نظرية الدولة عند ابن خلدون

يعتبر عبد الرحمن بن خلدون من الشخصيات الإسلامية الفذة في العصور الوسيطة، وهو مغربي الميلاد والنشأة والثقافة، فقد ولد في تونس سنة 732هـ (1332م)، وأقام في المغرب حتى عام 784هـ، حيث انتقل إلى مصر، ومكث بها ما يناهز ربع قرن ( 784 - 808هـ)، حيث توفي ودفن في مقابرها سنة 1406م.

لقد كانت شخصية ابن خلدون ولا تزال جذابة من كل جوانبها، ولكن جانبيْن اثنيْن منها قد جذبا أنظار القدامى والمحدثين من الباحثين، وهما الجانب الفكري والثقافي، والجانب السياسي. وتتميز نظرياته بأنَّها على الغالب صالحة لكل زمان ومكان لأنَّها مستقاة من القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، فهذا المؤرخ العلامة حفظ أول ما حفظ القرآن الكريم، ثُمَّ الحديث النبوي الشريف، ودرس التفسير والفقه، واللغة العربية والأدب، ثُمَّ غاص في أعماق معاني القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، واستقى منهما نظرياته في العمران، والدولة والاقتصاد، والتاريخ، والتربية، وعلم الاجتماع، كما نجد في نظريات ابن خلدون السياسية والاقتصادية والاجتماعية، طريقًا نستدل بها على الطرق المثلى للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تسعى إليه حكوماتنا وشعوبنا.

يرصد لنا ابن خلدون كافة خبراته وإمكاناته العلمية والعملية ليقدم لنا دراسة جديدة عملية تنطبق فيها فكرة التاريخ الجديد على المجتمعات البشرية، وفي هذه الدراسة تنطبق على الدولة، فالشريحة أو النموذج الذي طبَّق عليه ابن خلدون قوانينه العامة وآراءه العامة كانت على الدولة الإسلامية، هذا التطبيق لم يخل من تجربة ابن خلدون العملية للحياة العملية من تدرجه في المناصب السياسية، كل هذا أثَّر بشكل مباشر وغير مباشر على أفكاره السياسية، وعلى إعماله لهذه الأفكار تطبيقًا على الدولة الإسلامية بوحداتها السياسية المختلفة ومستوياتها الثقافية المتنوعة.

وابن خلدون يمثل نقطة تحول في كتابة التاريخ الإنساني، وفي تأسيسه لعلم الاجتماع، ومن الظلم أن نقارنه بمفكري أوربا في عصر النهضة كدانتي مثلاً، فإن كان دانتي قد هزَّ الفكر الإنساني في أوربا، فإنَّ ابن خلدون قد هزَّ الفكر الإنساني العالمي ،لأنَّ ابن خلدون وضع خطة جديدة وآراء جديدة ،بل وضع قوانين جديدة يمكن تطبيقها، وتنسحب على كل المجتمعات البشرية، انطلاقًا من أنَّ الإنسان لا يعيش إلاَّ في مجتمع ،وإذا عاش في مجتمع، فلابد أن يعيش مع شعب، وإذا عاش مع شعب لابد أن يعيش على أرض، ولكي تظل العلاقة قائمة بين هؤلاء الناس أو القبائل أو الشعب، أو هذه المجموعة البشرية لابد من أن ينظمها حاكم، وأنواع الحاكم تدرجت من حاكم بسيط "شيخ قبيلة" إلى حاكم مطلق، استطاع أن يستخدم كل الوسائل التي هيأها له هذا التجمع البشري، أو هذا العمران، واستطاع أن يستغل هذا ويصبح هو الحاكم المطلق، وإذا أصبح حاكمًا مطلقًا استطاع أن يؤسس دولة، فإذا أسَّس الدولة التي طبَّق عليها ابن خلدون نظريته، مرَّت الدولة بمراحل مختلفة، هذه المراحل وجدت صحة في التطبيق عندما ننظر إلى أية دولة الآن نجد أنَّها تمر بنفس المراحل التي وضعها ابن خلدون في مقدمته.

ويقول ابن خلدون أنَّ هناك للدولة خمسة أطوار، وأربعة أجيال أسرية: فالأطوار (مرحلة البداية والتأسيس، توطيد الحاكم نفوذه إلى أن يصبح حاكمًا مطلقًا، يبعد نفسه عن عصبيته، يعتمد على المرتزقة في الدفاع عن الدولة، المرتزقة تقضي على الملك).

تعريف ابن خلدون للدولة:
يُعرِّف ابن خلدون الدولة بأنَّها "كائن حي له طبيعته الخاصة به، ويحكمها قانون السببية، وهي مؤسسة بشرية طبيعية وضرورية، وهي أيضًا وحدة سياسية واجتماعية لا يمكن أن تقوم الحضارة إلاَّ بها".

قانون السببية عند ابن خلدون:
مفاده أنَّ الوقائع الاجتماعية والأحداث التاريخية خاضعة للحتمية، وليست بفعل المصادفة لارتباط الأسباب بالمسببات، والسبب عند ابن خلدون النظر في الأسباب، كما استخدمها القرآن الكريم للوصول إلى الحكم دون البحث في ماهية الشيء أو وجوده، كما يفعل الفلاسفة الذين يبحثون في ماهية الله، وهذا منهي عنه في الإسلام.

قانون التشابه عند ابن خلدون:
هو التشابه بين الماضي والحاضر، وأنَّ المجتمعات البشرية تتشابه من بعض الوجوه، ويرجع هذا التشابه إلى :
1- الوحدة العقلية للجنس البشري.
2- ميل الإنسان إلى التقليد، ويتجلى هذا التقليد في:
أ- تقليد الناس لأصحاب السلطة.
ب- تقليد أصحاب السلطة لأصحاب السلطة السابقة.
ج- أنَّ المغلوبين أصحاب الدولة التي زالت وانتهت يقلِّدون أصحاب الدولة الجديدة.
والتقليد عند ابن خلدون قانون عام يدفع بحركة التطور إلى الأمام ،لأنَّ التقليد يكون للأفضل.

قانون التباين عند ابن خلدون:
يرى ابن خلدون أنَّ المجتمعات ليست متماثلة بصفة مطلقة، بل توجد بينها فروق يجب أن يلاحظها المؤرخ، ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض المؤرخين عدم إدراكهم لهذه الفروق.

ضرورة الدولة عند ابن خلدون:
يرى ابن خلدون أنَّ حاجة الإنسان للغذاء والكساء والمأوى والدفاع عن النفس هي التي تدفعه إلى الانتظام في مجتمع إنساني، فالإنسان لا يستطيع أن يسد حاجته للغذاء بمفرده،لأنَّ ذلك يتطلب أعمالاً كثيرة لا يستطيع أن يقوم بها بمفرده ،فلابد من تعاونه مع رفاقه.

والإنسان معرض للخطر ليس من جانب الحيوانات المفترسة فحسب، بل من جانب أخيه الإنسان، لذا لا بدّ من وجود سلطة تحول دون اعتداء الناس بعضهم على البعض الآخر، وهذا ما أسماه ابن خلدون بـ "الوازع"، أو "وازع حاكم"، وعبَّر عنها المستشرق "أرين روزنتال2" بـ "السلطة الرادعة"، ولها القوة الرادعة في منع الناس من قتل أو إيذاء بعضهم البعض؛ حيث أنَّ العداوة والعنف سائدتان في طبيعتهم الحيوانية ،وهذه السلطة تكون في يد الملك أو السلطان.

أسس الدولة عند ابن خلدون:
ويرى ابن خلدون أنَّ الدولة لا تقوم إلاَّ على أساسيْن:

أولهما: الشوكة والعصبية المعبر عنهما بالجند.
وثانيهما: المال الذي هو قوام أولئك الجند، وإقامة ما يحتاج إليه الملك من الأحوال.

فالدولة في أولها تكون بدوية؛ حيث يكون الإنفاق معقولاً، ولذا يكون هناك إمعان في الجباية والإسراف، وإذا عظم المال انتشر الترف الذي يؤدي إلى انهيار الدولة، فإنَّ نفقات السلطان وأصحاب الدولة تتضاعف، وينتشر الإسراف بين الرعايا، وتمتد أيديهم إلى أموال الدولة من جهة، ومن جهة أخرى يبدأ الجند في التجاسر على السلطة، فيضطر السلطان إلى مضاعفة الضرائب، فيختل اقتصاد البلاد، ولكن الجباية مقدارها محدود، كما لا يستطيع رفع الضرائب إلى ما لا نهاية، ولذا يضطر إلى الاستغناء عن عدد من الجند حتى يوفر مرتباتهم، فتضعف حمايته، وتتجاسر عليه الدول المجاورة أو القبائل التي ما تزال محتفظة بعصبيتها.

مفهوم العصبية عند ابن خلدون:
إنَّ العصبية عند ابن خلدون لا تشمل أبناء الأسرة الواحدة الذين تربطهم بعضهم بالبعض الآخر صلة الرحم فحسب، بل هي تتسع لتشمل أهل الولاء والحلف، وفي مواقع أخرى نجد ابن خلدون يضم الرق والمرتزقة، وهم من يُطلق عليهم اسم "المصطنعين إلى العصبية"، أمَّا النسب فيعتبره أمر وهمي فائدته هو الترابط الذي يوجده، وبهذا يكون معنى العصبية عند ابن خلدون مرادف لمفهوم العصبية، وبهذا لم يخرج عن المفهوم الإسلامي الذي نبذ العصبية القبلية.

أنظمة الحكم عند ابن خلدون:
لقد حدَّد ابن خلدون أنظمة الحكم بثلاث هي:
1- حكم يستند إلى شرع الله "الخلافة".
2- سياسة عقلية، وهي تضطلع بمصالح الدنيا فقط ،واستشهد بحكومة الفرس.
3- سياسة مدنية، وهي مثالية مفترضة مثل المدن الفاضلة عند الفلاسفة، وهي بعيدة الوقوع.

ويقرر ابن خلدون في صراحة كاملة أنَّ الحكومة التي يجب أن تسوس شئون مجتمع العمران، هي الحكومة الإسلامية لما فيها من حفاظ على مصالح الناس في دنياهم وسلامة مصيرهم في آخرتهم، فيقول: "والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي على مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ ترجع أحوال الدنيا كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عند صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به".

ويبين ابن خلدون أنَّ وظيفة الخلافة دينية اجتماعية سياسية، وذمَّ الملك القائم على العصبية، لأنَّه يؤدي إلى القهر، ورفض المُلك القائم على السياسة وحدها لأنَّه مجرد من الصبغة الدينية التي نظَّمتها شريعة السماء في حراسة نور الله، ويستشهد ابن خلدون بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف ،فيذكر قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّما هي أعمالكم تُرد إليكم».

وبيَّن ابن خلدون سبب تسمية الخليفة بذلك بأنَّه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنَّ الإنسان خليفة الله في الأرض لقوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، فالله جعل الخليفة نائبًا عنه في القيام بأمور عباده ليحملهم على مصالحهم ،ويردهم عن مضارهم.

وبذلك يتفق مع الإمام الماوردي في توصيف الخلافة بأنَّها موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع.

نظرية الدولة عند ابن خلدون:
لقد نظر ابن خلدون للدولة على أنَّها كائن حي يولد وينمو، ثُمَّ يهرم ليفنى، فللدولة عمر مثلها مثل الكائن الحي تمامًا، وقد حدَّد ابن خلدون عمر الدولة بمائة وعشرين عامًا، لأنَّه يرى أنَّ العمر الطبيعي للأشخاص كما زعم الأطباء والمنجمون مائة وعشرين عامًا، ولا تعدو الدول في الغالب هذا العمر إلاّ إن عرض لها عارض آخر من فقدان المطالب، مستشهدًا بقوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34]، وذكر أنَّها تتكون من ثلاثة أجيال كل جيل عمره أربعون سنة، وذلك لأنَّه اعتبر متوسط عمر الشخص أربعين سنة، حيث يبلغ النضج إلى غايته مستشهدًا بقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [الأحقاف: 15].

ولهذا بيَّن أنَّ متوسط عمر الشخص الواحد هو عمر الجيل، ويؤيد ذلك في حكمة التيه الذي وقع لبني إسرائيل في أربعين سنة، والمقصود بالأربعين سنة فيه فناء الجيل لإحياء ونشأة جيل آخر لم يعهد الذل ولا عرفه.

وقد ضرب ابن خلدون أمثلة لأعمار الدولة على بعض الدول مثل: (المرابطين، والموحدين، والمرينيين في المغرب، وملوك الطوائف في الأندلس، والحمدانيين في حلب).

أجيال الدولة عند ابن خلدون:
الجيل الأول: يعيش في الريف والبوادي حياة بدوية خشنة بعيدة عن الترف، وتتميز بقوة العصبية والبسالة والافتراس "العنف"، والاشتراك في المجد، ويكون جانبهم مرهوب، والناس لهم غالبون.

الجيل الثاني: هو الذي يتحقق على يديه الملك ويؤسس الدولة، وفيه ينتقل من البداوة إلى الحضارة، ومن سكنى البوادي والريف إلى المدن، ومن شظف العيش إلى ترفه، ومن الاشتراك في المجد إلى انفراد الواحد به، وكسل الباقين عن السعي فيه، ومن عز الاستطالة إلى ذل الاستكانة، وتنكسر فيه سورة العصبية بعض الشيء، ويعيش على ذكريات الجيل الأول.

الجيل الثالث: ينسون عهد البداوة والخشونة كأنَّها لم تكن، ويفقدون حلاوة العز والعصبية، بما فيهم من ملكه القهر، ويبلغ فيهم الترف غايته، ويصيرون فيه عيالاً على الدولة، وينسون الحماية والمدافعة والمطالبة، وتسقط العصبية تمامًا، ويضطر صاحب الدولة إلى الاستظهار بسواهم من أهل النجدة، ويستكثر بالموالي.

الجيل الرابع: لا يكاد يذكره لأنَّه فقد الاحترام والسلطة.

أطوار الدولة عند ابن خلدون:
الطور الأول: هو طور التأسيس، وفيه يكون السلطان جديد العهد بالملك، لذا فهو لا يستغني عن العصبية، وإنَّما يعتمد عليها لإرساء قواعد ملكه، فيكون الحكم في هذه المرحلة مشتركًا نوعًا ما بين الملك وبين قومه وعشيرته، ويتميز هذا الطور ببداوة المعيشة ،وبانخفاض مستواها ،فلم يعرف الغزاة الجدد بعد الترف.ويشترك الجميع في الدفاع عن الدولة لوجود الشجاعة والقوة البدنية.

الطور الثاني: هو الانفراد بالملك، ويرى ابن خلدون أنَّ الانفراد بالسلطة ميل طبيعي وفطري لدى البشر، ولذا فإنَّ السلطان عندما يرى ملكه قد استقر يعمل على قمع العصبية، كما يعمل على الانفراد بالحكم، واستبعاد أهل عصبيته من ممارسة الحكم، وعندئذ يتحول من رئيس عصبية إلى ملك.وقد يفعل ذلك أوَّل من أسَّس الدولة، وقد لا يفعل، فلا تدخل الدولة في هذا الطور الثاني إلاَّ مع ثاني زعيم أو ثالث، ويتوقف ذلك على قوة صمود العصبية.

ويضطر السلطان إلى الاستعانة بالموالي للتغلب على أصحاب العصبية، أي أنَّه يبدأ في هذه المرحلة الاعتماد على جيش منظم من أجل المحافظة على المُلك.

الطور الثالث: وهو طور الفراغ والدعة: وفي هذا الطور يتم تحصيل ثمرات الملك وتخليد الآثار وبُعد الصيت، فالدولة في هذا الطور تبلغ قمة قوتها، ويتفرغ السلطان لشئون الجباية، وإحصاء النفقات والقصد فيها، ولتخليد ملكه بأن يبني المباني العظيمة الشاهدة على عظمته، وفي هذه المرحلة يستمتع الجميع: السلطان بمجده، وحاشيته بما يغدقه عليها السلطان.

الطور الرابع: هو طور القنوع والمسالمة: وفي هذا الطور يكون صاحب الدولة قانعًا بما بناه أسلافه مقلدًا لهم قدر ما يستطيع، والدولة في هذه المرحلة تكون في حالة تجمد فلا شيء جديد يحدث، وتغير يطرأ، كأن الدولة تنتظر بداية النهاية.

الطور الخامس: هو طور الإسراف والتبذير، ويكون صاحب الدولة في هذا الدور متلفًا لما جمعه أسلافه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته، فيكون مخربًا لما كان سلفه يؤسسون، وهادمًا لما كانوا يبنون.

وفي هذا الطور تحصل في الدولة طبيعة الهرم، ويستولي عليها المرض المزمن الذي لا برء منه إلى أن تنقرض.

ويرى ابن خلدون أنَّ بداية انحلال الدولة يرجع إلى عنصرين هما: انحلال العصبية، والانحلال المالي نتيجة تبذير السلطان، ولهذا تنهار الدولة سياسيًا واقتصاديًا.

الأسس الإسلامية في نظرية الدولة عند ابن خلدون:
بنى ابن خلدون نظريته على أنَّ للدولة أعمارًا مثل أعمار البشر على الأسس القرآنية، فالقرآن الكريم ينص على أنَّ للدولة أعمارًا ينتهي كيانها بنهايتها ،ثُمَّ تخلفها دولاً أخرى أكثر نظامًا ،وأشد قوة ،وأوفر صلاحًا، من ذلك قوله تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الأنبياء: 11]، والقرية هنا -وفي آيات أخرى- هي الدولة أو الدول، والقرية الظالمة هنا هي الدولة الفاسدة ،فالظلم هو أشد ألوان الفساد.

والمرحلة الثانية في حياة الدولة، وعمرها هي مرحلة القوة والنماء ،ورغد العيش ،ولين الحياة مع الحفاظ على نعم الله ،والامتثال لأوامره ونواهيه ،وهذه المرحلة تستمد من الآية الكريمة {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112]، فإذا مالت إلى البطر والظلم انتهى الأمر بها إلى الانحلال والضياع فتدخل في المرحلة الثالثة ،وهي مرحلة السقوط، ويتمثل ذلك في الآية الكريمة: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} [الكهف: 59].

على هذه الأسس القرآنية استمد ابن خلدون هذه الأطوار الثلاثة، وهي طور النشأة والميلاد، وطور القوة والارتقاء، وطور التفتت والسقوط، أمَّا الطور الثاني في الدولة عند ابن خلدون، فهو مرحلة انتقالية للطور الثالث، والطور الرابع مرحلة انتقالية للطور الخامس، وقد استمد هذين الطورين من الواقع التاريخي للعالم الإسلامي، ومن القرآن الكريم استقى فصله بعنوان "الظلم مؤذن بخراب العمران".

أمثلة أطوار الدولة من واقع الدولة الإسلامية عند ابن خلدون:
طور التأسيس: وقد ضرب ابن خلدون مثلاً بالدولة الإسلامية في طور تأسيسها، وهو عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وعهد الخلفاء الراشدين، والذي قضى فيه الإسلام على العصبية القبلية القائمة على التفاخر بالآباء والأنساب ،وحلَّ محلها الأخوة في الدين لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]، وقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، فآخى بين الأوس والخزرج وسمَّاهم بالأنصار، وآخى بينهم وبين المهاجرين.

وبعد وفاة الرسول صلى الله عليهم وسلم قامت الخلافة ولم يقم ملك، وكانوا محافظين على حياة البداوة من خشونة العيش والبعد عن الترف بالرغم من أنَّ المال الذي جاءهم من فتوحات الشام والعراق وفارس لا يحصر، وقد بلغ نصيب الفارس الواحد في بعض الغزوات ثلاثين ألفًا من الذهب، ومع ذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرقع ثوبه بالجلد، وبالرغم ممَّا جاءهم من مال حلال من الفيء والغنائم ،لم يكن يصرفهم فيها بإسراف، وإنَّما كانوا على قصد في أحوالهم.

ولما وقعت الفتنة بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، وهي مقتضى العصبية كان طريقهم فيها الحق والاجتهاد، ولم يكونوا في محاربتهم لغرض دنيوي أو لإيثار باطل على حق، وإنَّما اختلف اجتهادهم في الحق واقتتلوا عليه، وإن كان المُصيب عليًا كرَّم الله وجهه، فلم يكن معاوية رضي الله عنه قائمًا فيها بقصد الباطل، وإنَّما قصد الحق وأخطأ.

طور الانفراد بالمجد: يمثله قيام الدولة الأموية إلى سقوط الدولة العباسية: كان خلفاء بني أمية يسيرون على الحق حتى نهاية عصر عمر بن عبد العزيز، ثُمَّ بعد ذلك استعمل خلفاؤهم طبيعة الملك في أغراضهم الدنيوية، ونسوا ما كان عليه سلفهم من تحري القصد فيها واعتماد الحق، فانصرف الناس عنهم وأيَّدوا الدعوة العباسية، وصرف العباسيون الملك في وجوه الحق ما استطاعوا حتى جاء بنو هارون الرشيد فكان منهم الصالح ومنهم الطالح، ثُمّ أفضى الأمر إلى بنيهم، فأعطوا الملك والترف حقه، وانغمسوا في الدنيا وباطلها، ونبذوا الدين وراءهم فأذن الله بحربهم، وانتزاع الأمر من أيدي العرب جملة.

هذا ولو طبقنا باقي أطوار الدولة على الدولة الإسلامية في العصرين الأموي والعباسي نجد أنَّ الدولة الأموية لمَّا قرَّب بعض الخلفاء عرب الشمال "المضرية" على عرب الجنوب "القيسية" أصبح هناك تناحرًا بين العرب.

وفي عصر الدولة العباسية أدخل الموالي، وأدخل السودان والأتراك والصقالبة والأرمن، وعناصر أخرى كثيرة دخلت في الدولة الإسلامية، تناحرت هذه العناصر، كل يتعصب لبني جلدته، وكل يتعصب لتركيز سلطانه، وبذلك ضعف الخلفاء، وظهرت إمرة الأمراء، وأصبح الخليفة لا حول له ولا قوة، وقوي جند المرتزقة، واستولوا على كل ما في خزانة الدولة، وأصبح الخليفة يسترضي الجند المرتزقة لأنَّهم هم عدته وسلاحه بعد أن أبعد عصبيته، وأهله، فلمَّا تخْلو الخزينة، ويشغب الجند يصبح الخليفة لا قيمة له، ويمشي حافي القدميْن، وتُسمل عينه، ويمكن أن تصبح مدة وزارة شخص يوم أو ثلاثة أيام، أو شهر، وتضعف الدولة، وينقض عليها العداء من كل جانب، كما حدث مع المغول والصليبيين، وينقض المماليك على الحكم كما حدث في مصر ،ثُمّ بعد ذلك تنهار الدولة تمامًا.

والدرس الذي نستقيه من تاريخنا أنَّ أية دولة أيًا كانت تنهار من الدعة والترف.

المصدر: موقع التاريخ (بتصرف).

Related Posts islamstory...

تعليقات القراء