الإسلاميون ونقطة انضباط واجبة

لا يعني حديثي هذا إقراري بالمحاولات الخبيثة الحثيثة التي يقوم بها إعلام الفلول وتلاميذ أنس الفقي وصفوت الشريف لتحميل الإسلاميين وزر ما حدث في العباسية على مدار الأيام الماضية، ولكني أردت أن أرفع نقطة انضباط واجبة في وجه الإسلاميين؛ حتى يبصروا مواقع أقدامهم ووقع خطواتهم قبل أن تتفلت من بين أيديهم هذه الفرصة التاريخية من أجل إبراز وتنفيذ مشروعهم الحضاري.

إذ كشفت أحداث الأيام الماضية أن هناك خللاً لا بد أن يستدرك، فقد كانت الثورة المصرية مفاجئة للجميع بمن فيهم الإسلاميون، الذين فجأة وجدوا أنفسهم بلا قيد أو ضغط، وكان عليهم أن يستعدوا لمقتضيات مرحلة جديدة من الصراع السياسي طويلة الأمد، تستلزم أدوات وآليات تختلف اختلافًا كبيرًا عن متطلبات العمل السري الذي لجأت إليه الحركة الإسلامية قسرًا وغصبًا على مدار عقود متتالية..

ويأتي على رأس هذه الآليات المطلوبة تأسيس منابر إعلامية قوية، تتمكن من مخاطبة الرأي العام بحرفية ومهنية وتدفع غوائل إعلام الفلول، وكم بحّت الأصوات بعد الثورة من أجل التكاتف لإنجاز هذه المهمة! ولكن لا حياة لمن ينادي، وتركنا سمعة التيار الإسلامي يمرغها فلول نظام مبارك في الوحل عند أول مناسبة، وأحالوا الأكثرية الجماهيرية إلى أقلية منبوذة.

كما أن أحداث العباسية أعادت التأكيد على أهمية ضبط الحالة السائلة داخل الحركة الإسلامية، والتي تتمثل في شباب هائم على وجهه بلا ضابط سوى حماس متقد، قد يدفعه إلى التهور والوقوع في حماقات قد تأتي بالسلب على مجمل الإسلاميين، خاصة ونحن نعيش وسط أطراف شديدي الخصومة على استعداد لوضع الديمقراطية وكل قيم الحرية تحت أقدامهم، طالما أنها ستأتي بالإسلاميين. كما أن لديهم استعدادًا فطريًّا للتعاون مع أي مشروع ديكتاتوري قادم، فقد تلوثت فطرتهم وانتكست من طول تعاملهم مع نظام المخلوع المستبد، وللأسف فما زالت هذه الأطراف الملوثة تمتلك الكثير من أدوات الصراع السياسي، وخاصة المال "الحرام" الذي مكّنهم من تملك وسائل إعلام وشراء ذمم خربة.

لا يعني حديثي حجري على حق شباب الإسلاميين في التظاهر والاعتصام السلميين، فهذا حقهم، ولكن من حق بقية الحركة عليهم أن ينتصحوا إذا نصحوا، وينتبهوا إذا روجعوا، فقد حذرت مرجعيات كبيرة داخل الحركة هؤلاء الشباب قبل ذهابهم إلى محيط وزارة الدفاع، ولكنهم أصروا على رأيهم حتى تأزم الموقف، وتم ذبحهم بكل خسة وإجرام!!

وكان واضحًا أن هناك مَن يخطط لدفع الإسلاميين إلى دائرة العنف؛ لإعادة إنتاج مآسي الماضي وإدخالهم دائرة الحصار الأمني من جديد، والعقل الأمني المصري يمتلك خبرة كبيرة في هذا الملف، اكتسبها عبر عقود طويلة من الصراع والصدام مع قوى التيار الإسلامي، وهي خبرة يحرص الجهاز الأمني على نقلها من جيل إلى جيل، على عكس الإسلاميين الذين لا يريدون الاستفادة من تجارب الزمن القريب التي خسر فيها الإسلاميون الكثير؛ بسبب عدم القراءة السليمة للواقع، أو الاندفاع في مسلسل العنف والصدام والتي كانت تبدأ بحوادث فردية بسيطة، أو عدم تعامل جيد مع الأزمات آنذاك.

كما أن بعض الشيوخ المتصدرين للمشهد داخل الحركة الإسلامية يحتاجون إلى مزيد من الضبط والتروي؛ حتى لا تتحول كلماتهم إلى كرات لهب تحرق الأخضر واليابس، ويكتوي بها شباب غضّ الإهاب أسلم زمامه لهؤلاء الشيوخ.

لقد نجحت أنظمة القهر والاستبداد عبر عقود متتالية في الربط بين الإسلاميين والعنف، وهو ما يحاول إعلام الفلول تنشيطه من جديد؛ مما يفرض علينا أن نعيد التنبيه ونكرر التحذير حتى لا نُقاد إلى حيث يريدنا أعداؤنا، الذين يؤلمهم ما وصلت إليه الحركة الإسلامية بعد الثورة.

فانتبهوا أيها السادة.

المصدر: صحيفة المصريون.

تعليقات القراء