟ فصحبه عمر، وذهبا إلى أبي عبيدة أمين بيت مال المسلمين ليفرض له قوته وقوت عياله،ففرض له ستة آلاف درهم في العام.

إنَّ ما يصدر عن عمر وأبي بكر وأبي عبيدة يعتبر تشريعًا إسلاميًّا أصيلاً، فثلاثتهم من كبار الصحابة وأعلامهم، وهم في مقدمة حواريي رسول صلى الله، فهذه الحادثة تحتاج منا إلى وقفة تأمل طويلة للاستفادة منها،والتي تؤكد لنا أنَّ اتجار السلطان -شخصًا كان أو نظامًا- محرَّم في الإسلام قد بيَّن ابن خلدون أسباب تحريمها فيما سبق ذكره.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما الحل إذن، إن كان الإسلام يُحرِّم اتجار السلطان أو النظام الحاكم، فكيف ينمو دخل الدولة؟

لم يفت على ابن خلدون إيراد الحل والذي يتلخص في هذه العبارة: "إنَّ أوَّل ما ينمي الجباية ويثريها ويديم نماءها إنَّما يكون بالعدل في أهل الأموال والنظر لهم بذلك، فبذلك تنبسط آمالهم، وتنشرح صدورهم للأخذ في تثمير الأموال وتنميتها، فتعظم منها جباية السلطان".

ومفهوم العدل في أهل الأموال عند ابن خلدون هو تأمين أموال الناس، وعدم مصادرتها، وإفساح المجال أمامهم للنشاط التجاري والزراعي والإنتاج، وعدم الغلو في فرض المكوس، ومراقبة السلطان لأنصاره وحاشيته من مضايقة أصحاب النشاط الاقتصادي، وكأنَّما يريد ابن خلدون أن يُنبِّه إلى القاعدة الاقتصادية الحديثة التي فحواها أنَّ رأس المال حسَّاس، وينشط حيثُ العدل والأمن والاستقرار، ويهرب ويختفي حيثُ الظُّلم والفساد والفوضى والمصادرات.

وثاني ما ينمي دخل الدولة (الجباية) بمعنى أن يمتنع السلطان عن التجارة والفلاحة، وعن منافسة العاملين بها في أنشطتهم وحركتهم.

كما ينبه ابن خلدون إلى مخاطر أخرى تؤدي إلى فساد الرعية واضطراب أحوالهم وهو ما يقوم به بعض ذوي النفوذ، ويسميهم بالمتغلبين الذين يشترون السلع والغلاَّت من الواردين على بلدهم، ثُمَّ يفرضون لها من الأثمان المجحفة ما يشاءون، وهو ما يشبه في هذه الأيام أصحاب الوكالات الحصرية الذين يتمتعون بنفوذ اقتصادي واجتماعي نتيجة للدعم السياسي الذي يحصلون عليه سواءً من داخل بلدانهم أم من خارج بلدانهم بواسطة ضغوط مختلفة تمارس على الدولة لإطلاق يد هذا الكفيل أو ذاك.

وهناك من التجَّار والفلاَّحين من لهم مداخلة مع السلطان، وهؤلاء يحملونه على التجارة والزراعة، فيحصل في غرضه من جمع المال في وقت قصير، وخاصةً أنَّه لن يتعرَّض للمغارم أو المكوس، ولكن ذلك يعود على السلطان بضرر كبير يتمثل في نقص جبايته، وفي هذا يعمد ابن خلدون إلى تحذير السلطان من هؤلاء المنتفعين ووجوب الإعراض عن سعايتهم المضرة بجبايته وسلطانه، ويشبه هذا النشاط التجاري والصناعي الذي يقوم به الحكام والمسئولين هذه الأيام بأسماء مستعارة أو بواجهات تجارية معروفة.

المصدر: موقع التاريخ، بتصرف، نقلاً عن مجلة المنار الأعداد 75، 76، 77، 1424هـ.

Related Posts islamstory...

تعليقات القراء