جروح نازفة
جروح نازفة
باتت الأمة ممزقة، وتكالب عليها الأعداء من كل حدب وصوب، وتناحرت في ما بينها وتنازعت، فصارت الجروح شتى في البلاد، والنزيف يتزايد بين العباد، وهذه بوابة تهتم بملفات المسلمين والبلاد الإسلامية في العالم، التي تنزف الجراح من احتلال المعتدين، أو خلافات المتناحرين، حروب وانقسامات، وتدمير وإرهاب.. كل ذلك في جروح نازفة.
ملخص المقال
الإسلام في الفلبين، مقال يتناول تاريخ دخول الإسلام الفلبين جنوب شرق آسيا وأهم الإمارات الإسلامية هناك في مورو كإمارة سولو
تعتبر الفلبين من أقدم الدول الآسيوية التي دخلها الإسلام على أيدي المسلمين العرب من التجار والدعاة.
فقد عرف العرب والمسلمون منذ القدم جزر الفلبين، وأطلقوا عليها اسم جزر المهراج كما جاء في كتاب مروج الذهب للمسعودي[1]، فالروايات التاريخية تذكر أن العرب قبل الإسلام كانوا يرتادون تلك البلاد للتجارة؛ فيبيعون أجمل منتجات الشرق التي تعود بالربح والكسب الوفير.
وبعد انتشار الإسلام أخذ هؤلاء التجار يجملون على عاتقهم –إلى جانب تجارتهم- الدعوة إلى الإسلام في كل مكان يحلون فيه، وتذكر الروايات أن وصول الإسلام إلى الفلبين كان حوالي سنة 270هـ/ 883م، عن طريق الدعاة الذين وصلوا إلى تلك الجهات، وفي سنة 390هـ/ 922م، هاجر من العراق ثلاثة من الدعاة وهم: محمد بن يحيى وأحمد بن عبد الله، ومحمد بن جعفر، واستشهد هؤلاء الثلاثة في سنة 313هـ/ 925م.
كما يروى أن الإسلام دخل الفلبين في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، من خلال التجار المسلمين من إندونيسيا والملايو، ويعتقد أن للحضارمة (التجار من حضر موت) دورا كبيرا في هذا الشأن.
ولمَّا وَجَد التجار المسلمين الأرض بكرًا وصالحة للدعوة بدأ الدعاة يَفِدون إليها، ثم انتقلوا إلى الجُزُر الوسطى في القرن الخامس، وبُني أوَّل مسجد في جُزُر سولو عام 679هـ، وازداد إقبال الناس على الإسلام، ورافق ذلك زيادة في قدوم الدعاة، وكان الدعاة والتجار عربًا وهنودًا وماليزيين وإندونيسيين، ولم يأتِ القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي حتى كانت الجُزُر كلها تحت سيطرة إمارات مسلمة، أشهرها في الشمال إمارة "رجا سليمان"، التي كانت قاعدتها في مانيلا عاصمة البلاد الحالية، وهذا رغم قلَّة أعداد المسلمين في الشمال، أما في الجنوب فكان الحُكَّام المحلِّيُّون من المسلمين أيضًا، ويَتْبَعون سلطنة "صولو أو سولو"[2].
ويقول المستشار علي جريشة: لم يغتصب الإسلام عذراء ماليزيا- الاسم الذي كان يطلقه المسلمون على الفلبين- إنما دخلها برضاها، ذلك ما يعترف به المؤرخون حتى الأسبان منهم والهولنديون، لكنهم يختلفون فيما وراء ذلك حول العامل الأساسي لانتشار الإسلام؟
حضارة إسلامية عامرة في الفلبين
ويذكر التاريخ أن الفلبين قامت فيها حضارة إسلامية عامرة منذ أكثر من ثمانية قرون، والآن يوجد هناك اليوم أكثر من 13 مليون نسمة من المسلمين، ينتشرون في 13 ولاية، ويتركز أغلبهم في المناطق الجنوبية، التي نشرت الإسلام وتعاليمه في كافة المناطق الفلبينية، كما قامت هناك العديد من الممالك الإسلامية التي دافعت عن جميع الجزر ضد غزوات وأطماع المستعمرين، وقد ساهمت هذه الممالك في تأصيل الوجود الإسلامي، والحفاظ على العقيدة والهوية الإسلامية.
الإمارات الإسلامية
وقد أكّدت الدراسات التاريخية أن الإمارات الإسلامية هناك قامت بدور مهم في إبلاغ دعوة الإسلام، وتجلية تعاليمه السمحة، وبيان مزاياه التشريعية، وسهولة تعاليمه الربانية، ومن أشهر هذه الممالك الإسلامية:
إمارة سولو أو صولو
وأول من أدخل الإسلام في صولو هو رجل عربي اسمه (كريم المخدوم[3])، حيث وصل إلى صولو سنة 782هـ/ 1380م، وزار كل جزر أرخبيل صولو، وأدخل الإسلام بين أهالي الجزر، ويقال إن ضريحه في جزيرة سيبوتو[4].
وبعد وفاة الشيخ كريم المخدوم برز على الساحة الشريف أبي بكر من نسل زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، حيث حط الشريف أبو بكر رحاله في صولو سنة 854هـ/1450م، قادما من إندونيسيا وبروناي.
ويرجع الفضل إلى الشريف أبي بكر في تنظيم أول حكومة إسلامية في سولو، تقوم قوانينها على أسس إسلامية، فتلقب بلفق السلطان، وأكثر من بناء المساجد وانتشار المظاهر الإسلامية، حتى صارت كلمة صولو أو سولو وصفا لكل شيء يتصل بالإسلام.
ولا تزال سولو إلى الآن أرضا إسلامية يمارس شعائر الإسلام .. لا يصرفهم عن ذلك ما يلاقونه من إبادة جماعية وتحريق للأراضي والبيوت والأرزاق[5].
إمارة مينداناو
دخل الإسلام جزيرة مينداناو[6] على يد الشريف "كابونجسوان"، وهو شقيق الشريف أبي بكر، الذي جاء من المملكة الإسلامي في جهور بالملايو، حيث اسقر بمينداناو مع عدد من أتباعه وتزوج هناك، ويقال إن الشريف "كابونجسوان" أبى أن ينزل إلى شاطئ الجزيرة حتى يعده هؤلاء الذين قدموا للقائه عند وصوله أن يعتنقوا الإسلام، فاعتنقوا الإسلام وأخذ السلطان الشريف "كابونجسوان" يوطد مملكته ويجاهد القبائل المجاورة له حتى قبلوا الإسلام وأذعنوا له[7].
وهكذا أصبح الإسلام هو دين الأغلبية في الفلبين، وقامت الممالك الإسلامية في طول الفلبين وعرضها.
[1] المسعودي: مروج الذهب ص63.
[2] للمزيد انظر: محمود شاكر: موسوعة التاريخ الإسلامي 7/ 264- 265، محمود شاكر: المسلمون في الفلبين ودولة مورو، ط2، بيروت، 1405هـ/1985م، ص44- 47، محمود قمر: الإسلام والمسلمون في جنوب شرق آسيا ص68- 69.
[3] المخدوم: كلمة يستعملها الهنود المسلمون ويقصدون بها الداعية أو الواعظ، انظر: محمود شاكر: المسلمون في الفلبين ودولة مورو، ص44، محمود قمر: الإسلام والمسلمون في جنوب شرق آسيا ص69.
[4] توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام ص441.
[5] توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام ص441، محمود قمر: الإسلام والمسلمون في جنوب شرق آسيا 70- 71.
[6] ليس هناك تاريخ محدد لوصول الإسلام إلى جزيرة منداناو، ولكن كما ذكر توماس أرنولد نقلا عن توماس فورست كان في النصف الأول من القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي، انظر: توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام ص439، حاشية 2.
[7] توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام ص439.
التعليقات
إرسال تعليقك